القلعة نيوز- جمال الرياحي - في عرض مسرحي مشغول على مستويات الفكر والصورة والرمز، قدّمت مسرحية "أخشاب حيّة"، على خشبة مسرح هاني صنوبر، المسرح الرئيس، في المركز الثقافي الملكي، ضمن فعاليات الدورة الثالثة والعشرين من مهرجان عمون لمسرح الشباب، رؤية درامية تتقصّى إشكالية الحرية الإنسانية وعلاقة الفرد بمنظومات الهيمنة التي تسعى إلى تشكيل وعيه ومصيره.
العمل، المقتبس عن نص للكاتب عباس الحايك، ينطلق من مجاز مسرحي كثيف يتمثل في العلاقة بين صانع الدمى ودمًاه، بوصفها استعارة للعلاقة بين السلطة والخاضعين لها، وبين الإرادة الفردية والقوى التي تعمل على توجيهها. ومن خلال هذا البناء الرمزي، يطرح العرض أسئلة تتصل بالهوية والاختيار والقدرة على الانعتاق من القوالب الجاهزة التي تُفرض على الإنسان في حياته الاجتماعية والفكرية والوجودية.
ولا يتعامل العرض مع الحرية بوصفها قيمة مكتملة أو حالة نهائية، بل يكشف تعقيداتها ومفارقاتها؛ إذ يبدو التحرر نفسه محفوفاً باحتمالات الوقوع في أشكال جديدة من التقييد، بما يجعل الصراع الإنساني دائراً بين قيود ظاهرة وأخرى أكثر خفاءً. ومن هنا تتجاوز المسرحية ثنائية السيد والتابع إلى مساءلة البنى العميقة التي تتحكم في تشكيل القرارات والرغبات والخيارات الفردية.
اعتمدت الرؤية الإخراجية على لغة بصرية مكثفة، شكّلت السينوغرافيا والإضاءة والموسيقى ركائزها الأساسية، في محاولة لترجمة التوتر الداخلي للشخصيات وتجسيد حالة الشدّ المستمرة بين الرغبة في الانعتاق والقوى التي تسعى إلى الإمساك بخيوط المصير. كما أسهم الأداء التمثيلي في منح البعد الرمزي للنص حضوراً حيوياً على الخشبة، محافظاً على التوازن بين الطابع الفلسفي للعمل ومتطلباته الدرامية.
واختزل العرض رؤيته الفكرية في عبارة دالّة: "وراء كل دمية صانع يخاف أن تكتشف يداه حرية الخشب"، وهي عبارة تلخص جوهر الصراع الذي تنشغل به المسرحية، حيث يتحول الخشب الجامد إلى كائن قادر على مساءلة من صنعه، فيما يتحول السؤال عن الحرية إلى سؤال عن طبيعة السلطة نفسها وحدود قدرتها على التحكم.
وشارك في أداء العمل الفنانون عمر أبو غزالة وأحمد إسماعيل وحسين لؤي، فيما تولى صلاح الدين عيسى المعالجة الدرامية والإخراج، وصمم السينوغرافيا بمشاركة معتز كرامة، ونفذ الإضاءة ماهر جريان، بينما وضع الموسيقى مراد دمرجيان.
وبهذا الطرح، تنحاز "أخشاب حيّة" إلى المسرح الذي يراهن على إثارة الأسئلة أكثر من تقديم الإجابات، مستثمرة طاقة الرمز والصورة المسرحية في دفع المتلقي إلى إعادة التفكير في مفاهيم الحرية والهوية والإرادة، وفي الخيوط الخفية التي قد تسهم في رسم مسارات الحياة الإنسانية.




