القلعة نيوز
«أشعِروني بأنني واحد منكم، ليس بالعطف المهين، أدمجوني مع اخواني وأجمعوا لي دفء قلوبكم، اطردوا عني خوف العتمة في الليالي المظلمة التي عشتها، خففوا عني قيودي فأنا انسان مثلكم «.
«حكمتَ يا قاضي أن أعد سنيناً بالقيود غير محرر، تُبت للخالق الغفار وتغيرت وأصبحت مؤدباً، وانتظرت يوم افراجي فرحاً صابراً، وعاودت أتقاضى حكماً من مجتمع متمرد ومتعصب، ولست بقادر على أن أًقذف وأًنبذ كالكلب الأجرب، لا تشعروني أنني مصاص دماء، تقبلوني يا من تتحدثون عن الإنسانية».
هذه الكلمات قالتها أحدى السجينات بعد خروجها بشهرين .
دروب السجين ما بعد اطلاقه للحياة من جديد وعدم قبوله من مجتمع رافض، يشكل خطراً كبيراً على شخصيته، فالأكثر خطراً بشكل عام هو مدى تقبله من الأسرة بسبب التجربة التي عاشها رغما عنه.
فدرجة قبوله بالسلب أو الإيجاب تسهم بدرجة كبيرة في التخفيف من الأثار السلبية التي تعرض لها، أو تسهم في تجاوزه لهذه المرحلة، وبشكل عام لو كان المجتمع يعلم بأن قبوله للمرء بعد خروجه من السجن، وخاصة وان الاخير قد حصل على دورات مكثفة قبل الافراج عنه بكيفية التعامل مع الحياة الخارجية والأسرة والمجتمع، كما ان غياب المؤسسات بما فيها الجامعات والمدارس وعدم قيامها بواجباتها تجاه الناس ممن يتعرضون لظروف معينة وعدم منحهم دروسا للطلبة والأطفال والشباب عن مفهوم الدمج وكيفية تقبل الآخر سواء من ذوي الاحتياجات الخاصة أو أصاحب أمراض مزمنة وأيضا السجناء، يؤكد الحاجة إلى المشاريع التي تعلم الأفراد قبول الآخر بغض النظر عن حالته، وإذ قام المجتمع بمعاملته كأنه شاذ يزيده سوءا أكثر من السلوك والنفسية.
جهود
لنرفع صوتنا عالياً لتكثيف الجهود إلى إعادة دمج السجين بشكل سليم، داخل أسرته ومجتمعه؛ ليعود عنصراً فاعلاً بالحياة الاجتماعية والسياسية وندرك أن العائلة هي أساس المجتمع، والتي تسهم إيجاباً أو سلباً في نفسية السجين، ولها الدور الأساسي في تجاوز أزمة ما بعد السجن، ورغم التغيرات التي طرأت على حياة أهل السجين ومدى تفهمهم بأن ابنهم يعيش وسط نزلاء ومجرمين، بأن يتقبلوه ويكثفوا العناية به، ومساعدته بأن يعود انسانا صالحا من جديد، وبحال رفضه وعدم قبوله وسط أهله دون مآوى وحب بينهم، فمن المحتمل أن يرجع كالصدمة الكهربائية من جديد للعنف والسلوكيات الخاطئة، خاصة النساء اللواتي يصبحن عرضة بأن يستغلهن الأشخاص بأعمال مشبوهة.

خبير في السجون ومدير السجون السابق اللواء شريف العمري قال: « لابد من وجود دار للحالات التي سجنت والرعاية اللاحقة أو البرامج، الهدف منها استمرار برامج التأهيل التي تكون قد بدأت في مركز الاصلاح والتأهيل الهدف النهائي منها هو العودة للسجن والحياة الطبيعية التي يعيشها غالب الناس، وسهولة اندماجه بالمجتمع وفي الأسرة على وجه الخصوص وتشمل الرعاية النفسية والطبية والاقتصادية والاجتماعية، والهدف المأمول عدم عودة الشخص الى حظيرة الإجرام وضمان عدم عودته مرة أخرى، وتوفير بيئة هادئة وصحية وسليمة له حتى يستطيع أن يقف على قدميه من جديد قادراً على الأداء والعطاء واشعاره بكرامته وأنه انسان معطاء».
معوقات
وأضاف العمري : « هناك بعض المعوقات تعترض عملية الرعاية اللاحقة، معيقات مجتمعية وهي عدم قبول الشخص الذي يخرج من السجن، الوصمة التي تلاحقه بالمجتمع بسبب ارتكاب الجريمة، والتي تعيق عملية اندماجه في المجتمع إضافة إلى الصعوبات المالية والمعيشية الأخرى، فقبول الآخر والتسامح والرعاية بحاجة إلى دعم المجتمع، بجهد تعاوني،وعلى المجتمع المدني يشعر بأهمية قبول النزيل بعد الإفراج عنه، كونه نال جزاءه على الجريمة التي ارتكبها، فلم يعد من المعقول أن نعامله بصفة مذنب، يعفو عنه ويمهد له بفتح صفحة جديدة بالحياة بالمستقبل، المجتمع حساس جداً من ناحية السجناء، أقل كلمة تقال بحقهم « خريج سجون «، وهذا يعد خطأ من ناحية المجتمع، لذا يجب قبول النزلاء ومد يد العون لهم، كي تبقى فيه بذرة خير، فالانسان بحاجة إلى المساعدة طالما تعرض لخطأ ما في حياته، وارتكب جريمة دون أن يكرر هذا الخطأ ( مربع الإجرام ) ليعيش حياته الطبيعية أسوة بالآخرين«.
الرعاية اللاحقة
وأوضح العمري : « التنمية الاجتماعية لها دور حسب القانون ومراكز الاصلاح والتأهيل، و كذلك الجمعيات، و هي بحاجة إلى الدعم الدولي والمحلي لإدماج هؤلاء في المجتمع بشكل عام، كما ان قضايا النساء أكثر أهمية وحساسية وصعوبة بالتعامل مع الفتيات المهددات من قبل الآخرين، والمشردات دون مآوى وايضا الفتيات دون أهل، بحيث لا تصبح الفتاة مهمشة ضعيفة، وتولي عناية مكثفة من التنمية ومنظمات المجتمع المدني، والمآوى مهم بالدرجة الأولى، يخرج الشخص من السجن للشارع إذا لم نمد له يد العون والمساعدة يعود للسجن، أو يرتكب أية جريمة أو وسيلة قد يتعرض للقتل أو التهديد فيعيش حالة صعبة، ومن يتحمل تكلفة اقامته طول المدى تكاليف باهظة فهو بحاجة للدعم، من المهمات تأمين المآوى والبحث عن عمل قبل التصالح مع العائلة لقبوله عضو بهذه العائلة إذا كانت العائلة قابلة لإستيعابه، وموضوع الاستقبال يعتمد حسب الجريمة وكل جريمة تختلف في دراسة حالتها وإيجاد حل من الصعوبات التي يواجهونها والأمر غير سهل».
ولدي ايماناً مطلق بالسجين عندما يخرج يكون بحالة ضعف والفترة التي قضاها طويلة وبحاجة لمن يمد له يد العون والمساعدة، وإلا مصيره الشارع ويواجه مزيداً من المعاناة النفسية والمجتمع، وقد تكون احتمالات العودة للسجن واستغلاله جنسياً أو قتل وغيره».رئيس الجمعية الثقافية للرعاية اللاحقة وخبير التدريب في مراكز الإصلاح يونس العمري قال : « أسست الجمعية بعد تجربة طويلة في تدريب وتأهيل النزلاء، فعندما يتم الإفراج عنهم يواجهون صدمة، وهي صدمة الإفراج وأحياناً المجتمع وبعض الأسر لا يتقبلونهم؛ من باب وصمة العار، لذلك تم تأسيس الجمعية ونخبة من الخبراء السابقين بمراكز الإصلاح والتأهيل، اللواء شريف العمري، والعميد وليد الأنصاري، ومدير إدارة الإصلاح سابقاً وضاح الحمود، من خلال الجمعية يتم أخذ احصائيات النزلاء الذين سيتم الإفراج عنهم قبل خمسة أشهر من مراكز الاصلاح والتأهيل وخلال الفترة يتم التواصل مع أهلهم مشاكل أسرية نعمل على اتخاذ الاجراء اللازم حتى في منهم مع الحكام الإداريين برفع الإقامات الجبرية بهدف تشغيلهم وعدم عودتهم للجريمة مرة أخرى، إضافة نواصل التدريب النفسي والاجتماعي نؤمن لهم السكن وعمل ليصبح فرد مستقل».
ويجب تأهليهم لكيفية التعامل معهم، حيث أوجدنا الجانب الثقافي والفني التي هي من أهم الجوانب التدريبية والتي لها تأثير على حالة الانسان السجين من الجوانب العقلية والنفسية التي تؤثر على جسمه وتعلمه كيف يفكر وينتج بمردود واقعي وحقيقي، الدمج يكون حسب الجرم والظروف أحياناً لا يحتاج مع التلقين، لكن المجتمع بحاجة ليقبل الآخر«.
مسؤولية اجتماعية
وفي حديث مع عامر مكاحله خبير الموارد البشرية قال : « عدم تقبل السجين مجدداً مسؤولية اجتماعية، لذا وجب الاهتمام بهم، أن القانون أخذ مجراه والمسؤولية مطلوبة من المجتمع ككل، كذلك الجانب الحكومي والخاص وبغير ذلك يؤدي إلى الانحراف في السلوك، أما من جانب الأسرة تحكمنا في مجتمعنا الأردني عادات وتقاليد وأعراف ( العار ) أن يكون ابنهم متهم بالسجن، عليهم تقبل ولدهم الذي مضى بالسجن سواء ظالماً أو مظلوماً، والمطلوب الأساسي من الأسرة أن تحتضن فردها سواء كان عاقا أو بارا بأن تحتويه وتعمل على تصويب سلوكه. كل انسان له جانب مظلم نير، والأسرة قادرة على استغلال هذا الجانب. فالمحور الأساسي الأسرة، ومن واجب الدولة أن تؤمن للسجين ما بعد السجن رعاية ووظيفة، مراكز الرعاية والتأهيل للسجناء ليست سجنا إنما تؤهلهم وتجهزهم للخروج إلى المجتمع، ومسؤولية الحكومة ومنظمات المجتمع المدني لتأهيل الأفراد واستغلال طاقاتهم في مسيرة بناء الدولة».
الجانب النفسي
وأضاف مكاحله : « ولا ننسى الجانب النفسي له، ولو كان جرمه بسيطا، سيكبر ويضع نقمته على الأسرة والمجتمع؛ ما يؤدي إلى عواقب وخيمة تعزز انتماءه للعنف والجماعات الإرهابية، ومعظم افراد هذه الجماعات يتوجهون لمن يعانون الحرمان والإضطهاد وفي مجتمعاهم وحالياً نعيش في فترة محورية، يجب على الأسرة والمؤسسات المعنية مراعاتهم وتقبلهم واستغلال طاقاتهم».--الدستور