القلعة نيوز -  د. نضال القطامين

على الدوام، تميّزت علاقاتنا بدول الخليج بصفات فريدة واستثنائية، في الهوية والهدف والمصير المشترك. ويمكننا القول بأن المملكة العربية السعودية ودولة الكويت ودولة الإمارات العربية المتحدة، كانت في طليعة الذين اتصفت علاقاتنا بهم بالقوة والثبات رغم عوامل السياسة ومتغيرات الإقليم.

لا تتعلق القمة الرباعية الأخيرة بشيء أكثر مما تتعلق بالحرص على الأردن قويّا في الإقتصاد قوته في السياسة، وتثبيت الإعتراف به لاعباً مهماً في المنطقة، ودولةً ذات نهج تنموي وسياسي وديمقراطي متقدم على دول الإقليم.

في ظلال التغيّرات التي أعقبت الربيع العربي، بات واضحاً أن الأردن أضحى رقماً صعباً يستحيل من دونه رسم السياسات في المنطقة. لقد فرض هذا الواقع قيادة صلبة ورؤية ثاقبة وممارسات سياسية حصيفة تجاه كل الملفات.

اليوم تجتمع القمة التي دعا لها خادم الحرمين الشريفين لدعم الأردن. لم يكن ذاك مفاجأة سياسية وليس فيها مداخل لشكوك حيال المقابل المتوقع.

لقد أدار جلالة الملك الملفات الدبلوماسية بحكمة رفيعة، ولقد أيقن الأشقاء في دول الخليج أن وجود أردن قوي يقابله خليج قوي، وأن ترك الأردن وحيدا في التعاطي مع الأزمة الإقتصادية، سيغيّر شكل التحالفات التقليدية، فيما سيكون لهذا التحوّل ثمنه السياسي الباهظ، فضلاً عن أن أزمات الأردن الإقتصادية ستعصف بالإقليم بما فيه دول الخليج بالطبع.

وغني عن القول، أن نهج جلالة الملك الإصلاحي، والأداء الحصيف الذي اتسم بالليونة والوقوف مع الشعب في تفهّم احتجاجاته، قد أطلق رسائل واضحة التقطها الأشقاء بوعي وحكمة وقرارات، وأدركوا أنهم معنيون بهذه الإشارات أكثر من غيرهم.

هذه قراءة أولى للتغيّر في التعامل مع الأزمة الإقتصادية في الأردن. 

لكنها أبدا لن تنفي التاريخ المشرق في علاقات الأردن التاريخية بالمملكة العربية السعودية والخليج.

لقد بات راسخا في وجدان الأردنيين، مكرمات الأشقاء على مر التاريخ، ولطالما تصدرت الأخبار افتتاح مشاريعِ تنموية بتمويل خليجي، وفي طريق المغادرين إلى الجنوب حضورٌ سعودي كامل البهاء: أوتستراد المطار الذي أنشىء بمنحة من الصندوق السعودي للتنمية، وكذا الطريق الصحراوي وطريق الزرقاء العمري وتقاطعات أمانة عمان الكبرى وتوسعة مركز الحسين والعديد من المشاريع التنمويّة في الأسكان والأعمار والبنية التحتية ودعم مشاريع التعليم وبناء المدارس والجامعات والكليات، والمشاريع الصحية المتعددة وغيرها.القائمة طويلة وسبل معرفتها ميسرة.

هذا من أخلاق الكرام، ومن شأن كل ما يقال عن العروبة والأخوة في الدين والعرق. لكن الذي لا شأن له بذلك أبدا، هو الجحود والنكران.

ليس مطلوب من أحد منّةً على أحد. 

والمتتبع لاقتصاديات الدول الشقيقة ، يرى أثر هزات انخفاض سعر النفط عليها، لكنها أبداً ما أدارت ظهرها لأحد ولا تخاذلت عن عون ولا نصرة.

في هذا المناخ الصاخب ينبغي بدرجة كبيرة أن لا ننسى.

 وحين نكتب عن المشروع العربي الإسلامي في مواجهة إسقاط المشروع الصهيوني، فإن على النخب السياسية أن تستحضر التاريخ، وأن ترى بالعين الصادقة ما لا يراه المتعامون، وأن حماقات خلط الأوراق ليست في مصلحة أحد.

وسط تهافت المبادىء العروبية القومية الإنسانية نظرياً، وبشكل عملي صارخ في بعض التجارب، وفي نصف المسافة إلى الحلم العروبي القومي، تأتي رسالة دول الخليج - وفي مقدمتها الدولة السعودية - في التنمية، نموذجا حقيقيا تطبيقيا لبعض ما تغنّينا به من أمة عربية واحدة ذات رسالة خالدة.

أيُّ خلود أفضل من ذلك، لتجيبنا النخب التي استعصى عليها فهم الأيدلوجيات الجديدة في السياسة. ماذا على الخليج وهو يمد يده لنا وسط خيبات متتالية في انتعاش الاقتصاد المنهك. ماذا شكّل الدعم الخليجي من إسهام كبير في البنية التحتية الوطنية، فلتجب النخب الاقتصادية والسياسية على هذه الأسئلة.

ثم ماذا علينا من تغيير السياسات هناك، والحرص على ارتباطها بالمصالح العليا، كما تفعل كل دول العالم، ماذا علينا واليد الكريمة ممدودة بالخير والفزعة دائما.

ليس باستطاعتنا نكران الجميل، وتبقى السياسة تبحث عن المصالح أبدا، وتبقى كذلك الثوابت، ولتعيد نُخبنا تأهيل الفكرة من جديد، ومن يسقيك كأس ماء وأنت تلهث عطشا، فذاك وأيم الله كرمٌ ما وراءه كرم.

وقبل هذا كلّه وبعده، فلنا أن نفخر بقائد عبقري مثل جلالة الملك، الهاشمي العروبي العالمي، الحامل في إهابه، فكرة المشروع العربي الإسلامي، والمتكىء على تاريخ كبير من فنون السياسة وبعد النظر والقيادة الحكيمة، المدرك في كل الظروف كيف يختار القادة طرق الخلاص والتقدم والازدهار.