القلعة نيوز - {{{ في مفتتح عام 2017 اهدى دولة الملقي الشعب الاردني هدايا لطيفة ، استلها من كيس بابا نويل الحافل بالمفآجآت :ـ رفع اسعار الكهرباء ، المحروقات ،زيادة اجور النقل،اما البقية الباقية فهي آتية لا ريب فيها. البشرى الاكثر اثارة والاشد تأثيراً زفها لنا مسؤول نافذ ، بان الحكومة الرشيدة ( لم ولن ) ترفع رسوم التلفزيون،وكأن احدأ يشاهده او يفتقده لو أُصيب بالسكتة الابدية ..ورغم هذه اللفتة السخيفة...شكرنا الموصول للمسؤول لإستثناء سلعة رديئة من مسلسل الضريبة. }}}
بسام الياسين
جلس الموظف جميل بصلعته البراقة المفلطحة مثل حبة يقطين،مرتدياً دشداشته الكالحة التي تشي بانها من مخلفات الحرب العالمية الثانية...، ماطاً بوزه كأن كارثة ستحل على راسه او زلزالاً مدمراً اطاح بسلسلة عقاراته الضخمة، مع ان بيته الهرم مستأجراً وهو على وشك الطرد بحكم قضائي ، لتراكم الاجور المستحقة بذمته. تناول الريموت كنترول المرمي امامه ثم ضغط عليه عشوائياً،باحثاً عن محطة فضائية للهرب من افكاره السوداء التي عصرت صدره مثل حبة زيتون ذابلة بين فكي معصرة. مشهد مثير لاح امامه ، صبايا شبه عاريات،العاب نارية مُبهرة،موسيقى صاخبة احتفالاً بالسنة الجديدة...الكل يرقص فرحاً بينما هو يتكور على نفسه مثل قفةٍ همِّ وعظام في زاوية مظلمة ورطبة من بيته المتآكل،يندب حظه ويلعن تاريخ ميلاده المنحوس،متمنياً في قرارة نفسه، لو ان امه تمنّعت تلك الليلة المشؤومة،ورفضت الاستجابة لرغبة والده المحمومة،لما اتى لهذه الدنيا التعسة...لكنها حكمة الله الذي لا يُحمد على مكروه سواه .
فجرّ المشهد الراقص مكامن روحه، لواعج نفسه ،خبايا ذاكرته،فتساقطت على مخيلته صور عمره. تذكر ايامه الثقيلة ، طفولته اليابسة،مراهقته المحرومة،حذاءه المثقوب مثل طلاب مدرسة البربيطة في محافظة الطفيلة... فبدل ان يطير فرحاً بذكرياته كعادة الناس، جفّ حلقه،وانهمرت دموعه حتى بللت وجنتيه،خاصة حين نهض ليشرب كأس ماء، شعر ان عاموده الفقري اخذ يحدودب مثل ـ قوس ربابة ـ ،تقطّعت اوتارها،فخرجت من الخدمة لانها لا يُرجى صلاحها او اصلاحها ـ وهو الذي كان ـ ذات يوم ـ رياضياً يفيض قوة وحيوية ـ.. ما يؤلمه اكثر ان حياته اصبحت رتيبة كثور ساقية يدور معصوب العينين حول نفسه...وظيفة بائسة في وزارة خدمية مترهلة. سلف بنكية . ديون للاصدقاء والمعارف لا سبيل الى سدادها افقدته كرامته امامهم.. ما زاد شقاؤه شقاء،عدم قدرته مغادرة بيئته التي انهكها الفقر والحرمان،وكأنها خارج التاريخ والجغرافيا حيث تبعث في نفسه كآبة تُولّد في النفس رغبة بالانتحار.
راتب محدود. متطلبات كثيرة. التزامات مرهقة. اولاد بعضهم في الجامعات وبعضهم في الصفوف الثانوية... عوامل ضاغطة،رفعت ضغطه واوقفت البنكرياس... تفاقمت تعاسته حين اخبره الطبيب في آخر مراجعة له، ان الحبوب لم تعد فعالة ويجب التحول الى حقن الانسولين اضافة الى ان الضغط غير مستقر. ما كدّر مزاجه فوق مرارة ايامه،توجيهات الطبيب الصارمة له بالتوقف الفوري عن تناول " الهريسة " التي يحبها منذ طفولته،وهي المتعة الوحيدة الباقية له بعد ان تعطلت كافة ادواته وضمرت بسبب المرض وهموم الحياة. بعد هذا السيناريو الاسود... احس بانقباض شديد يملأ صدره،وخفقان يتسارع في قلبه،يرافقه عرق غزير يتفصّد من جسده رغم برودة الجو في اربيعنية الشتاء.
جرّ نفسه زحفاً للوصول الى الباب لكن محاولته باءت بالفشل. حاول الصراخ لاستدعاء الام او احد الاولاد فلم يقدر لفقدان صوته... عرف انها الجلطة اللعينة ضربت دماغه. القى بجسده المنهك على الحصيرة لعله يتخلص من ضيق التنفس الذي اخذ يمزق صدره مثل طعنات غادرة لا ترحم. ما لبث قليلاً حتى ذهب في اغفاءة / غيبوبة هو ذاته لا يدري... في الوقت الذي راح شخيره يصم الآذان،وتردد صداه الجدران بلحن جنائزي حزين... أنه الوداع الاخير.
حلم اثناء غفوته بان مجموعة من الاشرار،حملته الى ارض مهجورة،وقيدوه الى شجرة يابسة ثم انهالوا عليه ضرباُ بهروات مقدودة من سنديانة دون رحمة. بينما هو مستسلم خائر القوى لا يقوى رد الاذى عن نفسه... احس ان ضربة نزلت على نافوخه،ففجرت دماغه مثل راس بصل ضربه فقير جائع بقبضة يده،ليتناوله بنهم مع رغيف ساخن . فتح عينيه مرعوباً بتثاقل. ما زاد في رعبه انعقاد لسانه،بينما صدره يخفق كطبل افريقي يقرع مستنفراً القرية لمواجهة خطر داهم يحيط بها من كل جانب.
راى كل شيء يدور،سقف الغرفة، زوجته، اولاده وهم يتحلقون حوله ويغنون بصوت واحد رخيم :ـ سنة حلوة يا جميل ـ دون ان يعرفوا المصيبة التي حلت به وبهم ـ. رمقهم بنظرات زائغة محاولاً ان يلعنهم...ان يثنيهم...ان يشرح لهم علته...الا انه شهق شهقة مفزعة ارعبتهم.. همد بعدها جسده معلناً انطفاء محركه نهائياً....كأنما الرجل على عجلة من امره لا يريد استقبال الدقيقة الاولى من عام 2017 . صاحت ابنته بحرقة بابا مات بينما الام تندب بموالٍ ورثته عن المرحومة امها ويبدو انه متوارث في العائلة ـ يا ويلي عليه ما شاف يوم حلو في عمره ،مات الحزين ونفسه شقفة هريسة مغمسه بهَمْه ".
تراكض الاولاد في كل الاتجاهات لا يدرون ماذا يفعلون... فاستنجد احدهم بالجار المزمن ابو العبد صديق العائلة الذي هرع حافياً الى حيت الجسد المسجى. وعندما وصل وهو يلهث لحالة الربو التي تداهمه كل شتاء . القى نظرة حزن ... وقال متمتماً :ـ رحمة الله عليك يا جميل،تذكرني بالمذكور "جبر الي طلع من كم امه الى القبر "... المسكين لم ير في هذا الكون الشاسع الا الفقر والقهر ثم اقترب خطوة من الابن الاكبر مصححاً المثل حتى لا تسمع اخته المراهقة،عباراته المكشوفة بالنسخة الاصلية . ابو العبد ـ بخبرته الطويلة ـ شدد على بقاء احد الاولاد الى جانب الجثمان حتى لا تسلل القطط ،فتأكل آذان المرحوم مضيفاً برنة حزن :ـ مش معقول جميل الجميل يلاقي ربه بلا اذنين. خصوصاً ولنا في هذه الحارة سابقة مؤلمة يوم سقط الحاج بكري بائع الالبان في بقالته ميتاً، وحين اكتشف احدهم الوفاة وجدنا المسكين وقد صلمت القطط آذانه،وجدعت انفه.
طلب من اولاده قرآءة الفاتحة وتمديده على السُّنة الشريفة حتى يحين وقت غسله وتكفينه. تداعى الاولاد لحمله ووضعه باتجاه القبلة،وبينما هم يرفعونه،سقطت من جيبة دشداشته المفروطة ورقة لاحظها ابو العبد ... فالتقطها واخذ يقلبها بين يديه حتى فرغ الاولاد من المهمة... ناولها للاصغر الذي يدرس في كلية الحقوق،وطلب منه قرآءتها لانها آخر مخلفات الراحل. وهو لا يستطيع القراءة من دون نظارة طبية. تفحصها الابن وكانت مكتوبة بخط مرتعش الا انها مقروءة لكنها ليست معنونة او موجهة لاحد وهي على الاغلب تداعيات رجل يعاني من فاقة وعزلة. حاول الشاب الصغير القرآءة بصوت مسموع الا ان دموعه حبست حنجرته،فنتشها الاخ الاكبر واخذ يقرأ بصوت جهوري كأنه نائب في مجلس النواب الاردني يريد ان يطرح الثقة بالحكومة :ـ
"عندما تتحول حياة الفرد الى شقاء دائم . فثمة خطأ جسيم في تربيته ، سلوكه، نهجه،اما حين يعيش المجتمع كله في شقاء مُقيم باستثناء ـ قلة نخبوية ـ ،فثمة خطأ جسيم وخطايا قاتلة اقترفها القيّمون عليه. اولئك الذين يمسكون دفة السفينة بايدٍ تتقن عدّ ( العملة ) اكثر مما تتقن ( القيادة ).... الخالق العظيم لم يخلق الانسان لمصارعة العالم،والركض خلف اللقمة حتى تتقطع انفاسه ، ولا ليقضي عمره في كدر وطين،لكن الحكومات المتعاقبة جرجرتنا الى هذه الحالة بسبب ضعف الادارة والدراية والفساد المُبين التي لا تخطئه عين كليلة فما بالكم بعيون الشعب البصيرة وآذانه التي تلتقط دبيب النملة.
قناعة الناس كافة بلغت حدود اليقين،ان لا مكان لسعادة او متعة لو بـمساحة " مرقد عنزة " في حياتنا البائسة. دولة الرئيس هاني الملقي بدل ان يبدأ السنة الجديدة ـ بالصلاة على النبي ـ إفتتحها بمعايدة صادمة ، زيادة اسعار المحروقات،الكهرباء،النقل،وكأن الرئيس لا يعرف ان هذه الزيادة لها مخاطر مالية ونفسية تنعكس على الفرد بطريقة مؤذية،حيث يقول خبير اقتصادي امريكي :ـ ان رفع الاسعار سنتاً واحداً يبعث في نفسية المواطن الامريكي القلق والتوتر،فما بالك بالمواطن الاردني المسحوق الذي يمتطي رافعة اسعار " هايدروليكية " لا تتوقف عن الارتفاع . وما حسبوا حساباً في قادم الايام ان تخور قواه من شدة الدوار ، ويسقط جراء استنفاذ طاقة قدرته على الاحتمال.
سياسات فقيرة الرؤية والخبرة يقترفها الساسة،وكأن المواطن جرذ اختبار. فحولوا حياته من جنة ممتعة الى مقبرة مقفرة تنعق فوقها الغربان،وغابة متوحشة تسرح فيها الغيلان ... لذا وجدت انا ( المواطن الغلبان ) ان الرحيل بداية عام 2017 افضل من ذل السؤال،اذ ان التقارير تجمع انه سيكون اسوأ مما قبله. السؤال الذي كنت اسأله لنفسي بألم ممض على الدوام :ـ ليس قدرتي على مدى المقاومة والتحدي فانا انتهى امري بل السؤال الذي صدّع راسي وسيأتي بنهايتي :ـ لماذا يعاني الشاب الاردني من صراع حاد لاجل مستقبله كأنه يركب حصاناً متوحشا بلا لجام ،بدل ان يركب زورق احلام وقوده الامل، بغدٍ اجمل تدفع اشرعته نسائم الحب والسلام.
لذلك ارتأى جسدي العليل الرحيل بعيداً عن سياسات الساسة الدجالين،وتنظيرات الكذابين الذين يتكلمون عن المستقبل وهم يسرقونه مثلما سرقوا ماضينا،وحولوه الى ارصدة،عقارات،شيكات عابرة للمحيطات". نخبويون ذوو حصانة حصينة لا ترفع لو اقترف فاعلوها الموبقات السبع. مات عندهم الاحساس بالخجل بعد ان تُرك لهم الحبل على غاربه ،وغاب الضمير بوصفه الانا الاخلاقي للانسان او الانا الاعلى للشخصية السوية. فاستوى بعدها عندهم الحلال والحرام،الحق والباطل،العدل والظلم.... فلا مُسآءلة ولا مُحاسبة...لا متابعة ولا مطاردة...لا سجن ولا محاكمة .... هذا يدل ان الحكومة مقيدة اليدين،لا تملك الولاية العامة... ويؤكد بالملموس العملي ان الاحزاب ميتة ، النقابات نايمة ،الصحافة مرعوبة،مجلس النواب خارج التغطية لا يسمعون الا الآلو المشفرة.
فجأة تلعثم الابن الاكبر وغلبته التأتأة فتوقف عن القرآءة . فقال له ابو العبد ما بالك يا رجل ...هل بلعت لسانك ؟!... فرد عليه :ـ لا يا عمي ابو العبد بل انها جملة واقفة زي اعمدة اثار جرش، وبذيئة كتاريخ راقصة في ملهىٍ ليلي من الدرجة العاشرة،تلك التي رشقها في وجوه الكافة.... لذلك لا استطيع النطق بها لسببين ان عاطف الطراونة سيشطبها ثم لا يليق البوح بها امام والدتي واختي لذا ارتأيت السكوت....!. ".
فقال ابو العبد كأنه عرف الشتيمة المخبوءة لطول العشرة بينهما : ـ " بستاهلوا اكثر....انا بعرف لسان ابوك لما ينفعل ، بيصير اشد قذارة من النعل ".
مدونة بسام الياسين