نانسي بلال السيوري
مع كل حديث عن تحديث الإدارة العامة في الأردن، يتجدد الأمل ببناء نموذج للحكم المحلي يمنح المحافظات والبلديات قدرة حقيقية على إدارة شؤونها، بعيدًا عن المركزية التي أثقلت كاهل التنمية لعقود. وفي هذا السياق جاءت مسودة قانون الإدارة المحلية لسنة 2026 باعتبارها إحدى محطات الإصلاح الإداري، إلا أن القراءة المتأنية لنصوصها تكشف مفارقة تستحق التوقف عندها؛ فهي تتحدث عن اللامركزية، لكنها تُبقي أدوات القرار الفعلي بيد السلطة المركزية.
إن جوهر اللامركزية لا يكمن في إنشاء مجالس منتخبة فحسب، وإنما في منحها صلاحيات مستقلة، وموارد كافية، ومساحة حقيقية لاتخاذ القرار. أما إذا بقيت هذه المجالس رهينة للموافقات المركزية، فإننا نكون أمام تغيير في الشكل لا في المضمون.
ومن أبرز الملاحظات التي تثيرها المسودة ما يتعلق بشروط الترشح للمجالس المحلية، إذ تكتفي بمعايير العمر والحق الانتخابي دون اشتراط حد أدنى من التأهيل العلمي، رغم أن أعضاء هذه المجالس سيتعاملون مع الموازنات، والاستثمارات، والشراكات، وإدارة المشاريع التنموية. إن الديمقراطية لا تتعارض مع الكفاءة، بل تكتمل بها، لذلك فإن رفع مستوى التأهيل لرؤساء وأعضاء المجالس يعزز جودة القرار ويحمي المال العام.
كما تمنح بعض النصوص الحكومة صلاحيات واسعة في حل المجالس المنتخبة أو تعيين لجان مؤقتة وملء الشواغر بالتعيين، وهو ما يثير تساؤلات حول مدى استقلالية هذه المجالس، ويجعل الإرادة الشعبية عرضة للتدخل الإداري. فالانتخاب يفقد جزءًا من قيمته عندما يصبح استكمال تمثيل المواطنين خاضعًا للتعيين بدل الاحتكام إلى الناخبين أو الانتخابات التكميلية.
وتتجلى الإشكالية أيضًا في استمرار اشتراط موافقة وزارة الإدارة المحلية على الموازنات والخطط والقرارات الأساسية قبل نفاذها، بما يحول الرقابة اللاحقة إلى وصاية مسبقة. فالرقابة مطلوبة لحماية المال العام، لكن الرقابة شيء، والتحكم المسبق بالقرار المحلي شيء آخر.
ورغم أن المسودة تمنح البلديات صلاحيات استثمارية أوسع، مثل إنشاء الشركات والدخول في شراكات مع القطاع الخاص، إلا أن هذه الصلاحيات تبقى مقيدة بموافقات مركزية متعددة، الأمر الذي قد يحد من قدرة البلديات على جذب الاستثمار والاستجابة السريعة للفرص الاقتصادية.
وفي جانب آخر، تُسجل للمسودة خطوات إيجابية في توسيع مشاركة المرأة والشباب، إلا أن نجاح هذه الخطوات يتطلب بيئة انتخابية عادلة تحد من تأثير المال السياسي، وتعزز تكافؤ الفرص، حتى لا تتحول المقاعد المخصصة إلى مكاسب شكلية لا تحقق الهدف المنشود من المشاركة السياسية.
أما أكثر النصوص إثارة للنقاش، فهو ما يتعلق بإلزام المواطنين بالمساهمة في جزء من كلف مشاريع البنية التحتية، إذ قد يؤدي ذلك إلى تعميق الفجوة التنموية بين البلديات القادرة ماليًا وتلك الأقل حظًا، ويجعل مستوى الخدمات مرتبطًا بقدرة السكان على الدفع بدل أن يكون حقًا متساويًا لجميع المواطنين.
إن الإصلاح الحقيقي للإدارة المحلية لا يتحقق بتغيير المسميات أو إعادة هيكلة المؤسسات فقط، بل بإعادة توزيع السلطة والموارد والمسؤولية بصورة متوازنة. فالمطلوب هو بناء نموذج يمنح المجالس المنتخبة استقلالًا حقيقيًا، ويعزز الرقابة اللاحقة بدل الوصاية المسبقة، ويربط تقييم الأداء بالنتائج التنموية لا بدرجة القرب من المركز.
إن نجاح قانون الإدارة المحلية لن يقاس بعدد مواده أو شعاراته، وإنما بقدرته على تحويل اللامركزية من نصوص قانونية إلى ممارسة مؤسسية يشعر بها المواطن في الخدمات، والتنمية، وصناعة القرار. فالأردن بحاجة إلى إدارة محلية قوية، تمتلك القرار والمسؤولية، لأن التنمية المستدامة تبدأ من المحافظات، لا من المركز وحده.




