شريط الأخبار
أسرة وزارة الثقافة تهنئ الملك وولي العهد و الأسرة الأردنية الواحدة بذكرى عيد الاستقلال الـ80 ترامب: الحصار على إيران مستمر حتى توقيع اتفاق نهائي الملك والرئيس الفرنسي يبحثان هاتفيا المستجدات الإقليمية الثقافة الأردنية.. من ظلال الاستقلال إلى فضاءات العالم الملك والملكة يشرفان بحضورهما حفل عيد الاستقلال الاثنين الملك يستقبل وزير خارجية فنزويلا ويبحثان تعزيز التعاون إحالة 15 موظفا من المالية إلى القضاء بقضية اختلاس 417 ألف دينار الأمن العام يباشر بتنفيذ الخطة الأمنية والمرورية والبيئية لعيد الأضحى المبارك وزارة الأوقاف تعلن عن موعد وأماكن مصليات عيد الأضحى في المملكة.. الوجيه ابو بكر المناصير يكتب في عيد الإستقلال: عيد الاستقلال راية مجدٍ ومسيرة وطن لا تنكسر. الاستقلال والعدالة.. مسيرة الدولة الهاشمية بيان صادر عن جمعية متقاعدي الضمان الاجتماعي بمناسبة عيد الاستقلال الثمانين قبيلة الحجايا تهنيء جلالة الملك وولي العهد بعيد الاستقلال الثمانين ..نص البيان ولد الهدى... الحلقة الثلاثون.. سميرات: 83% من الخدمات الحكومية مرقمنة إنجازات رؤية التحديث الاقتصادي بقطاع التعليم والتدريب المهني والتقني بالربع الأول نقابة أصحاب التاكسي والسرفيس تقيم احتفالية بمناسبة عيد الاستقلال عودة مواطن أردني تقطعت به السبل في سوريا مسودة التفاهم الأميركي الإيراني تضمن عدم مهاجمة حلفاء واشنطن الملك يشارك في اتصال جماعي مع الرئيس الأمريكي وقادة دول شقيقة

الثقافة الأردنية.. من ظلال الاستقلال إلى فضاءات العالم

الثقافة الأردنية.. من ظلال الاستقلال إلى فضاءات العالم
القلعة نيوز- سطر الهاشميون، قبل ثمانين عامًا، أحد أجمل العناوين في تاريخ الأردن. ففي الخامس والعشرين من أيار عام 1946، انعقد المجلس التشريعي، واتُّخذ القرار التاريخي بإعلان استقلال المملكة الأردنية الهاشمية استقلالًا تامًا، وبويع الملك المؤسس عبد الله بن الحسين الأول ملكًا على البلاد.
عزّز هذا الاستقلال في وجدان الأردنيين هويةً جمعيةً نهلت من الثقافة العربية الإسلامية، وتأصلت في مبادئ الثورة العربية الكبرى ورسالتها الوحدوية. ولم يكن الاستقلال محطة سياسية فحسب، بل نقطة انطلاق لمسار ثقافي متكامل، أسهم في بناء هوية وطنية جامعة، وترسيخ منظومة قيم تقوم على الاعتدال والانفتاح والتعددية. ومنذ تلك اللحظة، ارتبط المشروع الثقافي الأردني بمسار الدولة، بوصفه أحد أعمدتها في بناء الإنسان وتعزيز وعيه وانتمائه.
الثقافة كخيار دولة لا كترف مؤسسي
لم يكتفِ الدستور الأردني بتثبيت الهوية السياسية للدولة، بل فتح نافذة ضمنية على الفعل الثقافي بوصفه جزءًا من منظومة الحقوق العامة، حيث تشكل حرية الفكر والرأي والتعبير قاعدة تأسيسية لبيئة ثقافية قابلة للنمو والتعدد.
ومن هذه الزاوية، لم تكن الثقافة الأردنية نشاطًا موازيًا للدولة، بل امتدادًا لوظيفتها الدستورية في بناء الإنسان وصون كرامته وتوسيع فضاء الوعي العام.
حوكمة ثقافية عليا
وإلى جانب الإطار الدستوري، شكّلت الرسائل الملكية وخطابات التكليف السامي مرجعية استراتيجية لتوجيه البوصلة الثقافية في الأردن، حيث لم تأتِ بوصفها توجيهات ظرفية، بل كإطار فكري يربط الثقافة بالتنمية والهوية وبناء الدولة الحديثة.
فقد أعادت هذه الرسائل تعريف المثقف بوصفه شريكًا في صياغة الوعي الوطني، لا مجرد منتج للنصوص، وربطت الاستثمار في الثقافة بالاستثمار في الإنسان ذاته، باعتباره رأس المال الأكثر استدامة.
الديوان الهاشمي واحتضان الفعل الثقافي
في البدايات، اضطلع الديوان الهاشمي بدور محوري في احتضان الفعل الثقافي، حيث شكّلت مجالس الملك المؤسس عبد الله الأول فضاءً رحبًا للأدباء والشعراء والمفكرين، ومنبرًا للحوار والتعبير.
وأسهمت هذه الرعاية المبكرة في ترسيخ مكانة الثقافة ضمن المشروع الوطني، وربطها بقضايا الأمة، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، إلى جانب تعزيز حضور الشعر والأدب بوصفهما وسيلتين للتعبير عن الهوية والانتماء.
الانتقال إلى الفضاء المؤسسي
ومع تطور الدولة، انتقل الاهتمام بالثقافة من الإطار الرمزي إلى المؤسسي، عبر تأسيس وزارة الثقافة، التي تولّت تنظيم الحياة الثقافية، ودعم المثقفين، ورعاية الإبداع. وتزامن ذلك مع نشوء مؤسسات ثقافية فاعلة، من أبرزها: رابطة الكتاب الأردنيين (1974)، اتحاد الكتاب والأدباء الأردنيين (1988)، نقابة الفنانين الأردنيين (1997)، ورابطة الفنانين التشكيليين الأردنيين، إلى جانب شبكة واسعة من الهيئات الثقافية الأهلية التي يزيد عددها اليوم على 700 هيئة موزعة في مختلف المحافظات.
وتشير بيانات ثقافية إلى توسع ملحوظ في البنية التحتية، حيث تنتشر المراكز الثقافية الرسمية في مختلف المحافظات، وتُنظَّم سنويًا مئات الفعاليات بين مهرجانات ومعارض وندوات، فيما تسجل معارض الكتاب مشاركة واسعة من دور نشر محلية وعربية، ويشارك مبدعون أردنيون في فعاليات دولية متعددة.
ويبرز مهرجان جرش للثقافة والفنون بوصفه إحدى أبرز هذه المنصات، حيث تحوّل إلى نافذة عربية ودولية لعرض الفنون والآداب، واستقطاب جمهور واسع من داخل المملكة وخارجها.
وتضطلع وزارة الثقافة بدور رئيس في دعم المثقفين، من خلال برامج دعم النشر والتأليف، ورعاية الفعاليات، ودعم الهيئات الثقافية، وإطلاق مشاريع وطنية لتوثيق السردية الأردنية، إلى جانب توسيع قاعدة المشاركة الثقافية، خاصة في المحافظات وبين فئة الشباب.
ومنذ بداية الألفية الجديدة، عززت الثقافة الأردنية حضورها عربيًا وعالميًا، عبر منجزات مبدعيها، مع استمرارها في تقديم سرديتها الوطنية، وتوسيع نطاق الفعل الثقافي في مختلف المحافظات.
دعم ملكي للثقافة والمثقفين
حققت الثقافة الأردنية في الألفية الجديدة قفزات نوعية، استندت إلى دعم ملكي مباشر ورؤية واضحة. فقد أكد جلالة الملك عبد الله الثاني، خلال لقائه القيادات الثقافية عام 2007 في قصر بسمان العامر، أهمية الاستماع إلى المثقفين وتطوير الحركة الثقافية، مشددًا على دعم توصياتهم ومطالبهم.
كما رسّخ جلالته، عبر خطاباته وأوراقه النقاشية، اعتبار الثقافة رافدًا من روافد الاقتصاد الوطني، إلى جانب السياحة والإعلام، بما يعزز دورها في التنمية الشاملة، وهو ما يتجلى في دعوته إلى وضع استراتيجيات متكاملة لهذه القطاعات.
ويتجسد الدعم الملكي كذلك في رعاية الفعاليات الثقافية الكبرى، مثل مهرجان جرش ومعرض عمّان الدولي للكتاب، إضافة إلى تكريم المبدعين في المناسبات الوطنية، بما يعزز مكانة المثقف ويؤكد تقدير الدولة لمنجزه الإبداعي.
مِهاد تشريعي لدعم الثقافة
واكبت المؤسسة الرسمية هذه الرؤية بإطار تشريعي متكامل، أسهم في تنظيم العمل الثقافي وتمكينه، ومن أبرز ملامحه: قانون رعاية الثقافة (2006)، قانون ضمان حق الحصول على المعلومات (2007)، قانون الجمعيات (2008)، نظام التفرغ الإبداعي (2016)، ونظام جوائز الدولة التقديرية والتشجيعية، إلى جانب تعليمات تنظم المهرجانات والمواسم الثقافية ومسابقات الإبداع.
مراكز ثقافية في مختلف المحافظات
وفي سياق تعزيز البنية التحتية، شهدت المملكة إنشاء مراكز ثقافية في مختلف المحافظات، انطلاقًا من مبدأ التوزيع العادل للمكتسبات الثقافية.
ومن أبرز هذه المراكز: مركز الحسين الثقافي في عمّان، ومركز الأمير الحسن الثقافي في الكرك (2000)، ومركز الملك عبد الله الثاني الثقافي في الزرقاء (2008)، ومركز إربد الثقافي (2017)، إلى جانب مشاريع قائمة في عدد من المحافظات.
وقد أسهمت هذه المراكز في تنشيط الحركة الثقافية والفنية، وتوفير بيئة حاضنة للإبداع، وتعزيز حضور الفعل الثقافي خارج المركز.
مؤسسات رديفة ذات طبيعة متخصصة
إلى جانب وزارة الثقافة، تأسست مؤسسات متخصصة تعنى بتطوير الحقول الثقافية المختلفة، من أبرزها مركز التوثيق الملكي الأردني الهاشمي (2005)، المعني بحفظ الذاكرة الوطنية، والهيئة الملكية الأردنية للأفلام (2003)، التي عززت حضور الأردن في صناعة السينما، ومتحف الحياة البرلمانية (2016)، الذي يوثق المسيرة السياسية والثقافية للدولة.
طموحات كبيرة ومشاريع رائدة
عملت وزارة الثقافة على إطلاق مشاريع استراتيجية، من أبرزها مشروع «مدن الثقافة الأردنية» (2007)، الذي شمل محافظات المملكة كافة، قبل أن يتطور ليشمل الألوية، ومشروع «مكتبة الأسرة الأردنية» (2006)، الهادف إلى توفير الكتاب بأسعار رمزية.
كما أطلقت مشروع «مكنز التراث الثقافي» لحفظ المأثورات الشعبية، ومشروع المسارات الثقافية التراثية السياحية (2023)، الذي يربط الثقافة بالسياحة ويعزز الهوية الوطنية.
ولم تغفل الوزارة شريحة الطفولة، فأنشأت «مكتبة الطفل المتنقلة»، التي تجوب المحافظات، مقدّمة برامج ثقافية وتعليمية تستهدف طلبة المدارس، خاصة في المناطق النائية.
إنجازات أردنية في فضاءات عربية وعالمية
في ظل هذه البيئة الداعمة، استطاع مبدعون أردنيون تحقيق حضور لافت عربيًا وعالميًا، عبر حصد جوائز مرموقة، ووصول أعمالهم إلى منصات دولية.
ويبرز في هذا السياق وصول فيلم «ذيب» إلى نهائيات جائزة الأوسكار، إلى جانب فوز عدد من الأدباء والكتاب بجوائز عربية وعالمية، ما يعكس حيوية المشهد الثقافي الأردني وقدرته على المنافسة.
مؤتمرات ومهرجانات
أسهمت الجامعات الأردنية في تنشيط الحراك الثقافي عبر تنظيم مؤتمرات علمية متخصصة، بمشاركة باحثين من مختلف دول العالم، فيما واصل اتحاد الناشرين الأردنيين تنظيم معرض عمّان الدولي للكتاب، إلى جانب عشرات المهرجانات التي تقام سنويًا في مختلف المحافظات.
الثقافة الأردنية والتحول الرقمي
في السنوات الأخيرة، اتجهت الثقافة الأردنية نحو التحول الرقمي، حيث برزت المنصات الإلكترونية والمحتوى الثقافي عبر وسائل التواصل، ما أسهم في الوصول إلى شرائح أوسع من الجمهور، خاصة الشباب.
ورغم هذا التقدم، ما تزال التحديات قائمة، وفي مقدمتها دعم الإنتاج الثقافي، وتطوير الصناعات الثقافية، وتعزيز الانتشار في مختلف المناطق.
مشروع «السردية الأردنية»
من بين المشاريع الثقافية الحديثة التي تعكس تحوّلًا في طريقة تفكير الدولة بالثقافة، يبرز مشروع «السردية الأردنية» بوصفه محاولة واعية لإعادة تنظيم الذاكرة الوطنية وصياغتها في إطار معرفي متماسك، لا يكتفي بالتوثيق، بل يتجاوز ذلك إلى بناء رواية جامعة عن الدولة والمجتمع والإنسان.
يقوم هذا المشروع على فكرة محورية مفادها أن الهوية ليست معطى جاهزًا، بل سردية تُبنى عبر الزمن، وتُراجع وتُصقل باستمرار. ومن هنا، يسعى إلى جمع عناصر التاريخ الاجتماعي والثقافي والسياسي في صيغة واحدة أكثر قدرة على التعبير عن التجربة الأردنية بتنوعها، بعيدًا عن التشتت أو القراءات الجزئية، وبما يعزز حضورها في الوعي العام وفي الخطاب الثقافي المعاصر.
كما يكتسب المشروع أهميته من كونه يفتح المجال أمام المؤسسات الثقافية والباحثين والمبدعين لإعادة قراءة الذاكرة الوطنية بأدوات حديثة، تربط بين التوثيق والتحليل والإبداع، وتحوّل «الحكاية الأردنية» من مادة محفوظة إلى مشروع حيّ قابل للتطور والتفاعل، بما يعزز مكانة الثقافة كأداة لفهم الذات وصياغة المستقبل في آنٍ معًا.
روح المناسبة
في عيد الاستقلال، لا تبدو الثقافة الأردنية مجرد مشهدٍ موازٍ لاحتفال الدولة، بل تظهر كجزءٍ من بنيتها العميقة؛ كخيطٍ غير مرئي يشدّ عناصر الهوية إلى بعضها، ويمنح الفكرة الوطنية قابليتها للاستمرار.
منذ التأسيس وحتى اللحظة الراهنة، لم تكن الثقافة ترفًا رمزيًا ولا نشاطًا إضافيًا، بل مسارًا يتقاطع مع الدستور، ويتغذّى من الرؤية الملكية، ويتجسّد في مؤسسات ومشاريع وذاكرة حيّة تتوسع مع الزمن.
وهكذا، لا تحتفل الثقافة بما تحقق فقط، بل تُعيد طرح سؤال المستقبل: كيف يبقى المعنى الوطني قابلًا للتجدد في عالمٍ سريع التحول؟ وكيف يستمر الأردن في كتابة نفسه عبر الإبداع، لا عبر التكرار؟
في النهاية، تبقى الثقافة هنا ليست زينة المناسبة، بل طريقتها في أن تقول وجودها بهدوءٍ واثق: إن الدول لا تُقاس بما تملكه من رموز، بل بما تتركه من أثرٍ في وعي أبنائها وإن الأردن، كلما كتب نفسه ثقافيًا، ازداد حضورًا في العالم، وعمقًا في ذاته.
الدستور - نضال برقان