القلعة نيوز : اشتعلت إسرائيل 5 أيام متواصلة من المظاهرات والفوضى بعد حادثة قتل مراهق إثيوبي، لفتت انتباه العالم لنهج التمييز العنصري ضد ذوى البشرة السوداء فى إسرائيل. وأدى قيام شرطي إسرائيلي في غير وقت عمله بإطلاق النار على مراهق إثيوبي مساء الأحد 30/6/2019؛ ما أدى لمصرعه في الحال، وقالت الشرطة الإسرائيلية فى بيان رسمي حينها إن الشرطي أطلق النار لفض مشاجرة دون تعمد قتل أحد.
وأعادت الشرطة تفنيد تصريحاتها في ما بعد زاعمة أن الشرطي تعرض لاعتداء من قبل يهود فلاشا؛ ما دفعه لإطلاق النار دفاعا عن النفس رغم نفي شهود العيان رواية الشرطة والضابط، وقامت الشرطة في ما بعد بوضع الضابط تحت الإقامة الجبرية في منزله.
يعد التمييز أقسى على يهود الفلاشا الأفارقة، فكل الأرقام المتعلقة بالتعليم والصحة والمساعدات الاجتماعية والعمل تثبت تفاوتًا رهيبًا بينهم وبين بقية اليهود، وبرأي باحثين إسرائيليين إن التعددية العرقية والدينية في المجتمعات تُمثل ببساطة سلاحًا ذا حدين: إما الرُقي أو الدمار، وهذا تمامًا ما نراه في كتب التاريخ وما نشاهده اليوم في الدول العربية من حيث تأثرها بهذه التعددية، وهنا نطرح التساؤل: ماذا عن التعددية وتشكيلة المجتمع في دولة الاحتلال الإسرائيلي «الجوار» وهل ستؤدي إلى نهايتها أو ضعفها؟!
«دولة إسرائيل» الحديثة هي نتاج مطالبة الحركة الصهيونية بإقامتها منذ أواخر القرن التاسع عشر، التي كان أساسها فكرة أرض «إسرائيل التوراتية» التي هي واحدة من المواضيع الرئيسية لليهودية لأكثر من ثلاثة آلاف سنة وفقًا لما يذكرون.
بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى أقرت عصبة الأمم وضع فلسطين تحت حكم الانتداب البريطاني من أجل إيجاد «وطن قومي للشعب اليهودي»، وفي عام 1947 أقرت الأمم المتحدة تقسيم فلسطين الانتدابية إلى دولتين «يهودية وعربية» - رغم رفض جامعة الدول العربية - حتى قامت «دولة إسرائيل» على أساس إعلان 14 من مايو 1948 التالي لاستقلالها بعد الفوز في حرب الاستقلال وتوسعت حدودها خارج قرار التقسيم.
توافد المهاجرون اليهود إلى «إسرائيل» من مناطق مختلفة من العالم في فترات متفرقة، حتى أصبح المجتمع اليهودي يتكون من أربع مجموعات طبقية رئيسية هي: «السفارديم» وهم يهود إسبانيا والبرتغال الذين تم طردهم إثر سقوط نظام الحكم الإسلامي في الأندلس واتجهوا إلى الدولة العثمانية، أما المجموعة الثانية فهم يهود المشرق العربي والعالم الإسلامي، بينما المجموعة الثالثة هم «الأشكناز» الذين يمثلون 85% من إجمالي اليهود في العالم أجمع وهم الذين جاؤوا من أوروبا وروسيا، أما المجموعة الرابعة فهم يهود الفلاشا القادمون من إثيوبيا.
وقد أعلنت دائرة الإحصاء المركزية في دولة الاحتلال الإسرائيلي، أن 3.2 مليون يهودي هاجروا إلى «إسرائيل» منذ عام 1948، ونحو 43% من المهاجرين الذين وصلوها (3.2 مليون) قدموا بعد العام 1990 الذي شهد انهيار الاتحاد السوفييتي.
سيطر اليهود «الأشكناز» على مقاليد الدولة بعد تأسيسها، التي مُثلت لاحقًا بحزب العمل ذي التوجه الاشتراكي، وبدأت التحولات على الساحة السياسية الإسرائيلية منذ حرب 1967، وبعد حرب أكتوبر عام 1973، حدثت تغيرات مع وصول «حزب الليكود اليميني» بالانتخابات البرلمانية، وفرض سيطرته على الحكم.
ومن المثير للاهتمام أن المجتمع الإسرائيلي في فترة الخمسينيات والستينيات، كانت مجتمعًا أيديولوجيًا مجندًا يقف وقفة رجل واحد إزاء «العالم العربي» المحيط به، لكن الصراع العربي الإسرائيلي لم يسمح لعملية الدمج الاجتماعي للمهاجرين الشرقيين بشكل كامل وتدريجي.
إن التمييز ضد الفلاشا وصل لدرجة من التغلغل أن كل صور الشخصيات المطبوعة على الأوراق المالية الإسرائيلية هم أشكناز فقط، وفي دراسة لمركز أدافا، ظهر أن راتب اليهود الغربيين يفوق راتب اليهود الشرقيين بنسبة 42%، ووصل الأمر للتعليم حيث إن أكثر من 80% من حملة الدكتوراه أشكناز، وبطبيعة الحال هذه العنصرية مبطنة وليست واضحة قانونيًا، وإنما اجتماعيًا واقتصاديًا.
بشرة هؤلاء الملوّنة كانت، بالنسبة إلى المجموعات اليهودية الأخرى، سبباً كافياً كي تنظر إليهم بدونيّة وتعاملهم بعنصرية، ولا سيما أن هناك اختلافاً جوهرياً بين «الحاخامية الأشكنازية»، و«الحاخامية السفاردية» في شأن يهودية الجالية الإثيوبية، وما إن كان أفرادها ينتسبون حقاً إلى «سبط دان»، أحد «الأسباط اليهودية العشرة المفقودة». وفيما اعتبرهم الحاخام «السفاردي» الأكبر، عوفاديا يوسف، يهوداً، فُرضَ على عشرات الآلاف منهم أن يعبروا مرحلة «الغيور» أو التهوّد، لكن بقي يُنظر إليهم على أنهم غير متدينين، بالنظر إلى أن عاداتهم تشبه إلى حد بعيد عادات العلمانيين اليهود. أما الحاخام الأكبر لـ«الأشكناز»، شلومو غورين، فقال إنهم ليسوا يهوداً «لأسباب دينية وجينية»، معللاً رأيه بأنْ «لا يوجد يهود ذوو بشرة سوداء».
ولأن استجلابهم كان جماعياً، أُسكنوا في مراكز الاستيعاب، وتعاملت معهم السلطات كفئة اجتماعية متمايزة، إذ قسّمتهم إلى جماعات وفق اعتبارات العُمر وصلة القرابة والجنس. وأُلحق أولادهم بالتعليم الحكومي من دون استئذان ذويهم. هناك، عانوا تمييزاً صارخاً، لدرجة أن بعض المدارس رفضت استقبالهم، فيما عمد عدد من ذوي الطلبة الآخرين إلى إخراج أبنائهم من المدارس بحجة أنهم لا يريدون اختلاطهم بذوي الأصول الإثيوبية. كل ذلك عزّز صعوبة التأقلم والاندماج مع المجتمع الذي يعاني أصلاً من تصدعات في داخله. ومع مرور الوقت، اتضح أن الوافدين أكثر تمسّكاً بهويتهم الثقافية الإثيوبية من الهوية الإسرائيلية، وأنهم على رغم خدمتهم في الجيش الذي يجمع شرائح المجتمع كافة ظلّوا يُعامَلون بتمييز، إلى حدّ إتلاف وحدات الدم التي يتبرّعون بها، وإلقائها في القمامة أو الصرف الصحي، بدعوى حملهم فيروسات معينة، مثل الإيدز وجنون البقر والإيبولا «أكثر من غيرهم لأنهم جاؤوا من إفريقيا». حتى الإثيوبية بونينا تامانو، لم يشفع لها كونها نائبةً في الكنيست الإسرائيلي دون أن يُرمى دمها في القمامة، في حادثة لا تزال تتردد تداعياتها.
حتى اليوم، لم يتغير واقع هؤلاء. فلا يزالون يسكنون في ضواحي المُدن الكبيرة وأطرافها، في بيوت بعضها من الصفيح. كذلك يعمل قسمٌ كبير منهم في مهن يُصنفها المجتمع الإسرائيلي «مهناً وضيعة»، مثل التنظيف والبناء وجمع القمامة والرعي وغيرها. كذلك، لا يزالون يقتلون بسبب لون بشرتهم، التي كانت في أحيان كثيرة سبباً في شكّ الجيش أو الشرطة الإسرائيليين في أن أصحابها عرب، بما يبرّر قتلهم لأتفه الأسباب! على هذه الخلفية، إنّ مقتل سولومون، الذي يُضاف إلى 11 حادثة مشابهة، فجّر مكامن الغضب بين أبناء الجالية، وأدى إلى انقلاب الشوارع الإسرائيلية إلى ما يُشبه ساحات حرب، حيث أُخذ أكثر من 70 ألف إسرائيلي «رهائن»، بحسب التسمية التي أطلقها وزير الأمن الداخلي، غلعاد إردان، إثر إغلاق ذوي الأصول الإثيوبية الطرقات لأكثر من 5 ساعات.
في الصورة العامة، تعكس تجربة «الفلاشا» في إسرائيل واقع مجتمع عنصري مأزوم، وهي تثبت أن استجلاب أناس من بقاع بعيدة لجعلهم مواطنين في خدمة مشروع سياسي، من دون أن يكون لهؤلاء ارتباط حقيقي بالمشروع، يفعل فعله على المدى البعيد في صراع الهويات الدائر على حسم من هو الأكثر يهوديّة ويمينية. وربما كانت الرسالة التي خطّها المحتجون على جدار «الموت للعرب» خير دليل على فهمهم لكيفية تدرّج «الإسرائيلية»، وأن مفتاح الرتبة العليا في هذا المجتمع هو دمُ العرب والفلسطينيين.
ولم تقتصر العنصرية والتمييز بسياسة الضغط على الزناد من قبل الشرطة التي قتلت في العامين الأخيرين 3 شبان من أصول إثيوبية، بل كانت هناك العديد من حالات المدارس التي لم تقبل الطلاب من أصول إثيوبية بسبب لون بشرتهم.
ويجمع ناشطون ومحللون إسرائيليون على أن العنصرية متفشية في المجتمع الإسرائيلي كالنار في الهشيم، سواء بين المهاجرين الإثيوبيين أو غيرهم من الشرائح الاجتماعية، لكن يؤكدون أن الحالة الإثيوبية استثنائية، خاصة بسبب عامل اللون الذي يمنع الاندماج الكامل في المجتمع الإسرائيلي.
وفي هذه الفجوة الشاسعة التي أعقبت عملية قتل الشاب الإثيوبي وما تبعها من احتجاجات، يجمع محللون على أنه في حال عدم تدارك الأمور فإن ذلك يمكن أن يؤدي لتصدع بالنسيج المجتمعي، الأمر الذي من شأنه أن يدخل الإحباط والغضب والقلق والتراجع والذنب والشعور بالذنب لدى جميع أبناء الطوائف اليهودية، وعلى رأسهم الفلاشا.
وفي ظل الاحتجاجات والمظاهرات ليهود الفلاشا بالبلاد وفي محاولة من الحكومة الإسرائيلية لامتصاص الغضب، حطت بمطار بن غوريون في تل أبيب عصر الأربعاء طائرة على متنها 602 إثيوبي من أصل 1000 كان من المفروض أن يتم استقدامهم من العاصمة أديس أبابا، بحسب تعهدات حكومة بنيامين نتنياهو التي أعدت خطة لاستقدام آخر 8 آلاف يهودي من إثيوبيا. كما استعانت المؤسسة الإسرائيلية بشخصيات وحاخامات من أصول إثيوبية لكتابة مقالات تحمل في طياتها أبعاد دينية وتوراتية مفادها تحقيق ما وصفته بـ»الحلم» بالقدوم إلى الوطن القومي للشعب اليهودي، داعية إلى الحفاظ على وطن اليهود والنسيج المجتمعي للشعب الإسرائيلي.
بدوره، قال رئيس قسم العمليات في المنظمة الصهيونية العالمية درور مورغ إن اليهود الفلاشا البالغ تعدادهم السكاني اليوم نحو 150 ألفا -ورغم استقدامهم إلى إسرائيل منذ سبعينيات وحتى تسعينيات القرن الماضي- ما زالوا مطالبين بإثبات أنهم يهود، إذ يتم التشكيك من قبل المجتمع الإسرائيلي إذا ما كانوا من الشعب اليهودي أصلا، وعليه يتم نبذهم ويعيشون في عزلة عن المجتمع الإسرائيلي.
وأوضح مورغ أنه مباشرة وفور وصولهم إلى البلاد حصل يهود الفلاشا على معاملة العمال المهاجرين ولم يتم الاعتراف بهم كيهود إلا بعد عملية تحويل «للديانة اليهودية» لم تكن موجودة في حالة المهاجرين الآخرين.
وقال عضو المنظمة الصهيونية العالمية «نحن هنا في إسرائيل لم نبذل جهودنا لمعرفة الجالية الإثيوبية، تجاهلنا تماما عاداتهم والصعوبات الثقافية وصعوبات الهجرة، لم نسمح لهم بدخول المجتمع الإسرائيلي، لون بشرتهم لم يمر فوق أعيننا وكأننا لا نراهم، وبالتالي تم دفع يهود الفلاشا إلى هوامش المجتمع الإسرائيلي».
تعكس تجربة «الفلاشا» في إسرائيل واقع مجتمع عنصري مأزوم، وهي تثبت أن استجلاب أناس من بقاع بعيدة لجعلهم مواطنين في خدمة مشروع سياسي، من دون أن يكون لهؤلاء ارتباط حقيقي بالمشروع، يفعل فعله على المدى البعيد في صراع الهويات الدائر على حسم من هو الأكثر يهوديّة ويمينية. وربما كانت الرسالة التي خطّها المحتجون على جدار «الموت للعرب» خير دليل على فهمهم لكيفية تدرّج «الإسرائيلية»، وأن مفتاح الرتبة العليا في هذا المجتمع هو دمُ العرب والفلسطينيين.