القلعة نيوز-

صدر حديثا عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات كتاب «سؤال الأخلاق في الحضارة العربية والإسلامية» في 567 صفحة من الحجم الوسط، وتوزع في 16 فصلًا وخمسة أقسام، متضمنًا أوراق المؤتمر السنوي السادس للعلوم الاجتماعية والإنسانية الذي عقده المركز في آذار 2017 بالدوحة.
ورغم الأساس الأخلاقي لسؤال الفشل، فإنه لم يحظ في الدراسات العربية الحديثة إلا باهتمامات محدودة تعكس ضمورا حقيقيا في معالجة موضوع الأخلاق بوصفه موضوعا قائما بذاته في الفكر العربي الإسلامي المعاصر، وهو ما يعطي أهمية للكتاب.
يتحدث المفكر الأردني فهمي جدعان في القسم الأول «الأخلاق العربية الإسلامية وأسئلة الحداثة والإنسية» عن «مركّب أخلاقي حديث للمستقبل العربي»، ويعتقد أن فلاسفة الإسلام تمثلوا المنظورات الأخلاقية المنحدرة من العصرين الهليني والهلنستي وأمعنوا النظر فيها، ومنهم الكندي الذي استلهم «الزهد السقراطي» والتأمل العقلي الأفلاطوني.
وينفي جدعان استقلال موضوع الأخلاق في الفضاء العربي الإسلامي للفلاسفة، فهو مجال اشتغال يعمل فيه الفلاسفة جنبا إلى جنب مع متكلّمين وفقهاء ومتصوّفة؛ ما جعل شُعب الإيمان تختلط فيه بالمعاني الإنسانية.
وفي العصر الحديث جرى تناول سؤال الأخلاق وعلاقته بالحداثة من قبل مفكرين مثل طه عبد الرحمن وعبد القادر المغربي ومحمد عبد الله دراز وعادل ضاهر، لكن جدعان يدعو لمقاربة واقعية عقلية تأخذ بعين الاعتبار ما يسميه قيما جديدة نتجت عن التطورات الحديثة مثل المواطنة وجودة الحياة والاعتراف والجمال.
يناقش أستاذ الحضارة بجامعة سوسة التونسية محمد بوهلال في الفصل الثاني موضوع الأخلاق في الحداثة عند المفكر المعاصر وائل حلاق، ويرى أن اعتبار المطلب الأخلاقي المسألة الجوهرية في نقد الحداثة وتشخيص أزمتها.
ويعتقد بوهلال أن الدين حين يتم الاضطلاع به فلسفيا وليس فقهيا هو الأشد فاعلية في تقديم الجواب الأخلاقي عن اختلالات الحداثة، محاولاً إنهاء أسطورة الحداثة الغربية باعتبارها الصيغة النهائية لتطور البشرية، وبين أنها لم تأخذ في الاعتبار العمق الأخلاقي للدين وتنوع العالم الروحي، وأنها لم تنفتح بشكل إيجابي على كل العالم لتتمكن المجتمعات المختلفة من المساهمة فيها.
وفي الفصل الثالث، يناقش أستاذ الفكر العربي الحديث بالجامعة التونسية علي الصالح مُولى المواطنة مدخلا لأخلاقية عربية، معتبرا أنها حجر الزاوية في معمار أخلاق الحداثة وتمثل قيمة حديثة تقطع مع التصورات القديمة فتستبدل «نصائح الملوك» وتختار الحرية.
ورغم أن مُولى يرجع جزءا مهما من مشكلات العرب التاريخية والسياسية والإبداعية إلى غياب المواطنة تصورا وإجراءً، فإنه لا يرى أن المواطنة حل سحري في السياق العربي للتحرر من الاستبداد، وختم القسم الأول من الكتاب بفصل رابع يناقش إشكالية النزعة الإنسانية في الفكر العربي الإسلامي.
بدأ الباحث الموريتاني مولاي أحمد ولد جعفر في القسم الثاني الذي جاء بعنوان «سؤال الأخلاق في الفلسفة الإسلامية»، مناقشة «أخلاق التعقّل عند فلسفة الفارابي» وراهنيتها المعاصرة، وأبرز إشكالية العقل بين «الماهية الأخلاقية للعقل» و»الماهية العقلية للأخلاق» عند الفارابي وتأثيرها على العصور اللاحقة، معتبراً أن المبدأ الأخلاقي هو عماد فعل التعقل، ومشيرا إلى مفهوم المفكر المغربي طه عبد الرحمن عن «الأخلاق التعقّلية».
وتناول الباحث شفيق اكريكر في الفصل السادس السؤال الأخلاقي عند أبي بكر الرازي الذي كتب رسالة الطبيب الأخلاقية، وأسس - حسب رأيه - صيغة مبكرة للاستقلالية الأخلاقية عن الدين، في حين تناول الفصل التالي عبر دراسة رمضان بن منصور استعمال الصناعة القياسية في العلم المدني عند ابن رشد، مبينا وجوه استعمال المنطق في علمي السياسة والأخلاق، ومشيراً إلى ضرورة الانفتاح على ما ذكره ابن رشد.
واستكمل كمال امساعد دراسة الفصل الثامن حيث تناول ابن رشد وتراثه الذي أسهم في «تبيئة» النظرية السياسية والأخلاقية الأفلاطونية في الواقع الإسلامي العربي، مشيراً إلى أن ابن رشد لم يتناول الفكر السياسي الأفلاطوني في مجال النظرية فقط بل تعداه للتطبيق والاستفادة من تجارب التاريخ العربي الإسلامي في زمانه، وضرب المثل بكون ابن رشد أعرض عن ذكر الأمثلة اليونانية لأنه رآها مجهولة للقارئ العربي الذي يخاطبه واستبدلها بنظائر إسلامية.
ويتناول أستاذ الفلسفة في معهد الدوحة رجا بهلول في الفصل العاشر «القانون الأخلاقي والأمر الإلهي».
في القسم الرابع بعنوان «سؤال الأخلاق الإسلامية في قراءات معاصرة»، جاءت الفصول الثلاثة بعنوان «إشكالية منزلة الأخلاق في المدونة الأصولية الفقهية» للأكاديمي التونسي حمادي ذويب، و»سؤال الأخلاق في الحضارة العربية الإسلامية: مقاربات بين النظام الأخلاقي في الإسلام والقيم الأخلاقية الديمقراطية» للمفكر السوري محمد حبش، و»الأخلاق التطبيقيّة في الفتاوى المعاصرة: البيوتيقا أنموذجًا» للباحث التونسي رضا حمدي.
وقدم الباحث والمؤرخ المغربي إبراهيم القادري بوتشيش في القسم الأخير من الكتاب الذي يحمل عنوان «الموروث الأخلاقي في الحضارة الإسلامية.. روافد ورُؤى»، دراسة عن «تأسيس التصوف الأخلاقي في المغرب».---الدستور