لقد صوّرت الروائية الفعل النفسي وهو يتصارع مع العقل داخليًّا، وأفرزت فنيًّا موقفًا يدين الواقع المعيش، وتتبعَت نشأة الذاكرة ونضجها، بإضاءة سلوكيات رومانسية تفاعلت مع واقعها، مما أسهم في إثراء الحدث: «كلّما صدمتها رائحة نفوره الرومانسي، لجأت إلى الصندوق البنّي، تفتحه بشراهة، وتسافر إلى حيث كانا معًا» (ص32).
إن وقائع رواية «لا أتنفس» وقائع تثير الذاكرة، ومن ناحية أخرى تثير الجدل. ولعل المعادل الموضوعي الذي تثيره الرواية يتمثّل في أداتية الذاكرة المُرّة فيها: «هل تعلم أني أبحث كلّ يوم عن كيف أصل إلى ذاكرتها؟» (ص47).
ولعل الرؤية التي اتكأت عليها الكاتبة كرام في استخدامها السؤالَ للتعبير عن الحدث الرئيس في الرواية هي التي جسّدت معنى جدلية السؤال؛ فالعلاقة بين السؤال والحدث الروائي، في جوهرها، قائمة على صورة الممارسات العاطفية التي تمتلك حواسَّ قد تكون مبهمة في بداية الأمر، فيأتي السؤال مخرجًا لهذه الحيرة: «ما سرّ الطعم؟ واللون؟» (ص62).
إن رواية زهور كرام تجعل السؤال يأتي في سلسلة من الاحتمالات، وإن فن الرواية يتجلّى في كيفية استخدام السؤال بأقل مساحة ممكنة من أجل بعث أعنف حركة ممكنة في الحياة الداخلية للنص؛ فليست مهمة الروائية أن تقصّ علينا أحداثًا عظيمة بقدر ما هي أن تضع أمامنا أسئلة كبيرة: «لماذا لا نفكر فيه هو؟» (ص66).
إن الأسئلة الكبرى في الرواية لا يمكن إطلاقها على سعتها؛ فلا بد من وضع حواجز معقولة تكون غير مرئية على صعيد القراءة، لكنها، على صعيد التخييل، تظل مفتوحة. وحتى يتحقق هذا التوظيف، تلجأ الروائية إلى وظيفة الحوار الذي يأتي بوصفه نظرة موضوعية إلى الإنسانية:
«– في التجليات إشارات. واسمك من حرفين، والحرفان بدون إشارة.
– أنت أيضًا لا تضع صورتك، ولم أطلبها.
– إن طلبتِ أفعل. لا أضعها في الواجهة لأسباب مهنية فقط، لكن على الخاص ممكن.
صمتت عن التعليق.
أضاف هو:
– هل أبعث لك صورتي هنا الآن؟
بسرعة، ارتمت على الخاص وكتبت:
– لا، لا، لا تفعلها» (ص77).
تبدو «لا أتنفس» تشكيلًا حواريًّا يأخذ من السؤال منهجًا يخضع له الحدث، ويمثّل المجتمع بأبعاده السياسية والاجتماعية والثقافية. ولهذا قدّمت الروائية تصميمًا ثقافيًّا يعكس وجوه الحياة: «انظر صفحة تاريخ فن المسرح الصيني بالصينية والعربية. أنت لا تشاهد فقط مسرحية، أنت تقرأ عن المسرح الصيني» (ص83).
أصبحت المعاني في رواية كرام تأويلًا للحوار وما وراء السطور وإيضاحًا له. إننا لا نقرأ رواية بمعناها التقليدي، بل ثمة مستويات عدة من الحياة العادية التي يمكن أن نجدها في تفاصيل اليومي. وهذا اليوم إيقاعه سريع، ولهاثه دائم نحو تحقيق شيء غير محدد، ويغدو الحوار دالًّا على ذلك الملتبس وغير الواضح: «قرأتُ جملتك باهتمام و...» (ص89).
هناك دائمًا في الرواية حيرة تأخذ شكل سؤال، يستوعب حركة الحاضر، ولا ينفصل عن الذكريات، لتعبّر عن نفسها في أشكال مختلفة: «بل، حاول أن تتريث في الحكم، أنت لا تملك صبرًا، فكيف تريد الفهم؟» (ص91).
وتسري الأحداث الرئيسة في نسيج الرواية من شخصية إلى أخرى بتوهج خاص، مما يمنح الشكل الفني للنص وحدة عضوية؛ إذ يبدو السؤال كأنه الشخصية الرئيسة في الرواية:
«هل عاد يومها الصياد إلى المدينة؟
كيف تكون مدينة بنساء غير مبصرات؟
هل تتخيلون مدينة بعيون محجوبة عن الحياة؟» (ص112).
إن تكثيف السؤال ضمن شبكة من العلاقات الإنسانية هو الذي يربط بين الشخصيات ومواقفها داخل النص نفسه، الأمر الذي يدفع الرمز الروائي إلى مستوى قد يربك القارئ حينًا. لكن القارئ، إذا ما تأمل قليلًا فيما يقرأ، يدرك أننا أمام روايتين: أولاهما تسرد الأحداث، والثانية تقوم على نسيج الرواية الأولى، والفاصل والواصل بينهما هو السؤال المرافق للنص: «من أين يأتي الصياد بقدرة الحكي؟» (ص116).
رواية «لا أتنفس» للكاتبة زهور كرام تحمل في داخلها الكثير من الأسئلة ومساحات التحليل؛ فالسؤال يكاد يكون الشخصية التي تولّد الشخصيات بأشكالها المختلفة، وتدفعها إلى الكشف عن مساراتها: «أين السمكة؟» (ص120).
ولعل الأسلوب الذي انتهجته الروائية في السرد يقوم على خلق نسيج من الخيال المتجدد الذي لا يقبل الجمود أو الملل؛ إذ سعت الكاتبة إلى دمج السؤال بالقيمة التي تريد إيصالها إلى القارئ: «سعيدًا؟ بالنقود أكون سعيدًا. افهم رأسك» (ص135).
رواية «لا أتنفس» لزهور كرام، في إطلالتها الخاصة، تفجّر مواقف الشخصيات التي تعيش داخل النص بحرية، لكن يبقى السؤال الأزلي الذي تضعه الرواية أمام قارئها: هل ما زال الإنسان يمتلك القدرة على التنفس؟
لقد صوّرت الروائية الفعل النفسي وهو يتصارع مع العقل داخليًّا، وأفرزت فنيًّا موقفًا يدين الواقع المعيش، وتتبعَت نشأة الذاكرة ونضجها، بإضاءة سلوكيات رومانسية تفاعلت مع واقعها، مما أسهم في إثراء الحدث: «كلّما صدمتها رائحة نفوره الرومانسي، لجأت إلى الصندوق البنّي، تفتحه بشراهة، وتسافر إلى حيث كانا معًا» (ص32).
إن وقائع رواية «لا أتنفس» وقائع تثير الذاكرة، ومن ناحية أخرى تثير الجدل. ولعل المعادل الموضوعي الذي تثيره الرواية يتمثّل في أداتية الذاكرة المُرّة فيها: «هل تعلم أني أبحث كلّ يوم عن كيف أصل إلى ذاكرتها؟» (ص47).
ولعل الرؤية التي اتكأت عليها الكاتبة كرام في استخدامها السؤالَ للتعبير عن الحدث الرئيس في الرواية هي التي جسّدت معنى جدلية السؤال؛ فالعلاقة بين السؤال والحدث الروائي، في جوهرها، قائمة على صورة الممارسات العاطفية التي تمتلك حواسَّ قد تكون مبهمة في بداية الأمر، فيأتي السؤال مخرجًا لهذه الحيرة: «ما سرّ الطعم؟ واللون؟» (ص62).
إن رواية زهور كرام تجعل السؤال يأتي في سلسلة من الاحتمالات، وإن فن الرواية يتجلّى في كيفية استخدام السؤال بأقل مساحة ممكنة من أجل بعث أعنف حركة ممكنة في الحياة الداخلية للنص؛ فليست مهمة الروائية أن تقصّ علينا أحداثًا عظيمة بقدر ما هي أن تضع أمامنا أسئلة كبيرة: «لماذا لا نفكر فيه هو؟» (ص66).
إن الأسئلة الكبرى في الرواية لا يمكن إطلاقها على سعتها؛ فلا بد من وضع حواجز معقولة تكون غير مرئية على صعيد القراءة، لكنها، على صعيد التخييل، تظل مفتوحة. وحتى يتحقق هذا التوظيف، تلجأ الروائية إلى وظيفة الحوار الذي يأتي بوصفه نظرة موضوعية إلى الإنسانية:
«– في التجليات إشارات. واسمك من حرفين، والحرفان بدون إشارة.
– أنت أيضًا لا تضع صورتك، ولم أطلبها.
– إن طلبتِ أفعل. لا أضعها في الواجهة لأسباب مهنية فقط، لكن على الخاص ممكن.
صمتت عن التعليق.
أضاف هو:
– هل أبعث لك صورتي هنا الآن؟
بسرعة، ارتمت على الخاص وكتبت:
– لا، لا، لا تفعلها» (ص77).
تبدو «لا أتنفس» تشكيلًا حواريًّا يأخذ من السؤال منهجًا يخضع له الحدث، ويمثّل المجتمع بأبعاده السياسية والاجتماعية والثقافية. ولهذا قدّمت الروائية تصميمًا ثقافيًّا يعكس وجوه الحياة: «انظر صفحة تاريخ فن المسرح الصيني بالصينية والعربية. أنت لا تشاهد فقط مسرحية، أنت تقرأ عن المسرح الصيني» (ص83).
أصبحت المعاني في رواية كرام تأويلًا للحوار وما وراء السطور وإيضاحًا له. إننا لا نقرأ رواية بمعناها التقليدي، بل ثمة مستويات عدة من الحياة العادية التي يمكن أن نجدها في تفاصيل اليومي. وهذا اليوم إيقاعه سريع، ولهاثه دائم نحو تحقيق شيء غير محدد، ويغدو الحوار دالًّا على ذلك الملتبس وغير الواضح: «قرأتُ جملتك باهتمام و...» (ص89).
هناك دائمًا في الرواية حيرة تأخذ شكل سؤال، يستوعب حركة الحاضر، ولا ينفصل عن الذكريات، لتعبّر عن نفسها في أشكال مختلفة: «بل، حاول أن تتريث في الحكم، أنت لا تملك صبرًا، فكيف تريد الفهم؟» (ص91).
وتسري الأحداث الرئيسة في نسيج الرواية من شخصية إلى أخرى بتوهج خاص، مما يمنح الشكل الفني للنص وحدة عضوية؛ إذ يبدو السؤال كأنه الشخصية الرئيسة في الرواية:
«هل عاد يومها الصياد إلى المدينة؟
كيف تكون مدينة بنساء غير مبصرات؟
هل تتخيلون مدينة بعيون محجوبة عن الحياة؟» (ص112).
إن تكثيف السؤال ضمن شبكة من العلاقات الإنسانية هو الذي يربط بين الشخصيات ومواقفها داخل النص نفسه، الأمر الذي يدفع الرمز الروائي إلى مستوى قد يربك القارئ حينًا. لكن القارئ، إذا ما تأمل قليلًا فيما يقرأ، يدرك أننا أمام روايتين: أولاهما تسرد الأحداث، والثانية تقوم على نسيج الرواية الأولى، والفاصل والواصل بينهما هو السؤال المرافق للنص: «من أين يأتي الصياد بقدرة الحكي؟» (ص116).
رواية «لا أتنفس» للكاتبة زهور كرام تحمل في داخلها الكثير من الأسئلة ومساحات التحليل؛ فالسؤال يكاد يكون الشخصية التي تولّد الشخصيات بأشكالها المختلفة، وتدفعها إلى الكشف عن مساراتها: «أين السمكة؟» (ص120).
ولعل الأسلوب الذي انتهجته الروائية في السرد يقوم على خلق نسيج من الخيال المتجدد الذي لا يقبل الجمود أو الملل؛ إذ سعت الكاتبة إلى دمج السؤال بالقيمة التي تريد إيصالها إلى القارئ: «سعيدًا؟ بالنقود أكون سعيدًا. افهم رأسك» (ص135).
رواية «لا أتنفس» لزهور كرام، في إطلالتها الخاصة، تفجّر مواقف الشخصيات التي تعيش داخل النص بحرية، لكن يبقى السؤال الأزلي الذي تضعه الرواية أمام قارئها: هل ما زال الإنسان يمتلك القدرة على التنفس؟




