القلعة نيوز

نُشر تقرير المخاطر العالمية للعام الماضي في وقت بدأ فيه عدم اليقين العالمي بالازدياد، وكذلك السخط والاستياء العام من النظم السياسية والاقتصادية القائمة. ودعا التقرير الى "إصلاحات جذرية لرأسمالية السوق” وإعادة بناء التضامن داخل الدول وفيما بينها. وبعد عام على نشر تقرير العام الماضي، يشهد الاقتصاد العالمي حالة من الانتعاش، ما يتيح فرصاً جديدة لإحراز تقدم لا يجوز تفويته. وإن كانت الحاجة الملحة لمواجهة التحديات النظامية قد شهدت أي تغيير، فهو بدون أي شكّ في ازدياد كبير، وذلك وسط دلائل متكررة على عدم اليقين، وعدم الاستقرار، والهشاشة.

تبرع الإنسانية اليوم في تخفيف وطأة المخاطر التقليدية التي يمكن عزلها وإدارتها بسهولة – نسبياً – باستخدام نهج إدارة المخاطر. إلا أنها أقل كفاءة عندما يتعلق الأمر بمعالجة المخاطر المعقدة في النظم المترابطة التي تدعم عالمنا، كالمنظمات والاقتصادات والمجتمعات والبيئة. وهناك دلائل على إجهاد الكثير من هذه النظم، حيث أن تسارع وتيرة التغيير تختبر مدى قدرة المؤسسات والمجتمعات والأفراد على استيعاب التغيير. وعند تتالي المخاطر من خلال نظام معقد، فإن الخطر لا يكمن في الضرر المتزايد، وإنما في "الانهيار التام” أو الانتقال المفاجئ إلى وضع جديد أسوأ.

****

في الدراسة المسحية السنوية للمخاطر العالمية، نمت المخاطر البيئية بشكل كبير في السنوات الأخيرة. ولا يختلف هذا العام عن سابقيه، حيث صُنّفت المخاطر الخمسة التي تشملها فئة المخاطر البيئية بمستوى أعلى من المتوسط ​​في كلّ من احتمالية الحدوث والتأثير على مدى العشر سنوات المقبلة. ويأتي ذلك بعد عام شهد أعاصير خطيرة، ودرجات حرارة قصوى، وأول ارتفاع في انبعاثات ثاني أكسيد الكربون على مدى أربع سنوات. لقد دفعنا بكوكبنا إلى حافة الهاوية وأصبح الضرر يتوضّح أكثر فأكثر. هذا ولا ينفك التنوع البيولوجي بالنقصان حتى وصل إلى معدلات الانقراض الجماعي، بينما تتعرض النظم الزراعية للضغوط، ويزداد كل من الهواء والبحر تلوثاً حتى أصبحا يشكلا تهديداً ملحاً على صحة الإنسان. هذا ومن شأن الاتجاه نحو الانفرادية القومية أن يزيد من صعوبة استدامة الاستجابات متعددة الأطراف وطويلة الأمد، اللازمة لمواجهة الاحتباس الحراري وتدهور البيئة العالمية.

إضافةً إلى ذلك، تزداد مخاطر الأمن السيبراني، سواء في انتشارها أو في إمكاناتها التخريبية. وقد ازدادت الهجمات ضد الأعمال التجارية في غضون خمس سنوات إلى ما يقارب الضعف، وأصبحت الحوادث التي كانت تعتبر في الماضي أمراً استثنائياً، أكثر شيوعاً. وفي الوقت ذاته يزداد الأثر المالي لخروقات ومشكلات الأمن السيبراني، فلا بد من الإشارة إلى أن 64٪ من عمليات سرقة الأموال خلال عام 2017 كانت من خلال رسائل البريد الإلكتروني الخبيثة. ومن الأمثلة البارزة هجوم WannaCry، الذي أثر على 300000 جهاز كمبيوتر في 150 بلداً، وهجوم NotPetya، والذي تسبب في خسائر فصلية قدرها 300 مليون دولار لعدد من الشركات المتضررة. وهناك اتجاه آخر يزداد انتشاراً، ألا وهو استخدام الهجمات الإلكترونية لاستهداف البنية التحتية الحيوية والقطاعات الصناعية الاستراتيجية، ما يثير المخاوف من أن الهجمات هذه قد تؤدي – في أسوأ السيناريوهات – إلى انهيار النظم التي تعمل بها المجتمعات.

وتشير المؤشرات الاقتصادية الرئيسية إلى أن العالم قد بدأ يستعيد عافيته بعد الأزمة العالمية التي عاشها قبل عشرة أعوام، إلا أن هذه الصورة المتفائلة تُخفي وراءها مشكلات مستمرة. فالاقتصاد العالمي يواجه مزيجاً من المشكلات طويلة الأمد، والعديد من التهديدات الجديدة التي تشكّلت أو تطورت في السنوات التي تلت الأزمة. وتشمل المخاطر الاقتصادية المألوفة احتمالية ارتفاع أسعار الأصول بشكل غير مستدام في عالم يتخبط منذ ثماني سنوات، وارتفاع المديونية – ولا سيما في الصين – واستمرار الضغوط في النظام المالي العالمي. أما المخاطر الجديدة فمنها محدودية القوى السياسة في حالة حدوث أزمة جديدة، واضطرابات ناجمة عن تكثيف أنماط الأتمتة والرقمنة، وتراكم الضغوط التجارية والحمائية في الوقت الذي يزداد فيه الشعور القومي والشعبي.

لقد انتقل العالم إلى مرحلة جيوسياسية جديدة ومقلقة، فالمناهج متعددة الأطراف، والقائمة على القواعد بدأت بالتلاشي. بينما أصبحت فكرة إعادة إرساء الدولة لتكون المركز الرئيسي للسلطة والشرعية استراتيجية جذابة للعديد من البلدان، إلا أن هذه الاستراتيجية قد تؤدي إلى تقلص العديد من الدول الأصغر حجماً في ظلّ التغيرات الجيوسياسية التي نعيشها. وفي الوقت الحالي، لا توجد أية قواعد ومؤسسات يمكن للقوى العالمية الكبرى أن تلجأ إليها. ومن شأن هذا أن يخلق مخاطر وشكوك جديدة، كارتفاع التوترات العسكرية، والاختلالات الاقتصادية والتجارية، وحلقات ردود الأفعال المرتدة المزعزعة للاستقرار بين الظروف العالمية المتغيرة والظروف السياسية المحلية للبلدان.هذا ولا بد من الإشارة إلى أن العلاقات الدولية تُنفذ اليوم بأشكال متنوعة جداً. فبعيداً عن شكل العلاقات العسكرية التقليدية، تشمل هذه الأشكال مصادر سيبرانية جديدة للقوى والقوى الإلكترونية، وإعادة تشكيل الروابط التجارية والاستثمارية، والصراعات التفاوضية، وتغيير ديناميكيات التحالف، والاضطرابات المحتملة المتعلق بالمشاعات العالمية. وسيتطلب تقييم وتخفيف حدة وطأة المخاطر في جميع هذه السناريوهات التي تنضوي على نزاعات محتملة إجراء دراسة دقيقة للمستقبل، وتوقع للأزمات من جانب الجهات الحكومية وغير الحكومية على السواء.

****

يقدم تقرير المخاطر العالمية لهذا العام ثلاث نقاط جديدة هي: الصدمات المستقبلية، والإدراك المتأخر وإعادة تقييم المخاطر. ويكمن هدفنا في توسيع نطاق التقرير التحليلي، حيث أن كل عنصر من هذه العناصر يوفر وجهة نظر مختلفة يمكن من خلالها رؤية عالم من المخاطر العالمية متزايدة التعقيد.

· الصدمات المستقبلية: وهو تحذير من الرضا بالوضع الراهن وتذكير بأن المخاطر قد تتبلور بسرعة وتخرج عن إطارها المتوقع. وفي عالم من النظم المعقدة والمتشابكة، يمكن أن تؤدي حلقات ردود الأفعال، والآثار الهائلة، والاضطرابات المتتالية إلى انهيارات مفاجئة ومأساوية. ويُقدم التقرير 10 سيناريوهات لهذه الانهيارات المفاجئة، كالانهيارات الديمقراطية والصراعات الإلكترونية المتصاعدة – ليس من شأن هذه السيناريوهات أن تخدم كتنبؤات مستقبلية، وإنما لتكون مادة فكرية دسمة: ما هي الصدمات التي قد تقلب عالمك رأساً على عقب؟

· الإدراك المتأخر: لا بد لنا من النظر إلى المخاطر التي حللناها في النسخ السابقة من تقرير المخاطر العالمية، وتتبع تطورها والاستجابات العالمية لها. حيث أن إعادة النظر في التقارير السابقة بهذه الطريقة تسمح لنا قياس الجهود المبذولة للتخفيف من المخاطر وتحديد المخاطر التي قد تستدعي مزيداً من العناية. وسنقوم هذا العام بدراسة بعض المخاطر التي حددها تقرير العام 2013 وهي: مقاومة مضادات الميكروبات، وبطالة الشباب، وحرائق الغابات الرقمية – وهي ما عرفناه حينها بظاهرة أشبه بما يعرف اليوم بـ "الأخبار الوهمية”.

إعادة تقييم المخاطر: تشترك باقة مختارة من خبراء المخاطر في آرائها حول تبعيات المخاطر على صناع القرار في الشركات والحكومات والمجتمع المدني فيما إذا تطور فهمنا للمخاطر. في تقرير هذا العام، يتحدث رولاند كوبيرز عن تعزيز المرونة في النظم المعقدة، في حين يدعو ميشيل ووكر المنظمات إلى إيلاء المزيد من الاهتمام للتحيز المعرفي في عملية إدارة المخاطر