تحليل اخباري

 

في المسؤولية الأخلاقية والأدبية .. الغائبة عن قاموسنا

كتب / د. محمد أبو بكر

 

في دول أوروبا وغيرها من الدول العريقة ديمقراطيا ؛ يقدّم المسؤول استقالته الفورية إذا ما حدث خلل ما أو تجاوز أو شبهة فساد في وزارته أو دائرته الحكومية ، إنه يتحمل المسؤولية الأخلاقية والأدبية على الرغم من أن غيره هو من قام بهذا التجاوز أو تسبب في الخلل ، وربما يكون ما جرى في وزارته غير مقصود ، إلّا أنّه وبروح المسؤولية وتحمّل التبعات يضع استقالته بين يدي رئيس الوزراء .

الإعلام في تلك الدول لا يرحم ، حتى لو كان الذنب أو التقصير بسيطا ، لذلك تنجح تلك الحكومات في مهامها لأنها دائما في مرمى المعارضة والنقد وكذلك الإعلام الذي يتربص بكل شيء، لذلك تحاول العمل ما أمكن على الإنجاز في مختلف المجالات لئلا تنقض المعارضة ذات انتخابات قادمة وتتولّى مقاليد السلطة التنفيذية مكانها .

ولنا في هذا المقام أن نتذكّر حادثة بسيطة جرت في بلجيكا قبل عامين ؛ فإحدى الوزيرات كانت تقود سيارتها الخاصة خارج أوقات الدوام الرسمي ، واحتاجت لتعبئة سيارتها بالوقود ، وكانت قد نسيت البطاقة البنكية الخاصة بها في البيت ، فاضطرت لاستخدام البطاقة الخاصة بالوزارة ، وياليتها لم تفعل ، حيث كان الخبر قد انتشر في وسائل الإعلام مما اعتبر فضيحة واستخدام للمال العام لمصالح شخصية ، فما كان من الوزيرة إلّا أن تقدّمت باستقالتها بسبب تصرّف بريء جدا ، ولكنها تحمّلت المسؤولية الأخلاقية فاستقالت .

قد يكون الأمر برمته لا يتجاوز مبلغ الخمسين دولارا في أحسن الأحوال والظروف ،ولكن حين يشعر المسؤول بأن ههجمة ما قد تعرّض لها حتى لو لم يكن قاصدا ارتكاب الخطأ أو هذا الفعل يحترم نفسه ويغادر موقعه ، هكذا يتصرّفون هناك .

هل لنا ان نحسب مقدار وحجم التجاوزات التي يقوم المسؤولون في بلادنا يوميا ؟

قد لا نستطيع ذلك ، وعندما نتحدث عن تجاوزات تحدث عندنا ؛ فعليك ان تتحدّث بملايين الدنانير التي تذهب هدرا دون حسيب أو رقيب ، وإذا ما تناولنا إهمالا هنا أو هناك ، فالجميع يتنصل من المسؤولية تماما كما حدث مؤخرا ، سواء في فاجعة البحر الميت أو غرق وسط البلد التجاري وما بينهما الكثير من التجاوزات والإخفاقات ، فمن يجرؤ على القول أنه هو المسؤول ويتحمّل التبعات ويقدّم استقالته فورا ؟

نحتاج إلى سنوات ضوئية حتى نفهم ونعي معنى المسؤولية الأخلاقية والأدبية ، لأن المسؤول في بلادنا يتعامل مع دائرته أو وزارته وكأنها ( مزرعة ) خاصة به ، له الحق في التصرّف كيفما يشاء دون السماح بمحاسبته أو مساءلته .

كل ذلك يقودنا إلى حالة الفساد التي تنخر الجسد الأردني ، ولا أحد بقادر على المحاسبة ، حتى الحكومات تقف عاجزة عن ذلك ، لأنها وصلت إلى مراحل فقدت فيها السيطرة أو التحكّم في مقاليد الأمور ، لان هناك قوى صاحبة نفوذ وسطوة باتت قدرتها ونفوذها أقوى من أي حكومة ومن الصعب مواجهتها أو مقاومتها والأمثلة لا تحصى حول ذلك .

فهل لنا خروج من هذا المأزق .. أم أنّ الفجوة تتسع يوما بعد آخر ولا نستطيع ردمها إلّا إذا حدثت معجزات ، على الرغم من أنّ زمن المعجزات قد إنقرض منذ آلاف السنين ؟