خليل قطيشات
في مسيرة الرجال الذين يتولّون مواقع المسؤولية، لا تُقاس قيمة التجربة بعدد السنوات التي أمضوها في مواقعهم، ولا بما حملته من ألقاب ومناصب، وإنما بما تركوه من أثر، وما أنجزوه من عمل، وما حفظته الذاكرة من مواقف تشهد لهم بالإخلاص والانتماء وحسن أداء الأمانة. ومن هذا المعنى، تأتي لحظة ترجّل الأستاذ الدكتور وائل الربضي عن موقعه عميداً لكلية عجلون الجامعية، بعد أن أمضى الحد الأعلى المقرر في موقع العمادة، أربع سنوات حافلة بالعطاء والعمل والمسؤولية، ليغادر موقعه وهو يحمل معه تقدير أبناء محافظة عجلون واحترام الأسرة التعليمية والأكاديمية.
لم تكن السنوات الأربع التي قضاها الدكتور وائل الربضي في عمادة كلية عجلون الجامعية مجرد فترة زمنية انقضت بانتهاء التكليف، بل كانت مرحلة من العمل المتواصل في واحدة من المؤسسات التعليمية التي تمثل حضوراً أكاديمياً مهماً في المحافظة، وتضطلع برسالة تتجاوز حدود التعليم إلى الإسهام في بناء الإنسان وخدمة المجتمع وتعزيز مسيرة التنمية. وفي مثل هذه المواقع، تكون المسؤولية أكبر من مجرد إدارة مؤسسة، لأنها ترتبط بأجيال من الطلبة، وبكوادر أكاديمية وإدارية، وبمجتمع ينظر إلى مؤسسته التعليمية باعتبارها ركناً أساسياً من أركان نهضته ومستقبله.
وحين يترجّل الرجال عن مواقع المسؤولية، فإن المناصب تنتهي، لكن السيرة لا تنتهي، والأثر لا يغادر المكان بمجرد مغادرة المكتب. فالمنصب بطبيعته عابر، أما ما يتركه الإنسان من احترام وثقة وانطباع طيب في نفوس الناس، فهو الباقي. ومن هنا، فإن الحديث عن الدكتور وائل الربضي لا يأتي من باب توديع مسؤول أنهى فترة تكليفه فحسب، وإنما هو وقفة تقدير أمام تجربة رجل حمل مسؤولية موقعه بروح من الالتزام، وأدى واجبه واضعاً خدمة المؤسسة والطلبة والتعليم في مقدمة اهتمامه.
لقد استطاع الدكتور وائل خلال فترة توليه عمادة كلية عجلون الجامعية أن يكون قريباً من تفاصيل المشهد الأكاديمي والإداري، مدركاً أن إدارة المؤسسات التعليمية تحتاج إلى مزيج من الحزم والحكمة، وإلى قدرة على التعامل مع التحديات بروح المسؤولية، وإلى إيمان بأن التعليم ليس وظيفة تؤدى فحسب، بل رسالة وطنية وإنسانية تتصل بمستقبل الأجيال. ولذلك، فإن مغادرته موقع العمادة تفتح الباب أمام استذكار مرحلة كاملة من العمل، بما حملته من مواقف وتحديات ونجاحات وتجارب ستبقى جزءاً من ذاكرة الكلية وأبنائها.
وفي محافظة عجلون، التي يعرف أهلها قيمة الرجال الذين يخدمونها بإخلاص، لا يغيب عن الذاكرة ذلك الحضور الذي صنعه الدكتور وائل الربضي خلال سنوات عمله، فقد كان واحداً من الوجوه الأكاديمية التي ارتبط اسمها بكلية عجلون الجامعية وبمسيرتها التعليمية خلال السنوات الماضية. وما يبقى في وجدان الناس ليس فقط القرارات الإدارية أو تفاصيل العمل اليومي، وإنما طريقة تعامل المسؤول مع الناس، وقدرته على حمل الأمانة، وحرصه على أن يكون الموقع الذي يشغله مساحة لخدمة الآخرين لا امتيازاً شخصياً.
إن ترجّل الدكتور وائل الربضي عن موقع العمادة لا يعني بأي حال ترجّله عن دوره الأكاديمي والوطني، فالعلماء والأكاديميون لا تنتهي رسالتهم بانتهاء التكليف الإداري، بل تظل خبراتهم وتجاربهم وعطاؤهم رصيداً يمكن أن يواصلوا من خلاله خدمة مؤسساتهم ووطنهم ومجتمعهم. وربما تكون مغادرة الموقع الإداري بداية لمساحات جديدة من العطاء، يحمل فيها الرجل تجربته التي راكمها، ويواصل من خلالها أداء رسالته في ميادين أخرى.
وما يستحق التقدير في تجربة الدكتور وائل الربضي كذلك أنه تعامل مع المسؤولية باعتبارها تكليفاً وأمانة، لا تشريفاً ومكسباً. وهذه هي القيمة الحقيقية لأي مسؤول؛ أن يعرف أن الكرسي الذي يجلس عليه اليوم سيأتي يوم ويغادره، وأن الذي سيبقى بعده هو العمل والسيرة والموقف. فالمواقع تتبدل، والأسماء تتعاقب، لكن التاريخ المهني للإنسان يظل شاهداً على الطريقة التي حمل بها الأمانة وأدى بها واجبه.
ولعل أجمل ما يمكن أن يقال في لحظة كهذه إن الدكتور وائل الربضي يغادر عمادة كلية عجلون الجامعية وقد ترك وراءه مساحة من الاحترام والتقدير في نفوس كثيرين، وغادر الموقع دون أن يغادر مكانته في قلوب أبناء المحافظة، لأن المحبة الحقيقية لا تُبنى بالمناصب، وإنما تُبنى بالمواقف، وبالعمل، وبالصدق في التعامل، وبالحرص على خدمة الناس والمؤسسة والوطن.
وفي زمن تتغير فيه المواقع والمسؤوليات بسرعة، تبقى هناك أسماء تفرض حضورها بما قدمته، لا بما امتلكته من سلطة. وتبقى هناك تجارب تستحق أن تُروى لأنها تقدم نموذجاً لمسؤول أدرك أن المنصب مرحلة، وأن الوطن هو الثابت، وأن خدمة الناس مسؤولية لا ترتبط بمكتب أو لقب. ومن هذه الزاوية، فإن مسيرة الدكتور وائل الربضي في كلية عجلون الجامعية تستحق كلمة وفاء تليق بما قدمه خلال سنوات توليه المسؤولية.
شكراً من القلب، عطوفة الأستاذ الدكتور وائل الربضي، على ما قدمتموه خلال سنوات خدمتكم، وعلى ما بذلتموه في سبيل الارتقاء بالعمل التعليمي والأكاديمي، وعلى حضوركم الذي سيبقى مرتبطاً بمرحلة مهمة من مسيرة كلية عجلون الجامعية. شكراً لكل موقف حملتم فيه المسؤولية، ولكل جهد بذلتموه، ولكل وقت منحتموه لخدمة الطلبة والمؤسسة والمحافظة والوطن.
اليوم يترجّل فارس عن موقعه، لكن الفرسان الحقيقيين لا يغادرون المشهد؛ إنما ينتقلون من موقع إلى موقع، ويبقى أثرهم حاضراً في ذاكرة من عرفوهم وعايشوا تجربتهم. وسيبقى الدكتور وائل الربضي، بما قدمه من عطاء وما حمله من مسؤولية، اسماً يستحق الاحترام والتقدير، وستبقى السنوات الأربع التي أمضاها في عمادة كلية عجلون الجامعية شاهدة على مرحلة من العمل والالتزام وخدمة التعليم.
فالوطن لا ينسى أبناءه الذين خدموه بإخلاص، والمؤسسات لا تنسى من حملوا أمانتها بشرف، والناس لا تنسى من تركوا في نفوسهم أثراً طيباً. وما أجمل أن يغادر الإنسان موقع المسؤولية وهو مطمئن إلى أن سيرته ستتحدث عنه، وأن ما زرعه من خير سيظل حاضراً في ذاكرة المكان وأهله.
حفظ الله الأردن عزيزاً آمناً مستقراً، وحفظ جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، وولي عهده الأمين، وأدام على وطننا نعمة الأمن والاستقرار والعز، ووفق الدكتور وائل الربضي في مسيرته القادمة، وكتب له الأجر على ما قدم، وجعل القادم من أيامه امتداداً لعطاءٍ بدأه ولم ينتهِ بانتهاء موقع أو مسؤولية.




