حول "واقع وآفاق إصدار العملات الرقمية"

صندوق النقد العربي

أبوظبي – الإمارات العربية المتحدة

مارس 2020


صنــــدوق النقد العربي

يصــــدر العدد الحادي عشر من سلسلة "موجز سياسات" حول

"واقع وآفاق إصدار العملات الرقمية"

تزايد الاهتمام بإصدار الأصول المُشفرة خلال العقدين الماضيين بالاستفادة من تقنية البلوك تشين

ارتفاع مخاطر التقلبات السعرية المرتبطة بالأصول المُشفرة ساعد على ظهور العملات المستقرة

تنامي اهتمام البنوك المركزية الدولية بدراسة إصدار عملات رقمية لرفع كفاءة نظم الدفع وزيادة الشمول المالي

المؤسسات الدولية تكثف جهودها لدراسة التداعيات الاقتصادية والمالية ووضع معايير للأصول المشفرة

مشروعات لدراسة إصدار عملات رقمية صادرة عن البنوك المركزية في بعض الدول العربية

أهمية قيام البنوك المركزية العربية بتحديد الأولويات والمفاضلة بين المزايا والتحديات قبل إطلاق عملة رقمية

التصميم المُختار للعملة الرقمية الصادرة عن البنوك المركزية له انعكاسات على السياسة النقدية والاستقرار المالي

القلعة نيوز- في إطار حرصه على تطوير أنشطته البحثية، أطلق صندوق النقد العربي سلسلة بحثية بعنوان "موجز سياسات"، تستهدف دعم عملية صنع القرار في الدول العربية من خلال توفير إصدارات بحثية موجزة تتطرق لأبرز الأولويات والموضوعات ذات الاهتمام بالنسبةللدول العربية الأعضاء مصحوبةً بتوصياتلصناع السياسات.

تطرق العدد الحادي عشرمن هذه السلسلة إلى موضــوع "واقع وآفاق إصدار العملات الرقمية"، حيث أشــار الموجز إلى أن العملات الرقمية (Digital Currencies) هي العملات التي تتوفر في صورة رقمية فقط، وتشمل كل من العملات الافتراضية (Virtual Currencies)([1])، والعملات المُشفرة (Cryptocurrencies بالإضافة إلى العملات الرقمية الصادرة عن البنوك المركزية Central Bank Digital Currency (CBDC)))

وأوضح أن التحول في إصدار هذه الأصول جاء في عام 2008 الذي شهد ظهور تقنية سلسلة الكتل أو البلوك تشين "Blockchain". يقوم نظام الأصول المشفرة على استخدام تقنية التشفير (Encryption)لتوليد ونقل الأموال وتخزين وحدات القيمة مثل البتكوين عبر استخدام تقنيةسلسلة الكتل لجعل المعاملات آمنة، وفي بعض الحالات مجهولة المصدر([2]).

 تصدر الأصول المُشفرة عن الأشخاص وبالتالي فهي غير صادرة أو مضمونة من قبل البنوك المركزية الدولية. ارتفعت القيمة السوقية للأصول المُشفرة بنهاية عام 2017 لتصل إلى أكثر من 300 مليار دولار أمريكي مقارنة بحوالي 15مليار دولار أمريكي في يناير من نفس العام ([3])

كما تخطت مستويات 800مليار دولار خلال عام 2018، وهو ما جعل البعض يتوقع استمرار ارتفاع القيمة السوقية للأصول المشفرة لتصل إلى ما يوازي التريليون دولار قبل نهاية عام 2018)[4] (([5])

على العكس من ذلك هوت القيمة السوقية للأصول المشفرة إلى 105 مليار دولار بنهاية عام 2018، وسجلت بنهاية عام 2019 نحو 191 مليار دولار([6])، بما يشير إلى ارتفاع مستويات مخاطر التقلبات السعرية المرتبطة بهذه الأصول.

اهتمت بعض الدراسات بتقييم الأثر المحتمل لظهور الأصول المشفرة الصادرة عن أشخاص على كل من السياسة النقدية والاستقرار المالي. فعلى صعيد السياسة النقدية وحتى يكون لهذه الأصول تأثيراً على السياسة النقدية، يتوقف الأمر على عاملين أساسين يتمثل الأول في حجم هذه الأصول، حيث لابد وأن يكون حجم هذه الأصول منافساً لحجم العملات النقدية التقليدية المتداولة، وهو ما لا يزال أمراً بعيد الحدوث حيث يُعد حجم الأصول ضئيلاً مقارنة بحجم العملات التقليدية ومن أهمها الدولار. 

أما الأمر الثاني فيتوقف على طبيعة عملية خلق النقود في إطار العملات الرقمية. في هذا الصدد، يُشار إلى معدل نمو المعروض النقدي من الأصول المُشفرة ومن بينها على سبيل المثال البتكوين المُبرمج بشكل مسبق وفق خوارزميات (AlgorithmicMoneyCreation) تضمن تناقص عدد وحدات العملة الجديدة المُصدرة مع مرور الوقت. 

مما سبق يتضح أن وجود هذا النظام سوف يدعم توجهات البنوك المركزية الهادفة إلى خفض معدلات التضخم والاستقرار السعري، إلا أنه قد يتعارض في المقابل مع توجهات البنوك الهادفة إلى حفز النشاط الاقتصادي عن طريق العمل على إحداث زيادة مقبولة في معدلات التضخم مثلما هو الحال الآن في عدد من الاقتصادات المتقدمة وعلى رأسها الدول الأوروبية واليابان. 

رغم ذلك، لابد وأن يكون واضحاً أنه وفقاً للحجم الحالي للأصول المشفرة، ولنظام خلق النقود المتبع في إطارها، وفي ظل التحديات التي تواجه عملية خلق المزيد من هذه الأصول من خلال "عملية التعدين" المتبعة حالياً لاستخراج العملة، لا تزال الأصول المشفرة بعيدة بشكل كبير عن التأثير بشكل ملموس على السياسة النقدية. في المقابل، هناك مخاوف من التأثيرات غير المواتية للأصول المشفرة على الاستقرار المالي. فبخلاف التقلبات السعرية الحادة، ظهرت مخاوف كبيرة من قبل السلطات الإشرافية من إمكانية استخدام الأصول المشفرة المنتجة من قبل الأفراد التي يتم تداولها مع إخفاء هوية المتعاملين في بعض الحالات، وخارج سيطرة البنوك المركزية والجهات الإشرافية الأخرى في عمليات غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وهو ما يضر بمستويات الاستقرار المالي. 

بناء عليه، اتجهت العديد من البنوك المركزية العالمية والعربية إلى حظر تداول الأصول المشفرة، وإصدار تحذيرات رقابية من التعامل بها،حيث أن بعض هذه البنوك يخضع المتعاملين بها للعقوبات القانونية.

نتيجة للتحديات الكبيرة التي واجهت إصدار الأصول المُشفرة ومن أهمها التقلبات السعرية واسعة النطاق التي تصاحب تداولها، ظهر مؤخراً الاتجاه إلى إصدار نوع آخر من الأصول المُشفرة يُسمى "بالعملات المُستقرة" (Stablecoins) التي يُعرفها البنك المركزي الأوروبي بكونها تمثل "وحدات رقمية للقيمة لا تشكل في حد ذاتها أي شكل من أشكال أي عملة محددة (أو سلة منها)، ولكن قيمتها عوضاً عن ذلك ترتبط بمجموعة من أدوات التثبيت بهدف تقليل التذبذبات الحادة في أسعارها([7])". 

تختلف أدوات التثبيت، بحسب مستويات الاستقرار المرتبطة بكل أداة من هذه الأدوات ومستوى التعقيد المصاحب لها. فكلما زادت بساطة أدوات التثبيت، زادت مستويات استقرار الأصول المُشفرة المرتبطة بها، وكلما زادت مستويات تعقدها، كلما انخفضت مستويات استقرار العملات المستقرة المرتبطة بها.

تزايد الاهتمام مؤخراً بالعملات المستقرة نظراً للانخفاض النسبي لمستويات المخاطر المرتبطة بها بالمقارنة بالأصول المُشفرة الأخرى السابق الإشارة إليها، وهو ما نتج عنه ارتفاع قيمتها السوقية من نحو 1.3 تريليون دولار في عام 2018 إلى 4.3 تريليون في عام 2019

تعتبر العملات المستقرة المرتبطة بأصول نقدية مقابلة (Tokenizedfunds)أهم العملات المستقرة تداولاً، حيث تسيطر تقريباً على نحو 97في المائة من تداولات هذه العملات مستفيدةً من وجود جهات مُصدرة وضامنة لها.ساعد ظهور وتنامي الاهتمام بالعملات المستقرة على تفكير شركات التقنية الكبرى (Bigtech) بإطلاق عملات رقمية صادرة عنها، وهو ما ترجمه إعلان شركة فيسبوك عن عزمها إطلاق عملة مستقرة تسمى "ليبرا" خلال عام 2020.

دفع هذا الإعلان الجهات التنظيمية على مستوى العالم إلى النظر في الحاجة الملحة إلى تنظيم عمليات تداول العملات المستقرة لجعلها أكثر ثقة ومقبولية، وبالتالي بدء فصل جديد في تاريخ النقود.

 فمع وجود 2.7 مليار مستخدم شهري نشط (ثلث سكان العالم) لخدمات الفيسبوك، وبارتباط ليبرا بسلة من العملات السيادية، يمكن أن تصبح بشكل سريع بمثابة عملة عالمية. سيؤدي ذلك إلى فرض تحديات قانونية وتنظيمية عالمية غير مسبوقة تتعلق بكيفية احتواء المخاطر المحتملة للعملات المستقرة مع عدم إعاقة الابتكار وراءها وتعزيز دورها في زيادة مستويات الشمول المالي.

علاوةً على ما سبق، يُمكن أن يمثل التوسع في تداول العملات المستقرة تحديات بالنسبة للبنوك المركزية فيما يتعلق بإدارة السياسة النقدية لا سيما في حالة وجود عائد على حيازة هذه العملات وتداولها على نطاق واسع من قبل الأفراد والشركات ليس فقط كوسيلة للمدفوعات، وإنما أيضًا كمخزن للقيمة وهو ما يُمكن أن يؤثر على الودائع البنكية ويضعف من قدرة البنوك على خلق النقود. كما أن هذه العملات قد تؤثر على فاعلية بعض أدوات السياسة النقدية ومن أهمها سعر الفائدة، وتعاملات السوق المفتوحة، والاحتياطي النقدي وغيرها من أدوات السياسة النقدية الأخرى.

من جانب آخر، أشار الموجز إلى أنه في ظل الزخم العالمي بإصدار العملات الرقمية، ظهر اهتمام كبير من قبل البنوك المركزية بنــــوع آخـــر من العمــلات الرقميـــة يتمثـــل في العمـــلات الرقمية الصادرة عن البنوك المركزية (CentralBankDigitalCurrency (CBDC)) التي يعرفها بنك التسويات الدولية بكونها "شكل جديد من أشكال النقود الرقمية الصادرة عن البنوك المركزية تختلف عن الاحتياطيات أو أرصدة التسوية التي تحتفظ بها البنوك التجارية لدى البنوك المركزية"([8]).

 بإمكان العملات الرقمية أن تساعد البنوك المركزية على تحسين مستويات كفاءة نظم المدفوعات، وزيادة الشمول المالي إلى جانب مكافحة الجرائم المالية ممثلة في عمليات غسيل الأموال وتمويل الإرهاب.

 إضافة إلى تمكين البنوك المركزية في الدول المتقدمة من التغلب على تحديات عدم القدرة على تقليل الحد الأدنى الفعال لأسعار الفائدة (The EffectiveLowerBound (ELB)) بما يسمح بتحفيز جانب الطلب الكلي.لكن في المقابل تشير الدراسات إلى أن العملات الرقمية الصادرة عن البنوك المركزية التي يسمح بتداولها على نطاق واسع للمؤسسات والأفراد قد ينتج عنها كذلك تقلبات وخروج للأموال المحتفظ بها في صورة ودائع من البنوك التجارية مع تفضيل أصحابها الاحتفاظ بأموالهم في صورة العملة الرقمية للبنك المركزي كونها في كل الأحوال ستكون أقل خطورة لا سيما في حالة الأزمات، وهو ما قد يضر بعملية خلق النقود التقليدية ويؤثر على إدارة السياسة النقدية، كما قد يؤدي إلى أزمات مصرفية متكررة الحدوث([9]).

بناءً على ما سبق، تسعي العديد من البنوك المركزية إلى دراسة الفرص التي يوفرها إصدار مثل هذه العملات وفق أطر تشاركية تعددية مع البنوك المركزية الأخرى، ومراكز الأبحاث، وخبراء الصناعة، والتقنية، والأكاديميين وذلك بهدف التقييم الدقيق لتلك المكاسب وكذلك التحوط ضد أية مخاطر محتملة.تتفاوت البنوك المركزية الدولية فيما بينها من حيث مستوى التقدم المُحرز في هذا المجال، والتوقيت الزمني المتوقع لإصدار هذه العملة. في هذا الصدد، يعمل حالياً بنك إنجلترا على فهم أفضل للآثار المترتبة على القيام بإصدار عملة رقمية من خلال تعميق البحث والتعاون داخل البنك وبالتعاون مع مؤسسات شريكة أخرى. كما يدرس بنك الاحتياطي الهنديالآن ما إذا كان بالإمكان استخدام العملات الرقمية المدعومة من البنوك المركزية كعملات قانونية. 

من جهته عملبنك الصين الشعبي منذ عام 2014على اتخاذ الترتيبات اللازمة لإصدار عملة رقمية (يوان رقمي) لخفض تكاليف تداول النقود الورقية التقليدية، وتعزيز سيطرة صناع السياسة على عرض النقود. تتشابه العملة الرقمية الجديدة التي من المزمع إطلاقها في الصين خلال العام الجاري مع عملة "ليبرا" المزمع إطلاقها من قبل شركة فيسبوك، من حيث اعتزام الصين كذلك استخدامها عبر منصات الدفع الرئيسة مثل (WeChatوAlipay).

تناول الموجز توجهات المصارف المركزية في الدول العربية فيما يتعلق بالعملات الرقمية، حيث اتجهت السلطات الإشرافية في العديد من الدول العربية إلى حظر استخدام الأصول المُشفرة الصادرة عن الأفراد وقامت في هذا السياق بإصدار العديد من التعليمات الرقابية التي تحذر من خطر التعامل بهذه الأصول. 

تمحورت التعليمات الرقابية الصادرة عن عدد من البنوك المركزية العربية في كل من الأردن، والبحرين، والجزائر، والسعودية، والعراق، وعُمان، وقطر، ولبنان، ومصر، والمغرب حول:

-حظر استخدام الأصول المُشفرة من قبل البنوك والأفراد.

-معاقبة التجار الذين يقومون بالتعامل بالأصول المُشفرة بموجب قانون مكافحة غسل الأموال ببعض الدول العربية.

-التحذير من كون تعاملات الأصول المُشفرة تنطوي على مخاطر عالية لتقلب الأسعار.

-عدم قبول الأصول المُشفرة كعملة تتمتع بقوة إبراء قانوني.

-عدم قبول الأصول المُشفرة لأغراض المعاملات التجارية الرسمية.

-مخاطر إمكانية استخدام الأصول المُشفرة في عمليات غسل الأموال وتمويل الإرهاب.

كغيرها من البنوك المركزية الدولية، اهتمت دول عربية بدراسة مدى جدوى إطلاق عملات رقمية صادرة عن بنوكها المركزية. 

في هذا الإطار يعتبر مشروع "عابر" للتعاون ما بين كل من مؤسسة النقد العربي السعودي ومصرف الإمارات العربية المتحدة المركزي لدراسة إصدار عملة رقمية مشتركة من أبرز المشروعات الإقليمية في هذا الصدد([10]).

يقوم مشروع عابر على دراسة مدى إمكانية استخدام تقنية سلسلة الكتللإطلاق عملة رقمية موحدة بين الدولتين واستخدامها بين البنوك المشاركة في المشروع داخل وخارج الحدود. تعتمد تقنية سلسلة الكتل على استخدام قاعدة بيانات موزعة بين البنكين المركزيين والبنوك المشاركة.

 تحتوي كل كتلة على طابع زمني ورابط إلى الكتلة السابقة بحيث يصبح من المستحيل تعديلها. سوف يتم استخدام هذه التقنية في عمليات المطابقة والتسوية بين البنوك. يهدف المشروع إلى

1). دراسة العملات الرقمية وكيفية إصدارها وتداولها، 

2). فهم عمليات المطابقة والتسويات بين البنوك باستخدام تقنية سلسلة الكتل، 

و3). فهم التقنيات المستخدمة والتأثيرات الفنية والتشغيلية على البنية التحتية الحالية، 

و4). دراسة تأثير إصدار عملة مركزية رقمية على السياسات النقدية.

يُنفذ هذا المشروع على ثلاث مراحل، تتمثل المرحلة الأولى في استخدام العملة الرقمية من خلال سلسلة الكتل لتسوية المدفوعات ما بين البنكين المركزيين في السعودية والإمارات، يلي ذلك في المرحلة الثانية استخدامها لتسوية المعاملات ما بين كل بنك مركزي والبنوك الوطنية في الدولة، ثم يعقب ذلك في المرحلة الثالثة استخدام العملة الرقمية في تسوية المدفوعات البينية ما بين البنوك في كلتا الدولتين. من جانب آخر، وفي إطار جهود البنك المركزي للاستفادة من الرقمنة المالية، أنشأ مصرف لبنان لجنة مسؤولة عن إصدار التعميمات اللازمة لتطوير وتنظيم قطاع التقنيات المالية، استناداً إلى قانون المال والائتمان والقانون المرتقب المتعلق بالمعاملات الرقمية.

 بالتوازي مع ذلك، أحرز المصرف تقدمًا كبيرًا في مشروع إصدار عملة رقمية جديدة حيث يقوم الآن بوضع اللمسات الأخيرة على الإطار القانوني المُنظم لإطلاق هذه العملة([11]). 

كذلك تم في تونس في إطار التفكير المتعلق برقمنة الاقتصاد ووسائل الدفع، قيام البنك المركزي التونسي بالتعاون مع الجهات المعنية بدراسة كافة البدائل المتاحة ومن ضمنها إصدار عملة رقمية مركزية، ومع ذلك، فإن هذا الخيار لا يزال بعد في طور الدراسة، حيث تركز تونس حالياً على رقمنة المالية في بعدها المتعلق بالنقد الإلكتروني وليس في بعدها الخاص بالعملة المشفرة. وتعكف حالياً على دراسة الفرص والمخاطر المرتبطة بالتقنيات الحديثة لاسيما في مجال السلامة الإلكترونية والاستقرار المالي.

تطرق موجز السياسات إلى بعض الانعكاسات على صعيد السياسات فيما يتعلق بإصدار العملات الرقمية الصادرة عن البنوك المركزية في الدول العربية وذلك بما يشمل:

أهمية قيام البنوك المركزية بتحديد الأولويات الأساسية لإصدار العملات الرقمية

يتعين على البنوك المركزية عند اتخاذ قرار بإصدار عملة رقمية في البداية التحديد الدقيق لأولويات البنك المركزي ومستهدفاته من هذا التحول، حيث تشير التجارب إلى أهمية وجود رؤية واضحة لدى صناع القرار لإصدار عملات رقمية.

 فبعض البنوك المركزية الدولية تلجأ إليها بهدف زيادة مستويات كفاءة نظم المدفوعات سواءً تعلق الأمر بنظام مدفوعات الجملة، بالتالي تلجأ في هذه الحالة إلى تبني عملة رقمية تستند إلى سلسلة الكتل لتسهيل عملية تسوية مدفوعات القطاع المصرفي والقطاعات المالية الأخرى، أو تعلق الأمر بنظم مدفوعات التجزئة من خلال تبني عملة رقمية يستخدمها الأفراد لدفع وتسوية المعاملات الوطنية وعبر الحدود في إطار بنية للمدفوعات الإلكترونية تتكامل مع البنية التحتية القائمة للقطاع المالي.

أهمية عدم مزاحمة البنوك المركزية لأنشطة القطاع المالي

بناءً على ما سبق، يتعين التحديد الدقيق لأولويات البنوك المركزية والتفكير المتأني والإجابة على تساؤل مهم يتعلق بمدى قدرة القطاع المالي على الوفاء بهذه الأولويات.

 ففي حالة ما إذا كان القطاع الخاص قادراً على الوفاء بهذه الأهداف قد يكون من الأفضل أن يُترك المجال للقطاع الخاص للقيام بهذا الأمر في ظل أطر رقابية وقانونية محفزة، ذلك لتجنب المخاطر التي قد تنتج عن تشعب مهام البنك المركزي في إطار عمليات إصدار هذه العملة ومراقبة تداولاتها وتحمل كافة المخاطر المرتبطة بكل مرحلة من مراحل تداولاتها، إضافة إلى تجنب البنوك المركزية للدخول في تعاملات من شأنها مزاحمة أنشطة القطاع المالي.

الحاجة إلى الموازنة ما بين ميزات إصدار العملات الرقمية والتحديات المرتبطة بها

تحتاج كل دولة للمفاضلة ما بين المزايا المترتبة على إطلاق عملة رقمية صادرة عن البنك المركزي، مع التحديات الناتجة عن ذلك وبحيث تختار ما يناسبها بما يتلاءم مع طبيعة تطور القطاع المالي لديها ونظم المدفوعات القائمة.

 فالمزايا المترتبة على إصدار عملة رقمية تتعدد وتتنوع ما بين زيادة مستويات سرعة وكفاءة نظم المدفوعات، وخفض تكلفة إصدار النقد، علاوة على زيادة مستويات تنافسية نظم المدفوعات، وتسهيل عمليات التحول الرقمي، وخفض التعاملات النقدية. 

كما تعول بعض الدول على إصدار البنوك المركزية لعملات رقمية لتحقيق أهداف السياسات العامة على غرار زيادة مستويات الشمول المالي، وحماية المستهلك، ومكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب والتهرب الضريبي، إضافة إلى تسهيل تعافي المجتمعات اقتصادياً في حال وقوع أية كوارث أو أزمات محلية أو دولية. 

رغم ذلك يرتبط استخدام إصدار مثل هذه العملات بعدد من التحديات يأتي على رأسها إمكانية التأثير على عمليات الوساطة المالية وآلية خلق النقود الاعتيادية في حالة اتجاه البنك المركزي إلى إصدار عملة رقمية تخدم أغراض المدفوعات بالتجزئة، وما قد ينتج عنها من إمكانية لجوء الأفراد إلى الاحتفاظ بكميات كبيرة من هذه العملة وهو ما قد يؤثر على مستويات الودائع المصرفية ويقلل من قدرة البنوك على جذب الودائع ويرفع من كلفتها. 

كما قد يترتب عليها في حالات الأزمات زيادة مستويات الطلب على العملة الرقمية الصادرة عن البنك المركزي التي لا ترتبط بأية مخاطر مقارنة بباقي الأصول المالية وهو ما قد يؤثر على النظام المالي بأكمله.

أهمية التقييم الدقيق واختيار التصميم الأفضل والأكثر ملائمة للعملة الرقمية الصادرة عن البنك المركزي:

يرتبط كل نوع من العملات الرقمية الصادرة عن البنوك المركزية بمجموعة من الميزات والتحديات. 

فعلى سبيل المثال، تختلف العملات الرقمية الصادرة عن البنوك المركزية لخدمة مدفوعات الجملة عن تلك التي تستهدف مدفوعات التجزئة من حيث تأثيرات كل منها على نظم المدفوعات، والسياسة النقدية، والاستقرار المالي. 

من جهة أخرى، ترتبط قضية تصميم العملة الرقمية ببعض الاعتبارات المهمة الأخرى التي تتمثل في المفاضلة ما بين تصميم للعملة، يكشف عن هوية المتعاملين أو يخفيها في ظل حاجة البنوك المركزية إلى تتبع هوية المتعاملين للوفاء بمتطلبات مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، والتهرب الضريبي والرشوة. مع ذلك، يثير الكشف عن هوية المتعاملين تحديات تتعلق باعتبارات حماية الخصوصية، وسرية البيانات، والأمن السيبراني.

ضرورة تهيئة الأطر القانونية والتنظيمية وتوفير المتطلبات الأخرى اللازمة لإنجاح إصدار مثل هذه العملة

يحتاج نجاح عمليات إصدار هذه العملة إلى توفر عدد من المتطلبات الداعمة التي تتعلق بوجود بيئة قانونية قوية تحكم تعاملات العملات الرقمية وما يستتبع ذلك من ضرورة توافق تعاملاتها مع الأطر القانونية الموضوعة لمكافحة عمليات غسل الأموال وتمويل الإرهاب وحماية البيانات واعتبارات الخصوصية. 

ذلك إضافة إلى عدد من المتطلبات الأخرى المعززة من بينها على سبيل المثال، التحول إلى نظم الهوية الرقمية بما يسمح بتتبع التعاملات ويزيد مستويات الاستفادة من الخدمات المالية الرقمية.

النسخة الكاملة من العدد متاحة على الرابط التالي:

https://www.amf.org.ae/ar/issue-11-feb-20-policy-brief

[1]تلك التي يتم تداولها في بعض التطبيقات على شبكة الانترنت لا سيما تلك الخاصة بالتسلية والترفيه.

[2] The BI Intelligence, (2017). "Bitcoin 101: Understanding Blockchain Technology, Bitcoins, and the Rise of Cryptocurrency”, Dec.

[3] The BI Intelligence, (2017). Ibid.

[4] Cryptoground, "Cryptocurrency Market Cap Predicted to hit $1 Trillion Later This Year.”

[5] The BI Intelligence, (2017). "Op. cit.

[6]Coinmarketcap, (2020).

[7] Bullmann, D. et al. (2019). "In search for stability in crypto-assets: are stablecoins the solution?”, ECB Occasional Paper Series, Aug.

[8] BIS, (2018). "Central bank digital currencies”, Committee on Payments and Market Infrastructures, Markets Committee.

[9] Lee, V. and Wessil, D. (2018). "Digital currencies: Five big implications for central banks”, Brooking, May.

[10] مصرف الإمارات العربية المتحدة المركزي (2019). " عابر: مشروع اصدار واستخدام عملة الكترونية افتراضية بشكل تجريبي محصورة التداول بين عدد من بنوك البلدين"، مصرف الإمارات العربية المتحدة المركزي، عرض مُقدم خلال الاجتماع الثالث لمجموعة عمل السياسة النقدية في الدول العربية المشترك ما بين صندوق النقد العربي وبنك التسويات الدولية، نوفمبر.

[11] AMF and BIS, (2020). "Central Bank Papers on Monetary Policy Frameworks in the Arab Countries”, Third Working Party Meeting on Monetary Policy in the Arab Region.