القلعة نيوز - كتب الدكتور سمير محمد ايوب 
عشوائيات في الحب ايلول دائما ودائما ذات ايلول ، كنت أضيق ذرعا بوجع صامت تعودت أن ابقيه متواريا ، بعيدا عن التلصص . فقد علمني جبروت الحياة وتعنت أوجاعها ، ان كل الطرق الى رحاب الفرح ضيقة ، وأن امضي مبتسما بخطو لا ضجيج لانينه . كنت اعايش غربة هلامية ، كثيرة التفلت لا تنام ، دندناتها تقاسيم داخلية حزينة .
 بحثت مطولا في غيبوبتها الرجراجة عن حجامة لمشاعري ، بعيدا عن عاشقات المظاهر وثرثرات الأنا . على ضفاف السياسة المحلية التقيتها .
 في إحدى المحاججات ، اطلت على سجيتها ، محاطة بابتسامة مهذبة ، تفوح فرحا يغنيك عن التأويل والتوجس . 
إعتقدت للوهلة الاولى ، انها مزاجية تترفع بالصمت ، وتعاتب بكل لغاته . ولكن سرعان ما بددت ذاك الانطباع ، وأن الصمت الأبكم ليس من طباعها ، ولا اعتزال الكلام الموزون . في أول لقاء ، ارتطمت اصطفافاتنا باحترام كيس . 
مع كل طريق اخذني اليها ، كانت نضارة تفكيرها تقلم ذاك الارتطام ، حتى تماهت آفاق اهدافنا . قادتني دعابات روحها اللماحة لخلخلة الكثير من توجعاتي التي لا يليق بها ، وبما يغشاها تلميحا أوتصريحا من عطر . 
 عصر الاول من ايلول مضى قبل سنين وايام ، صحوت من قيلولة متأخرة على صوتها يسأل :ماذا لو كنا نحتسي قهوتي معا هناك هذه الليلة ؟ 
مَسحت بقايا النعاس المتبقي في عيني، فتحتهما على اتساعهما ، ثم أغمضتهما مستكينا وكأني أسلم الروح . أبحرت في الخيال بلهفة ، وأنا أقول مستجيبا ، أي دعوة خرافية هذه .
 مع اول ليل ازدحم بعتمة مكتظة بالنجوم ، وصلنا تباعا الى مغاريب عمان ، انتبذنا مكانا مطلا على فلسطين . اشعلت شموعا احضرتها معي . 
ناولتني قهوة احضرتها معها . 
ما أن اعتدلت على كرسيها قبالتي ، بادرتها وانا اتامل عينيها بالقول : مثلك أنا أؤمن بان الارواح في الليل لا تنام ، بل تتلاقى اكثر . ومثلك احب متعة احصاء النجوم بعيدا عن اضواء المدينة . 
 ابتسمنا ونحن ننصت لصرصار الليل البري ، خلته يترنم معي سنة حلوة يا جميل . ناولتني فنجالها لتشعل سيجارتها . وقالت بعد ان نفثت دخانها باتجاهي ، واستعادت قهوتها من يدي ، صحيح أنك جئت مختلفا عن كل من جاء ومن يزال ، ولكنك مثير في المضامين . حدثني عنك بما ييسر ابحاري فيك ؟!
 كمن كان ينتظر هذه المكاشفة ، قلت مقدما اوراق اعتمادي : انجبتني نجما قدماه على الارض ، كي لا أشبه احدا . اوصتني أن أكون سيد نفسي وظرفي وأنا انحاز للحياة . 
وكي لا انتظر على شطآنها ، اوصتني بالسباحة المتقنة باتجاه حلمي ، وأرضعتني تنويعات هائلة من الثقة والكبرياء ، لاواجه مفردات التحدي على حواف الحياة ولججها . 
 وفي المضمون ، ثمرة لرضا أب ودعوة أم ، إعتادت أن تكرم ولدها البكر ، بدعاء استطال حتى لامس أسماع رب كل الناس . سألته ان يسعد ولدها برزق طيب ، يتكئ على صحة في الجسد ، ومعرفة في العقل ، وسلامة في القلب ، وصفاء فكر ، وسكينة روح ، ونفسا مطمئنة محبة للناس وسعة في حب الناس له . وقبل رحيلها سألته ان يتم نعمته عليه ، بحب اجمل خلقه .
 من تلك اللحظة لم يعد ينافسها أحد بدعاء مثل هذا. ابواب السماء كانت مشرعة آنذاك . في اوقات هاربة من التأريخ ، كبرت وصرت أنا . 
وبقي وعيي في متناول هذا الدعاء . 
في ظلاله ، تحركت بي رغبة الاستكشاف. 
حرصت على أن أبحث عن فرحي ، بالحد من رغباتي ، لا بمحاولة إشباعها . 
فتعلمت أن الموسيقى بلا شريك ضجيج ، وأن الرقص بدونه عبء جنون .
 صبرت مطولا على وقت مضى خاليا منها . كنت مؤمنا ولا زلت ، أن امتلاك المرأة لتضاريس ملكةَ جمالِ ليس ضروريا ، ولا حاجة لأن تمتلك حكمة زنوبيا ، ولا ذكاء مريم العذراء عليها السلام أو خديجة رضي الله عنها ، لتقوى على الحياة ، وتتعرف على عتبات القلوب ، وتتقن فنون الشراكة . 
يكفي ان تمتلء جنباتها بظلال وارفة والفة طازجة ، لتعبر بسلام شراكة دافئة ، وأن تبحر بنجاح متجدد ، في كل مفاصل الشراكة ومطباتها. 
 العمر جميل ولكني لم اذق اغلبه ، ولم اتكسر عبر معارجه ، وان تشوهت كثرة من احلامي ، تشظى بعضها وضمرت اخرى ، ومبكرا وصل بعضها الى نهايته . 
كنت لا استطيع رد الاذى الا بأنين لا يسمعه الا الله ، ومن تمنت علي ان لا أخذلها . لأستحق القوامة على وصيتها ، ضمدت بعضي ورممت بعضا ، وحرصت على ان لا يسقط شيئا من أحلامها . 
فامي فيما تمنت تتكئ على الكثير مما نقشته في روحي . 
 وهي تجدد لي قهوتي قالت : في ما سمعت منك ، كثير من الرسائل المغلقة ، تشي كلها بانك قد ولدت وفي فمك ملعقة من تعب .  وصمتت لتنفث دخان سيجارتها في الهواء المتجه الى رئتي . وشفتاي تداعب حواف الفنجال الساخن الذي احتضه كعاشق بين راحتي ،  قلت : لست متعبا مما يحدث حولي يا سيدتي ، بقدر ما انا متعب مما يحدث داخلي . شعور مؤلم ان ياتيك ما كنت تتمناه ، وقد تاخر الوقت ، وتغيرت انت ، وتغيرت الامنيات . 
 قالت تسعفني : نعم فالصمت الاجباري عدو وإن كان لينا ، فهو قاضم للروح ، ببطء يفقدها شهيتها للحياة ، رغم ما يحيط بشباكها من سمك.  رفعت شفتي عن حواف الفنجال ، وقلت وانا ابحر في عينيها : لاني ملاح ، لا احب العيش بلا قلق . أتمنى ان تعاد لي طفولتي ، لاستمتع برفقتها واعايش شغبها من جديد .  انتصبت باسقة كالسنديانة التي كنا نجلس تحتها وقالت فرحة : رضيت بك وطنا وفرحا ، اترضى بي طفلتك المشاغبة ؟ 
بت أعرف معنى أن تكون أخت شعيب هي اخت هارون بالذات . 
فمع منتصف كل ايلول ، سنة حلوة جديدة ، تتمطى على وجهي فرحة كقطة شيرازية ، تأبى أن تشيخ ، وبلا كلل تتزنر ببسمة تخضعها لصد ما قد يطفو من حزن لا يقال ، وتتسع لألف تأويل وتأويل . 
 الاردن – 15/9/2020