القلعة نيوز-
وليد نائل حجازي

الاقتصاد عصب الحياة منذ قديم الزمان، ولكنه في هذه الأيام أصبح وأضحى وأمسى كل ماء الحياة, حيث تدور كل حياة البشر حول مفهوم الاقتصاد, وبمعنى أبسط حول الدولار وملكيته وتدبير شؤونه. وعليه فقد عرف العالم نظريات اقتصادية كثيرة تتبع مبادئ اقتصادية ثلاثة معدودة, وهي:

المبدأ الاقتصادي الإسلامي, حيث طبق عالمياً على مدى ثلاثة عشر قرنا من خلال دولة الإسلام التي أسسها الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم ثم الخلفاء الراشدون, وانتهاء بدولة الخلافة العثمانية والتي ما زالت الأمة الإسلامية تعتنق عقيدته, ولكنها يطبق عليها كل النظام الرأسمالي، وعليه نرى بلاد المسلمين تعيش كل المتناقضات حيث العقيدة الإسلامية الربانية السمحة والنظام الاقتصادي الرأسمالي الاستغلالي والجشع.

وبعد سقوط المبدأ الاقتصادي الاشتراكي ودولته الاتحاد السوفييتي أواخر القرن المنصرم, والذي لم يستطع الصمود عالمياً أكثر من سبعة عقود واندثر إلى غير رجعة حيث لم يتأسف على سقوطه من البشر أحد, واندثرت نظرياته التي كان من أبرزها "المساواة بين الناس", وكانت تلك النظرية هي مقتل المبدأ الاشتراكي اقتصاديا، لأن البشر بطبيعتهم قدرات متفاوتة, والدعوة للمساواة تقتل النهضة والإنتاج والإبداع.

وأما المبدأ الثالث عالمياً, والذي يتحكم بالبشرية حاليا فهو المبدأ الاقتصادي الرأسمالي الغربي الذي ظهر بوضوح في أوروبا وأمريكا منذ قرنين من الزمان, وكان أبرز ظهور له بعد الثورة الصناعية حتى يومنا هذا, وقد تحكم بكل مفاصل الاقتصاد العالمي وإن اسمه يدلل على مضمونه, حيث نسب المبدأ إلى رأس المال، فتكون أهميتك, وقيمتك الاجتماعية, ومقامك, ومكانتك بمقدار ما تملك, وما عندك من رأس المال, وفي هذا يكمن مقتل المبدأ الرأسمالي, بجانب أنه مبدأ من وضع البشر, وقوانينه لخدمة طبقة قليلة من البشر لا يتجاوزون الـ2 بالمئة‏ الذين يملكون رأس المال, وبقية البشر يعيشون عيشة الكفاف, والفقر, والتشرد, والحروب لصالح أصحاب رأس المال الذي أصبح إلهاً يُعبد من دون خالق البشر, من حيث يعلم ويشعر الكثيرون أو لا.

ذاك هو عالم الاقتصاد, وكينونته, عالمياً ومحلياً, وفي كل بلاد المسلمين، وأبسط نظرة للعالم, واضطراباته تدلل وتكاد تنطق أن قطار البشرية ليس فقط على خير ما يرام, أو ليس على السكة الصحيحة، بل إن البشرية تئن من ظلم, وويلات تحكم المبدأ الرأسمالي بمفاصل الحياة, والذي ألهب وأشعل ويلاتها حتى كاد العالم كله يلتهب بثورات التحرر حتى وصلت منطقة وول ستريت بأمريكا أشهر شوارع رأس المال عالميا، وكذلك من أزلام وحكام السياسة الذين يدارون بالريموت كنترول لصالح رأس المال وأزلامه الذين لا يُرى إلا وكلاؤهم من مدراء الشركات الكبرى العالمية أمثال شركات الأسلحة, وشركات البترول, والطاقة, ونرى أن أكبر مصدري الأسلحة بالعالم هم أمريكا, وروسيا, ثم بقية الدول الأوروبية, وكذلك شركات الطاقة العالمية، فلا همَّ لهم سوى تصنيع, وتصدير السلاح للعالم أجمع, وخصوصا ما يسمى العالم الثالث - أي بلاد المسلمين - حيث يثيرون الحروب ويشعلونها لبقاء صناعتهم قائمة.

إن عالماً يغلف ظلمه, واستبداده الاقتصادي, والسياسي بمفهوم حرية الاقتصاد, والتجارة العالمية, ثم بالديمقراطية, وحرياتها غير المنضبطة بأصل مستقيم, وعادل, بل إنَّ اعوجاجها ظاهر للعيان, فعندما يريد أحد من المسلمين أن يطالب بالتحرر, والعدل, والمساواة على أساس عقيدته؛ فإنه يحاصر, ويسجن ويقتل, ومن أبرز الأدلة على ذلك ما سمي بالربيع العربي, وثورة الشام, والرئيس السابق محمد مرسي، فهذا مثال صارخ على التحكم بمصير الشعوب, ومن يمثلها في العالم أجمع، فإما أن "تكون معنا" أو "أنت ضدنا"، وهذا لسان حالهم, ومنطوق لسانهم, ومدلول أفعالهم, ويسكتون عن أتباعهم من الحكام الذين يضبطون الإيقاع على هوى الدول الرأسمالية الظالمة, والتي تتحكم في سياسة العالم أجمع.

إن تحكم الدولار بمفاصل حياة البشرية أمر مشين وجشع ما بعده جشع حيث تحكمت أمريكا بسياسة العالم بكل نواحيه الاقتصادية والاجتماعية والثقافية, وأخذت تحاول التأثير على عقائد الشعوب لتتبنى العقيدة الرأسمالية ألا وهي فصل الدين عن الحياة من باب: "دع ما لقيصر لقيصر , وما لله لله" أي بمعنى أن لا دخل للدين في الحياة وتشريعاتها وقوانينها وهذا يتناقض وعقيدة كثير من شعوب الأرض وخصوصاً المسلمين منهم حيث يبلغ عددهم قرابة ربع سكان العالم أجمع، لا بل مما زاد الطين بلة أن الدولار استخدم كسلاح اقتصادي بوساطة مؤسسات دولية اقتصادية مثل: صندوق النقد الدولي, والبنك الدولي, لتغيير ثقافة المسلمين, وحياتهم الاجتماعية سواء بشكل مباشر أو غير مباشر ولا أدل على ذلك من مؤتمرات المرأة وأهمها بكين, وسيداو, والقاهرة, والتي تسعى إلى تحرر المرأة من كل قيد شرعي إسلامي، وما هذا الأمر إلا مثال بارز على قوة تدخل الدولار والاقتصاد في كل مفاصل الحياة المعيشية للبشر لا, بل وفي أخص خصوصياتهم.

نعم إن الحياة بلا اقتصاد لا تسير بشكل طبيعي, ولكن لكل أمة طبيعتها, وصفاتها رغم تداخل حياتها الاقتصادية مع أمم أخرى، فلا يعقل أن تجوع شعوب, وتنهب خيراتها تحت وطأة نظام اقتصادي يخدم القوي, ويهضم حق الضعيف, بل لا بدّ من العدل والإنصاف, ثم يختار البشر ما يعتقدون, ويحبون من غير إكراه ولا إجبار، وعليه نرى العالم كله وخصوصاً أهل الاقتصاد, والتجارة, والصناعة لا يستطيعون إتمام التعاملات مع دول العالم الأخرى إلا ضمن منظومة البنوك الربوية, ويرتبط بها رغم مخالفته لعقيدة ربع سكان العالم, وهذا دليل آخر على ظلم, وجشع رأس المال المتمثل بالمبدأ الرأسمالي الجشع, وحاملته أمريكا العنجهية, وسياسة الكيل بمكيالين حسب مصالحها لا على أسس الحق, والعدل والمساواة بين البشر. ولنا وقفات أخرى قادمة مع الأوضاع الاقتصادية التي نعيش والعالم أجمع.

الأستاذ وليد نائل حجازي
مدرسة البنيات الثانوية للبنين