المهندس مثنى عربيات
لم يكن مشروع جر مياه الديسي إلى عمّان مشروعاً عادياً يمكن اتخاذ قرار بشأنه ثم البدء بتنفيذه، بل كان واحداً من أكثر مشاريع المياه تعقيداً وطموحاً في تاريخ الأردن؛ مشروعاً احتاج إلى سنوات طويلة من الدراسات والتخطيط والتمويل والتفاوض، وإلى أشخاص آمنوا بأن مشكلة المياه في الأردن تحتاج إلى حلول تتجاوز المألوف.
وفي هذا السياق ارتبط اسم الدكتور حازم الناصر بالمشروع في مرحلة مبكرة ومفصلية. فقد بدأ عمله في وزارة المياه والري عام 1991 مديراً لمشروع جر مياه الديسي إلى عمّان، في وقت كانت فيه الفكرة لا تزال أقرب إلى مشروع ضخم يحتاج إلى إثبات جدواه الفنية والاقتصادية والعملية، وليس إلى مشروعع جاهز للتنفيذ.
كانت التحديات كبيرة: مياه جوفية تقع في أقصى جنوب المملكة، ومسافة طويلة تفصلها عن العاصمة، وكلفة رأسمالية وتشغيلية مرتفعة، وحاجة إلى منظومة ضخ ونقل ومعالجة متكاملة، فضلاً عن أسئلة تتعلق باستدامة مخزون الحوض وكميات السحب الممكنة، والجدوى الاقتصادية، وكيفية توفير التمويل لمشروع بهذا الحجم.
والأصعب من ذلك أن الفكرة نفسها لم تكن تحظى دائماً بالقبول أو الثقة. فالمشاريع الكبرى في بداياتها كثيراً ما تواجه سؤالاً بسيطاً لكنه حاسم: هل يمكن فعلاً تنفيذها؟ وهل تستحق كل هذه الكلفة والجهد؟ وفي حالة الديسي، كان نقل المياه لمسافة تقارب مئات الكيلومترات من جنوب المملكة إلى عمّان يبدو لكثيرين مشروعاً بالغ الصعوبة، فيما كانت الحاجة إلى إثبات أن الفكرة قابلة للتحول من دراسة إلى بنية تحتية عاملة تحدياً بحد ذاته.
هنا تكمن أهمية مرحلة الناصر الأولى مع المشروع؛ إذ لم تكن مهمته مجرد متابعة أنبوب مياه، بل تحويل فكرة كبيرة ومثيرة للجدل إلى ملف فني يمكن الدفاع عنه بالأرقام والدراسات، ثم إبقاؤها حاضرة في منظومة التخطيط المائي الأردني رغم تغير الحكومات والمسؤولين والظروف الاقتصادية.
ومع انتقال الدكتور حازم الناصر لاحقاً إلى موقع أمين عام وزارة المياه والري، ثم توليه الوزارة، أصبح قادراً على دفع المشروع على مستويات أعلى: الدراسات، والتخطيط، والتفاوض، والتمويل، وترتيبات التنفيذ، وصولاً إلى نموذج الشراكة الذي سمح بطرح المشروع وتنفيذه.
وبعد سنوات من العمل، انتقل المشروع من مرحلة الدراسات والتصورات إلى التنفيذ الفعلي، وبدأ ضخ مياه الديسي إلى عمّان عام 2013، بطاقة تصميمية تقارب 100 مليون متر مكعب سنوياً، ليصبح أحد أهم مشاريع تعزيز التزويد المائي في المملكة.
والقصة هنا ليست قصة أنبوب فقط؛ إنها قصة كيف يمكن لفكرة تبدو في بدايتها أكبر من الإمكانات المتاحة أن تتحول، عبر الدراسات والإصرار والتراكم المؤسسي، إلى مشروع على الأرض.
ولذلك فإن تجربة الديسي تقدم درساً مهماً للأردن اليوم: المشاريع الوطنية الكبرى لا تولد مكتملة، ولا تكون دائماً موضع إجماع في بداياتها. قد يبدأ المشروع بفكرة يعتبرها البعض غير واقعية أو شديدة الكلفة أو صعبة التنفيذ، لكن الفارق يصنعه وجود من يحول الفكرة إلى أرقام ودراسات، ثم إلى خطة، ثم إلى تمويل وعقود وتنفيذ.
وقد مر مشروع الديسي نفسه بمراحل متعددة وبمشاركات حكومية وفنية ومؤسسية متعاقبة، ولذلك فإن نسبته إلى شخص واحد فقط لا تعكس طبيعة المشاريع الوطنية الكبرى. لكن الدكتور حازم الناصر كان من أبرز من ارتبطوا بالمشروع في مرحلته الفنية المبكرة، ثم في مراحل تطويره ودفعه نحو التنفيذ، وصولاً إلى تشغيله.
وربما تكون هذه هي القيمة الأهم في تجربة الديسي: أن الأردن، رغم محدودية موارده المائية والمالية، استطاع في نهاية المطاف تنفيذ مشروع كان يحتاج إلى رؤية طويلة الأمد، وإلى مسؤولين وفنيين مستعدين للعمل على فكرة قبل أن تصبح حقيقة.
فما كان يوماً مجرد سؤال: «هل يمكن جر مياه الديسي إلى عمّان؟» أصبح لاحقاً واقعاً تشرب منه العاصمة ومحافظات أخرى.
وهذه هي طبيعة المشاريع التي تغيّر الدول: تبدأ أحياناً كفكرة صعبة، ثم تتحول إلى دراسة، فقرار، فمؤسسة، فتمويل، ثم إلى مشروع يراه الناس بأعينهم.




