القلعة نيوز
«لا أحد ينكر وجود أزمة نقدية حقيقية في غياب نظرية نقدية عربية تلائم وتخدم الإبداع العربي، وفي المقابل يمكننا الاعتراف بوجود إبداع عربي وإن لم يكن بالمستوى المطلوب الذي نسعى إلى تحقيقه»، هذا ما ذهبت إليه الناقدة د. ماجدة صلاح، مؤكدة أن «القارئ لروايات فحماوي يلاحظ أنها انعكاس للواقع العربي، والمأساة حاضرة في كل رواياته». «الدستور»، التقت الناقدة د. صلاح وحاورتها حول كتابها «المأساة الفلسطينية في روايات صبحي فحماوي»، وحول قضايا نقدية أخرى.
* منذ النكبة الفلسطينية ومأساتها، صدرت العديد من الروايات والقصص التي عالجت سرديا المأساة الفلسطينية.. أين تموقعين تجربة الروائي والقاص صبحي فحماوي في هذه المعالجات السردية؟
- تعد روايات صبحي فحماوي من أهم الروايات التي أخذت على عاتقها توثيق المأساة الفلسطينية ومعالجتها سرديا، ويمكننا أن نضع أعماله الروائية في الصفوف الأولى المتقدمة للروايات التي تناولت المأساة الفلسطينية، فهناك العديد من الكتّاب الذين كرّسوا إبداعاتهم خدمة للقضية ومنهم غسان كنفاني و جبرا إبراهيم جبرا، وأميل حبيبي ، ويحيى يخلف ، وغيرهم.. ورغم أن روايات صبحي فحماوي تتمحور حول جرح الأمة النازف، القضية الفلسطينية و النكبة فإنها تبقى ملتحمة ومتشابكة غبر منفصلة عن الجسد العربي وآماله وآلامه إذ تتناول المجتمعات العربية بعاداتها وتأزماتها وآمالها وانكساراتها، والأحداث التي أثرت فيها جرّاء النكبة.
* إلى أي مدى استطاع الروائي فحماوي من خلال قراءتك المعمقة لأعماله في كتابك «المأساة الفلسطينية في روايات صبحي فحماوي» أن يؤرخ للمأساة؟
- أعتقد أن كتابي النقدي هذا استطاع إلى حد كبير أن يؤرخ لفترة زمنية عصيبة ألمّت بالفلسطينيين والأمة العربية ولا تزال. فالقارئ لروايات فحماوي يلاحظ أن رواياته انعكاس للواقع العربي، فهي سرد فني وغير مباشر لأحداث النكبة وتبعاتها، والمأساة حاضرة في كل رواياته، وإن اختلفت مساحة وجودها من رواية إلى أخرى، فمثلا رواية عذبة، وحرمتان ومحرم، وسروال بلقيس وصديقتي اليهودية وقصة عشق كنعانية، تبرز فيها المأساة وتشغل حيزا كبيرا منذ البداية وحتى النهاية وهي المحور الرئيس الذي تدور حوله الأحداث، في حين نجدها حاضرة جزئيا في روايات أخرى كالأرملة السوداء، والإسكندرية 2050، وقاع البلد، وغيرها، وقد غطّى من خلال رواياته جزءا مهما من هذه المأساة انطلاقا من النكبة 48 مرورا بحرب 67 والانتفاضة واتفاق أسلو وحرب الخليج وغيرها من الأحداث التي غيّرت مجرى التاريخ العربي والقضية الفلسطينية.إذ استطاع أن يوثّق الحقبة المهمة في تاريخ المأساة الفلسطينية، وأن يظهر ما لحق الفلسطيني جرّاء النكبة وما بعدها من ويلات وتشتت وتهجير وسوء معاملة.
* برأيك - وأنت الناقدة- هل استخدام اللهجة الدارجة والأغاني والأهازيج والأمثال في النص الروائي، يخدم العمل الروائي؟
- إن استخدام اللهجة الدارجة إذا  أحسن الروائي توظيفه في مواضع محددة يتطلبها  العمل الأدبي كالحوارات أو المنولوجات مثلا، فهذا الاستخدام المدروس لا يقلل من قيمة العمل الروائي، بل يمنح الرواية واقعية، ويعمق الصوت والصورة، وينقلها بكل تفاصيلها الدقيقة وأبعادها، فيعيش القارئ مع الأحداث والشخصيات ويتفاعل معها، ويرجع استحسان وقبول اللهجة الدارجة، أو رفضها، في العمل الروائي، إلى قدرة الكاتب نفسه، ومهارته في توظيفها في الرواية.. وإذا وفّق الكاتب في استخدام الموروث الشعبي (الأهازيج والأمثال والأغاني الشعبية) والاستعانة بها في مواضع يتطلبها الموقف أو الحدث، فإنه يثري العمل، ويساعد في تقريب المعنى، وإيصال الفكرة وفهمها، وبالتالي يضفي على النص عمقا وواقعية، خاصة في الروايات الفلسطينية التي تسجّل تاريخ القضية، وتحاول الحفاظ على هويتها، يتوقف ذلك كله على عدم إقحامها إقحاما داخل العمل الروائي، بل يجعلها تأتي في المكان المناسب من غير تكلّف.
* لعبت الصورة الفنية في روايات فحماوي دورا مركزيا كما تقولين، ماذا عن هذا الدور وتقنياته؟
- توسع المفهوم العام  للصورة الفنية فلم تعد الصورة مقتصرة على التشبيهات أو الاستعارات، لكنها شملت اللغة بمفرداتها وتراكيبها وانزياحاتها، وهذا ما اشتغل عليه فحماوي، إذ تمكّن هذا الروائي من تجسيد المأساة، ورسمها عبر كلمات موحية منتقاة بعناية ، تحمل دلالات مكثّفة، وجعلها نابضة بالحياة والحركة ، مفعمة بالعاطفة ، مجسدة للأحداث والمواقف والمشاهد كأن القارئ يراها تتحرك أمامه، فنهضت الصورة بعدة مهام، إذ أظهرت البون الشاسع بين حال الفلسطيني قبل النكبة وبعدها، وكشفت ألوان العذاب الذي لحق الفلسطيني وعاشه، ومدى الظلم الذي وقع عليه وأنهكه، فتكون غالبية الصور بذلك قد اختصرت معاناة الفلسطيني مجسدة مأساته.
* الناقدة د. ماجدة صلاح؛  على أي مرتكز أو منهج نقدي تشتغلين؟ 
- هناك اتجاهان في النقد؛ الاتجاه الأول؛ «سياقي» يُعنى بما هو خارج النص، ومرتبط به، ك»المنهج التاريخي والاجتماعي»، والاتجاه الثاني؛ «نصي» يُعنى بالنص وبنيته، وكل ما هو داخل النص، ولا علاقة له بما هو خارجه ك»البنيوي»، يندرج تحتهما العديد من المناهج النقدية القديمة والحديثة، ويهتم كل منهج من هذه المناهج بجانب أو ناحية معينة في العمل الأدبي ويركز عليها، لذلك لا أحدد مسبقا المنهج الذي سأعتمده في دراسة عمل أدبي، ولا أرتكز على منهج معين ، فالعمل هو الذي يفرض على الدارس، المنهج الذي يتبعه، وليس العكس، ففي دراستي وتحليلي لروايات فحماوي، كانت الدراسة هي التي تفرض نفسها للاستعانة  بأكثر من منهج، ومن خلال الأسئلة التي تكفلتْ الدراسة بالإجابة عنها، كان لا بد من ربط ما هو خارج النص بداخله، لوجود علاقة قوية بينهما ، فمضامين غالبية روايات فحماوي تستمد أحداثها من الوقائع التاريخية والأحداث السياسية ، كما تتمحور رواياته حول القضية الفلسطينية، وما تبعها من معاناة اجتماعية واقتصادية وسياسية وغيرها، تركت بصماتها، وأرخت بظلالها على تلك النواحي، غير معزولة عنها، وكل ذلك يربط ما هو خارج النص بما هو داخله.  وبالتالي لا يمكن لمنهج واحد أن ينهض بمهمة الكشف عن مضمون الرواية أو الطرق التي لجأ إليها الكاتب للتعبير عنه.
* يقال بأن النقد العربي المعاصر لم يبن النقد الموروث النقدي العربي القديم وبات أسيراً للنظريات الغربية... هل هذا الرأي صحيح؟
- نعم صحيح تماما، ولكن، «من ليس له ماض، فلا حاضر له.» نحن لدينا ماض وأرث ثقافي عريق، لم نشتغل عليه أو نستغله؛ لأننا قطعنا علاقتنا بماضينا وموروثنا النقدي ولم نحافظ عليه، في حين استثمر الغرب جهود العرب القدامى وغيرهم، فطوّروها، وجددوا فيها، وأضافوا عليها، حتى وصلوا إلى ما وصلوا إليه، بينما نحن آثرنا أن نكون تابعين للغرب، لم نبن نقدنا المعاصر على موروثنا النقدي القديم الذي قللنا من أهميته، إذ لم يلتفت إليه أو يتنبه له النقاد والعلماء، وفضلوا أخذ قوالب غربية ونظريات نقدية جاهزة من غير تعب أو جهد.
* هل ثمة نظرية نقدية عربية يمكن الاعتماد عليها في راهن الأيام، ولماذا النقد العربي الحديث لم يواكب التجربة الإبداعية الحديثة، وهل ثمة أزمة نقدية، أم أزمة إبداعية؟
- لا يوجد مع الأسف الشديد نظرية نقدية عربية بحتة، هناك محاولات مستمدة من النقد الغربي، وكل النظريات والمناهج النقدية الحديثة غربية وغريبة علينا، نحاول تطبيقها على إبداعاتنا العربية. وفرضها على نصوصنا الأدبية ولو بالإكراه. وهذا الأمر انعكس سلبا على نقدنا. لا أحد ينكر وجود أزمة نقدية حقيقية في غياب نظرية نقدية عربية تلائم وتخدم الإبداع العربي، وفي المقابل يمكننا الاعتراف بوجود إبداع عربي وإن لم يكن بالمستوى المطلوب الذي نسعى إلى تحقيقه.===الدستور