القلعة نيوز- ياسر العبادي - قدّمت مسرحية "التل البعيد"، على خشبة مسرح محمود أبو غريب (المسرح الدائري) في المركز الثقافي الملكي، ضمن فعاليات الدورة الثالثة والعشرين من مهرجان عمون لمسرح الشباب، عرضاً انشغل بأسئلة السلطة والهوية والوجود، مستثمراً لغة مسرحية كثيفة تمزج بين البعد النفسي والرمزية البصرية، في تجربة سعت إلى تجاوز الحكاية المباشرة نحو فضاء تأويلي مفتوح.
ينطلق العرض من مكان يبدو معزولاً ومنسياً، لكنه سرعان ما يتحول إلى بؤرة درامية تتكثف فيها التوترات الإنسانية، حيث تتقاطع الرغبة في السيطرة مع الخوف من الفقدان، ويتحول المكان إلى كيان فاعل في صناعة الصراع، لا مجرد إطار لوقائعه. ومن خلال شخصيات تتحرك بين الشك والارتياب والبحث عن يقين مفقود، تتكشف طبقات متعددة من العلاقات الإنسانية التي تحكمها موازين القوة والنفوذ.
اعتمدت المسرحية على بناء درامي يتدرج من الواقعي إلى الرمزي، بحيث تغدو الحدود بين الحقيقة والوهم أكثر هشاشة، فيما تتبدل المواقع باستمرار بين من يملك السلطة ومن يخضع لها، وبين الحارس والمحروس، في لعبة مسرحية تضع المتلقي أمام أسئلة أكثر مما تقدم من إجابات. فكل شخصية تبدو أسيرة هواجسها الخاصة، لكنها في الوقت ذاته تعكس هواجس إنسانية أوسع تتصل بالرغبة في الانتماء وإثبات الذات والبحث عن معنى للوجود.
وعلى المستوى الإخراجي، ارتكز العرض على اقتصاد بصري مدروس، ولغة أدائية تستثمر الصمت بقدر ما تستثمر الحوار، حيث بدا الصمت عنصراً درامياً منتجاً للمعنى، ومصدراً للتوتر الذي يتصاعد تدريجياً داخل المشهد. كما أسهم الإيقاع الداخلي للحركة والكتل البشرية في تعميق الإحساس بالعزلة والانتظار والترقب، وهي مفردات شكلت جوهر المناخ العام للعمل.
أما السينوغرافيا، فقد اشتغلت على تكثيف الدلالة الرمزية للمكان، وجعلته امتداداً للحالة النفسية للشخصيات، فيما لعبت الإضاءة دوراً محورياً في رسم التحولات الشعورية وتحديد مناطق الصراع، الأمر الذي منح العرض بعداً بصرياً متماسكاً عزز من حضوره الفكري والجمالي.
وتتبدى أهمية "التل البعيد" في قدرتها على استنطاق أسئلة الحرية والملكية والهوية من خلال بنية درامية مشحونة بالالتباس والتأويل، إذ لا تكتفي بتقديم حكاية عن أفراد يعيشون على هامش المكان، بل تذهب أبعد من ذلك لتطرح تأملاً عميقاً في طبيعة السلطة وهشاشة اليقين الإنساني، وفي الحدود الملتبسة بين ما نعتقد أننا نملكه وما يملكنا فعلياً.
بهذا المعنى، جاءت المسرحية تجربة تنحاز إلى المسرح الفكري الذي يستفز المتلقي ويدفعه إلى المشاركة في إنتاج المعنى، مستندة إلى رؤية جمالية جعلت من الخوف والانتظار والانتماء محاور أساسية لصراع وجودي مفتوح، يظل صداه ممتداً بعد إسدال الستارة.




