القلعة نيوز - كتب الدكتور سمير محمد ايوب 
 قامات وهامات لن تموت  أُسودُ رام الله الخمسة– رحيل من الشرق الى الغرب  قبل أيامٍ ، كنتُ في رحابِ قلعة الكرك ، ومُضيفِيَّ يحدثوني باعتزار عن ميشع الملك المؤابي العظيم ، وعن نائب القدس ابن الكرك العظيم ، المرحوم باذن الله الدكتور يعقوب زيّادين . 
وانتبهوا الى شرودي والغيم المتوهج في عينيَّ . 
فربت شيخهم على كتفي باخوة غامرة ، وبقلق سألني : إلى أين وصلت غزلانك ؟ 
أوصلت خليل الرحمن وعنبها وملبنها ودبسها ؟!  
قلت وانا اعانق تنهيدة تتمطى في صدري المشبع بنسائم الجنوب : يا ريت يا صديقي ، فالخليل مدينة الجبارين ، والكرم الذي لا يبات في ظله جائع .  
قالت كبرى بنات صديقي بحيرة مرحة : إذن الى اين وصلت يا عم ؟! قلت وأنا انقل بصري في وجوههم ، وفؤادي غربا وفي كل مكان : إلى دوار المنارة وسط رام الله . 
 بدأ الرسام الشاب ابن صديقي ، يترنم وعلامات الدهشة على وجهه : وين !! ع رام الله ، ما تخاف من الله يا شيخنا ! قلت : أتدرون يا اخوتي ، أن هذه الاغنية أردنية من الأرشيف الذهبي ، للزمن الاردني الفلسطيني .
عنوان لمحنتي الغربة والهوية لعرب فلسطين ، في وطنهم وفي منافيهم !!!  
سارعت السيدة الفاضلة حرم صديقي ، تقول وهي اعلامية متقاعدة : نعم صدقت . 
فقد كانت من أبرز اعمال الإذاعة الأردنية عام 1959 . 
شاعت كثيرا حين افتتح المرحوم الملك حسين ، منشأة جديدة في الاذاعة الاردنية ، التي كانت غداة نكبة 1948 تبث برامجها من رام الله .  ودشن المرحوم معها العمل في مبنى الاذاعة في منطقة ام الحيران في عمان . وفيما اذكر أن كلمات هذه الاغنية ، قد كتبها رشيد زيد الكيلاني ، بطلب من مدير الاذاعة المرحوم عبد المنعم الرفاعي – رئيس الوزراء فيما بعد . 
ولحنها جميل العاص ، وغنتها سنديانة الاغنية الاردنية سلوى العاص ( نوال العجاوي ) .  وتابعت السيدة تقول : وأذكر حين كتبها الكيلاني ، استعذب كلمات تراثية ، تحكي حوارا بين أب يتحسر على رحيل ولده ، الباحث عن الرزق وهو يسأله : ولفي يا مسافر ، وين ع باب الله ؟! تاركني ورايح ، ما تخاف من الله !!! ولأن رام الله كانت في حينها ، مصيفا لإخوة الضفتين ، طلب المرحوم ابن الكرك هزاع المجالي ، تعديل العنوان من " وين ع باب الله " ، الى " وين ع رام الله " .
 فصارت من حينها : إنت يا مسافر ، وين ع رام الله ؟ ما تخاف من الله ، خذيت قليبي ، وما تخاف من الله !!! ومن حينها ، تجاوز صدى هذه الكلمات عمّان ورام الله .
 وباتت روحها التي لم تتغير ، ثيمة خالدة للوجع الفلسطيني في كل بقاع الأرض . فهو وجع مشحون بكل معاني الفقد والحنين والامل .  
قلت وانا سعيد بما سمعت : وين ع رام الله يا سيدتي : باتت ايقونة خالدة ، لم يملها الناس ولن ، رغم أنها قد ولدت ، قبل اكثر من نصف قرن من الان .
 وتابعت قائلا : وهناك في بعيد الزمان ، قدمت الكرك ايضا لفلسطين ، الكثير من قلبها وعنفوانه . 
أنصت جميع من كانوا معنا ، وجلهم من منطقة الكرك ، وعيونهم تترقب سماع المزيد .  فقلت متابعا بفرح : رام الله كما تعلمون مدينة عربية فلسطينية ، إلى الشمال من القدس . 
تطل غربا على الساحل الفلسطيني الذي لا يبعد عنها اكثر من 45 كلم . 
تغيرت أهمية المدينة من عصر الى آخر . وهي تحتل الان مركزا سياسيا ، يجعلها من اهم مدن فلسطين ، بعد ان اتخذ الاسلويون منها ، عاصمة ادارية وثقافية مؤقتة لهم . 
 رام الله كلمة كنعانية تعني المنطقة المرتفعة .
 تضاربت الأقوال حول تسميتها . 
إلا أن الثابت تاريخيا ، أنها أسست على يد الشيخ راشد الحدادين ، أحد مشايخ العشائر العربية في الكرك . 
الذي قرر إثر خلافات عشائرية في القرن السادس عشر ، الجلو عن موطنه غربا . 
دخل على أهل البيرة ، فرحبوا به . 
وأشارو عليه بخربة حرجية مجاورة لهم اسمها رام الله ، لتكون موطنه . 
اشترى الشيخ راشد الخربة من عائلات البيرة القدامى ، دون أن يعلم أنه كان يؤسس لمدينة سيكون لها دورا هاما في تاريخ الفلسطينيين .  
ولكن الشيخ الحدادين ، الذي نجح في موطنه الجديد ، لم يفارقه الحنين لمسقط رأسه ، فقرر العودة إلى الكرك .
 تاركا وراءه أبناءه الخمسة وهم : صبرة ، وإبراهيم ، وجريس ، وشقير ، وحسان . 
أجداد العائلات المعروفة بأسماء : آل يوسف، وآل عواد، وآل الشقرة، وآل الجغب، وآل عزوز .  
تنتصب الآن في مستديرة المنارة ، وسط مدينة رام الله ، خمسة تماثيل من الأسود ، ترمز لأبناء الشيخ راشد الحدادين . 
وتجسد تاريخ المدينة وأصول عائلاتها .  
هناك مطالبة حثيثة الآن ، لتشييد نصب تذكاري يليق بمؤسس المدينة . 
تكريما له ولتعريف الأجيال المعاصرة والقادمة ، بفضله في تأسيس مدينة الحكايات والنضال المتصل ، حول ضفتي نهر الاردن ، من اجل تحرير كل حبة تراب في فلسطين .  
الاردن – 27/6/2020