القلعة نيوزلا تحظى الدراما التلفزيونية العربية بمتابعات نقدية لائقة تعبر عن الدور الذي تلعبه الدراما في المجتمع، كما تفتقر أغلب الكتابات النقدية المنشورة عنها إلى الرؤية الكلية للنص الدرامي المرئي، فبعضها ينطلق في تعامله مع النص من مناهج النقد الأدبي، ومنها ما يتجه إلى تقنيات النص المرئي متغافلا عن مضمونه والرؤية التي يحملها، ومنها ما يأتي انطباعيا سريعا لا يضيف شيئا للقارىء أو لأصحاب العمل.. هذا الواقع البائس للنقد الدرامي ترصده الكاتبة سميرة أبوطالب، وتقترح سبلا لتجاوزه في كتابها الصادر حديثا عن الهيئة المصرية العامة للكتاب، وعنوانه «الخطاب السردي في الدراما التلفزيونية في أعمال محفوظ عبدالرحمن»، وهو في الأصل رسالة جامعية نالت عنها الباحثة درجة الماجستير في النقد من جامعة القاهرة.
هل آن للنقد العربي أن يدخل الدراما التلفزيونية في حيز اهتمامه؟ تقر سميرة أبو طالب بأن الإجابة عن هذا السؤال تأخرت كثيرا، وإن بدت بعض الإشارات في كتابات علي الراعي وشوقي ضيف، وغيرهما من الكتاب الذين رأوا في الوافد الجديد سلاحاً ذا حدين، يمكن من خلاله توسيع قاعدة تلقي النصوص الإبداعية، وتوظيف إمكانات هذا الوسيط، لفتح مجال أوسع أمام اللغة العربية كي تكتسب بعداً إيحائياً يضيف بصيرة أخرى للمتلقي، وأشارت كذلك إلى المدارس النقدية الجديدة التي تقوم على تداخل الأنواع الأدبية، إلى حد سقوط الحاجز الوهمي بين الوصفي والسردي، أو بين المرئي والمكتوب، هذا التداخل الذي أنتج «نظرية نص الصورة» التي يروج لها الدكتور شاكر عبدالحميد، وتنطلق الباحثة في دراستها من هذه النظرية في تناولها للبني الدرامية في النص (الدرامي والمشهدي)، ونصوص الكاتب الراحل محفوظ عبدالرحمن أتاحت  للباحثة هذا التناول النقدي، حيث تقدم أكثر من وجه للتعامل مع الإبداع الدرامي التلفزيوني، وتحديداً التاريخي، وتتيح الفرصة لتلمس الحدود الفاصلة بين الأنواع الأدبية التي تنصهر في بوتقة النص الدرامي التلفزيوني لديه، وكيف تتضافر هذه الأنواع في نسيج جديد، ويؤسس لبناء درامي تنسجم فيه الكلمة مع الصورة، ويكتسبان معا حياة نابضة على شاشة العرض التلفزيوني، وتفتح المجال لإعادة قراءة التاريخ والتراث العربي بما يثري اللحظة الراهنة.
وأشارت الدراسة إلى أن  التكثيف الزمني سمة واضحة في أعمال الكاتب الحريص على ربط الحدث التاريخي باللحظة الراهنة، فكان اختيار البناء الشكلي في نصوصه نتاجا لوعي الكاتب، ورؤيته لاستلهام التاريخ في نصوصه الدرامية، كذلك عمد محفوظ عبدالرحمن إلى تطوّر الشخصيات داخل المشاهد الدرامية، من خلال احتكاكها بمحاور الصراع الدرامي الذي يؤثر في الحتمية على أفكارها وأفعالها، ولا يهم إذا كان التطوّر إلى الأفضل أو الأسوأ، لأن السرد يتنامى وفق سياقاته التاريخية، ورؤية الكاتب التي تحلق في فضاء التخييل ومقاربة الأحداث المؤرخة، وحتى التي في مرمى التأويل.
وتلاحظ الدراسة أن عبدالرحمن ميز شخصياته (كما في عنترة وسليمان الحلبي) بالوعي والمعرفة، لذا يتولد الصراع بينها وبين الشخصيات ذات الطبائع المتعارضة معها، كما جعلها حاملة لصفات البطل الملحمي حتى وإن كانت نماذج بشرية عادية إلا أنه ميزها دراميا بامتلاك الوعي اللازم لمواجهة الخصم، وغالبا ما يكون الحاكم أو ممثل السلطة، ويمنح لكل منهما فريقا من الشخصيات ليكتمل النسيج النصي وتتضح دلالته.