القلعة نيوز:

كتب: عريب الرنتاوي، مدير عام مركز القدس للدراسات السياسية
من دون إعلان مسبق، وصل بنيامين نتنياهو إلى عمان، في زيارة هي الأولى منذ عامين تقريباً (قمة العقبة الرباعية أواخر العام 2016) تخللتهما أزمة دبلوماسية حادة بين الجانبين، على خلفية مقتل أردنيين اثنين على يد حارس السفارة الإسرائيلية في حي الرابية بعمان ... الزيارة المفاجئة، تأتي كذلك، قبيل جولة إقليمية، يقوم بها صهر الرئيس الأمريكي جارد كوشنير، المولج ملف "السلام في الشرق الأوسط" صحبة الموفد الأمريكي لعملية السلام، جيبسون جرينبلات، والمقرر لها أن تشمل كل من إسرائيل والأردن ومصر والسعودية وقطر. ما الذي جاء به نتنياهو إلى عمان، وما الذي سمعه من محدثيه الأردنيين؟ بعد أن ضمن اعترافاً أمريكياً ثميناً بالسيادة الإسرائيلية على "العاصمة الأبدية الموحدة"، يسعى نتنياهو، ومن خلفه آلة الدعاية الإسرائيلية – الأمريكية العملاقة، في الترويج للفصل بين مفهومين، يصعب الفصل بينهما: السيادة الإسرائيلية على القدس بشطريها الشرقي والغربي، والرعاية الهاشمية للأقصى والمقدسات الإسلامية في المدينة ... نتنياهو، وفي مسعى لتبديد القلق والغضب الأردنيين الذين تفاقما بعد قرار ترامب حول القدس والبوح عن مكنونات صفقة القرن، يأتي مُطَمئناً: لا تغيير على الوضع القائم "الستاتيكو" في المدينة، حين يتعلق بحقوق الطوائف والجماعات الدينية، أي بلغة أخرى، لا خوف على الرعاية الهاشمية للمقدسات ولا مساس بها. لست من القائلين بأن نتنياهو جاء إلى عمّان مروّجاً لصفقة القرن، فالرجل أخذ من الصفقة ما يريد، أخذ القدس واللاجئين، والمستوطنات على الطريق، وليس له مصلحة في استعجال الصفقة، وتبكير "دفع الثمن"، حتى وإن كان ثمناً بخساً، من نوع توسيع مناطق انتشار السلطة على بعض مناطق الضفة من ضمن السيادة الإسرائيلية ... نتنياهو ليس مهتماً بذلك، كل ما يريده الرجل، صورة للرأي العام الإسرائيلي والغربي، تقول بأن إسرائيل ليست معزولة، وأن صفحة "انعدام اليقين" في علاقاتها مع الأردن قد طويت، وأن كل ما يصدر عن رام الله من اتهامات و"ادعاءات" لا يمثل الحقيقة في شيء ... هي رسالة لواشنطن، بالأساس، مفادها أن المياه تعود لمجاريها مع العالم العربي، ومع أصدقاء واشنطن وحلفائها، بالرغم من قرار الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة الأمريكية إليها... ولهذا لم يكن غريباً، ولا مفاجئاً، أن تصدر ردة الفعل الأولى المرحبة بالزيارة واللقاء، عن الموفد جرينبلات، باعتبارها خطوة مهمة للبلدين والمنطقة برمتها. الأردن في المقابل، حريص على استمرار دوره التاريخي في رعاية الأقصى والمقدسات، وهو طالما طالب بعدم المساس بالواقع القائم في المدينة ... لكنه حرص على تظهير عناصر الحل النهائي كما يراها، وهو أبلغ نتنياهو بأن القدس هي مفتاح الحرب والسلام، وللمسلمين والمسيحيين فيها من الحقوق والتطلعات، ما لليهود أو أكثر، والحل النهائي من وجهة النظر الأردنية يقوم على قيام دولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس الشرقية، وبخلافه فلا أمن ولا استقرار في المنطقة برمتها ... هذا الكلام، سمعه نتنياهو، وسيسمعه كوشنير وجرينبلات عندما يحلان في عمان، كمحطة في جولتهما الإقليمية، التي من المقرر لها أن تكون "توطئة" للكشف عن خبايا "صفقة القرن". والأردن الذي يعاني ما يعاني من ضائقة اقتصادية، معني تماماً بتوسيع هوامش التبادل التجاري والاقتصادي مع السوق الفلسطينية، المختطفة بالكامل من قبل سلطات الاحتلال الإسرائيلية، وهنا يبدو أن ثمة تقدم قد تحقق على هذا الصعيد، لا نعرف حتى الآن مقداره، ولا متى سيتم الإعلان عن "فك أسر" هذه السوق، وما الذي تريده إسرائيل في المقابل، ومن الطرفين الأردني والفلسطيني، فلا وجبات مجانية في العرف والتقاليد السياسية والدبلوماسية الإسرائيلية. زيارة نتنياهو لعمّان، قوبلت بالاستياء من قبل الرأي العام الأردني، كما عبرت عن ذلك وسائل التواصل الاجتماعي ... بيد أنها من وجهة نظر عمّان "الرسمية" تندرج في سياق الاشتباك الأردني مع مختلف اللاعبين الإقليميين والدوليين، لتظهير الموقف الأردني بعناصره الرئيسة ... وأحسب أن المطلوب من الأردن أن يبقى على هذه المواقف، ويكرس التزامه به، وإن كان من غير المتوقع له، أن ينجح في إحباط المسعى الأمريكي – الإسرائيلي، في ظل موقف عربي متهالك ومتهافت. الفلسطينيون لم يعلقوا كثيراً على الزيارة وأنباء اللقاء، والمؤكد أنهم قليلو الاعتناء بمحتويات جعبة نتنياهو، فهم عرفوا الرجل وخبروا أكاذيبه وألاعيبه، وجُلّ اهتمامهم منصب للتعرف على ما تحتويه جعبة كوشنير – جرينبلات، من أفكار لا يُرتجى منها خيراً للفلسطينيين، وأكثر ما يثير خشية هؤلاء، ارتفاع منسوب الاهتمام الأمريكي – الإسرائيلي بالوضع الإنساني في قطاع غزة، والخشية هنا، تكمن في احتمال تمرير أكثر الحلول تصفويةً للقضية الفلسطينية، تحت عباءة إنسانية، تجعل المؤقت دائماً، حين يتعلق الأمر بمستقبل غزة ومصير قطاعها المحاصر، تعيد الاعتبار لنظرية صهيونية قديمة – جديدة: غزة هي فلسطين، هي الدولة والإمارة، ولا بأس من إلحاق ما تبقى من الضفة الغربية، بملكوتها.