القلعة نيوز-

  * فدوى بهجت خصاونه

  ذات أمسية ظننتها ستكون مختلفة بمجيء والدي إلينا حاملا معه هدية لي «تاب أحمر» أخبرني: لقد جلبت هذه الهدية لأجلك.

فرحت بالهدية كثيراً وخاصة أن الأحمر لون أمي المفضل.

هذه المرة نظرت إلى أبي وكأنه قلب نابض يفيض بالحب والحنان.

أحسست أنني أراه لأول مرة، فأمضيت وقتاً طويلاً باللعب بهدية أبي وتعلقت بها، ولم أكن أصدق نفسي وأنا أؤشر بإصبعي على الشاشة وأختار التطبيقات والألعاب كنت مذهولة فلعبت ملياً حتى فقدت السيطرة على نفسي؛ فغلبنى النوم واستسلمت تاركا (التاب) فوق رأسي.

وفي الصباح صحوت مبكراً فأنا على موعد مع الفرح مع الألوان كنت على موعد مبكر مع السعادة وتابعت اللعب؛ كنت منبهرة بتلك الألوان والموسيقى المرافقة.

أحسست أن أبي منحني روحا ملونة جميلة، وأكثر ما شدني لعبة القناع وتركيب الأصوات.

لقد نسيت كل شيء وأنا في حالة شرود ودهشة، ولكن يبدو أن الأمر مختلف، اليوم يدخل أبي بيتنا مبكرا على غير عادته، اعتقدت أنه جاء يطمئن إلى بهجتي وفرحتي بالهدية، يريد أن يسمعني كلاماً جميلاً لأستعيد فرحي وشغفي بالحياة، ولكن فوجئت بيد أبي تمتد نحو التاب ليأخذه من بين يدي الصغيرتين، ولا زلت مقتنعة وواهمة بأن أبي إنما جاء ليراجع معي الألعاب ويزودني بطاقة من الحب والثقة، و لكن آمالي تبددت وتطايرت في نسمة هواء.

أبي يأخذ التاب ويسلبه مني دون عطف أو رحمة وينظر إليَّ ويقول: أن هذا (التاب) لا يناسب عمرك، ويناسب عمر أختك.

إنها سمر في كل مرة تسلبني فرحتي، سمر أختي غير الشقيقة كانت تكبرني بسنة واحدة.

أبي يأخذ (التاب) ليعطيه لها مع العلم أن أبي جلب لها (تابا) مثلي ولكن زوجته خبأته وادّعت أنه بحاجة لإعدادات.

حتى إنها تفضل أن تكسره على أن ألعب به، لقد اقتلع أبي فرحتي من جذورها ووأد طفولتي في تابوت من الظلم والشر ؛ فلم يبق لدي أي شعور بطعم الحياة.

أخذ أبي (التاب) الأحمر الذي قضيت وقتا طويلا وأنا أفكر كيف سأجعل الجميع يأتون للعب معي ؛ فالأطفال عادة ما يجتمعون عندما يرون لعبة جميلة.

كنت سأخبر الجميع أن لدي (تاب) يحتوي ألعابا جديدة و كثيرة ومختلفة.

كنت سأتحدث عن تلك الألوان، وعن تلك العصافير وكنت سأبث فرحي وأجعله ينتشر في الفضاء؛ ولكن كل أحلامي تبددت وانهارت.

إنها زوجة أبي التي أعرفها، لابد أنها أمضت ليلتها بقلق شديد وهي تفكر كيف ستحرمني من هذه الهدية.

هي لا تريدني أن أحصل على أي شيء من أبي، تريد أن تحرمني كل شيء، تريد أن أعيش مهملة وحيدة.

فأوعزت إلى أبي : أن أختي أمضت تلك الليلة حزينة لأجل (التاب)، وأن الأطفال عندما ينامون بحزنهم فإن ذلك يؤثر على ذكائهم ونموهم وحركتهم، حزن الأطفال يؤثر على علاقاتهم ونطقهم.

هكذا قالت لأبي واستعطفته وجعلته يسير نحوي دون مراعاة لحزني وألمي، وكأن عالم الطفولة محرم على مثلي، مباح لمثل أبنائها.

لم يراعي أبي تعلقي بالهدية ولم يأبه بفيض حزني ومشاعري.

وبمنتهى القسوة حرمني الهدية ورغم بكائي ورجائي أن يدعه معي إلاّ أنه مضى مغلقاً كل المنافذ على قلبي وفرحي الطفولي البريء.

لقد هربت سعادتي واستسلمت لإرادة الشر وفكره الملوث كل هذا حدث رغما عني ودون علم أمي.

ذهبت لأمي لأبث حزني وأخبرتها بما حدث وأنا غارقة بفيض دموعي وحزني.

حاولت أمي أن تخفي ألمها فمسحت على شعري بيديها وظللت قلبي بحبها الكبير؛ مدّعية أن (التاب) لا يناسب عمري وقالت: إنها لاحظت أنه يناسب عمراً أكبر، ادّعت أمي ذلك لتسد منافذ الحزن والأسى.

لكن كل محاولاتها لم تمسح من مخيلتي تصرف أبي القاسي وموقفه المؤذي لمشاعري لم يمسح من مخيلتي منظر يديه وأصابعه الكبيرة فبدا وكأنه وحش انقض على فريسته.

ظلت صورة أختي سمر وهي تتمتع باللعب تزيد من ضراوة الحزن وتبلد الشعور لدي؛ وكم تمنيت لو يمنحني أبي سعادة كتلك السعادة التي تملكها أختي لأصحو من مخيلتي على صوتٍ وكلماتٍ أخرجتني من دوامة أفكاري وشرودي:

إنه صوت أختي المدللة سمر وهي تصيح بأعلى صوتها: لن أسامحك يا سيف، سأخبر أبي أن غيرتك القاتلة دفعتك لكسر التاب الذي طالما حلمت فيه.