الدكتور زيد نايل الفقهاء
جاء خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني اليوم أمام الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة ليمثل لحظة فارقة في التعبير عن وجع الأمة وصوت ضميرها الحي. لم يكن الخطاب الملكي مجرد سرد دبلوماسي تقليدي أو توصيف سياسي عابر للأزمات بل جاء كإدانة حازمة ومباشرة وقراءة استراتيجية عميقة وضعت قادة العالم بأسره أمام مسؤولياتهم التاريخية والأخلاقية. لقد تحدث القائد الهاشمي بلغة حاسمة لا تقبل المواربة ليؤكد أن بقاء المنظومة الدولية صامتة أو عاجزة أمام ما يحدث في فلسطين يهدد بانهيار القانون الدولي والشرعية الإنسانية بأكملها.
بذكاء سياسي فذ نسف جلالة الملك الأوهام التي يحاول الاحتلال ترويجها وفكك بجرأة استراتيجية الحكومة الإسرائيلية الرامية إلى عزل القضايا. لقد أعاد جلالته ربط المسارات بوضوح مؤكداً أن غزة والضفة الغربية ليستا قصتين منفصلتين بل هما جبهتان لسياسة تدميرية موحدة يمارسها الاحتلال. ووجّه الملك صفعة قوية للخطاب الإسرائيلي عندما سمّى الأمور بمسمياتها الحقيقية واصفاً ما يحدث في غزة بأنه محاولة لمحو الوجود الفلسطيني وما يجري في الضفة من ضم فعلي للأراضي وعنف ممنهج بأنه تهجير قسري يمثل جريمة حرب مكتملة الأركان وفقاً للقوانين الدولية.
وفي اللحظة التي صدح فيها صوت القائد من على المنبر الأممي تجسدت أبهى صور التلاحم الوطني حيث يقف الشعب الأردني بأكمله من شتى منابته وأصوله صفاً واحداً وجداراً منيعاً خلف جلالة الملك. إن هذا الموقف الشعبي العارم ليس مجرد تأييد عابر بل هو إيمان مطلق بالنهج الشجاع الذي اختطه جلالته والذي كشف فيه من الحقائق والوقائع والخرائط ما لم يجرؤ أي قائد قبله على تعريته بهذه المكاشفة العلنية المباشرة. لقد شعر كل أردني بالفخر والاعتزاز وهو يرى كيف نجحت لغة الملك المنطقية والصادمة في قلب الموازين السياسية وتحويل دفة الرأي العام العالمي ليدفع بالعديد من دول العالم ومواقفها الرسمية إلى مراجعة حساباتها والانقلاب على رواية دولة الاحتلال الزائفة التي سقطت أمام قوة الحجة الأردنية.
لم يتردد جلالة الملك في تعرية الحكومة الإسرائيلية الحالية أمام المنبر الأممي كاشفاً زيف ادعاءاتها السياسية والديمقراطية. ففي مقاربة قوية لافتة تساءل جلالته مستنكراً كيف يمكن لدولة تدعي الديمقراطية وسيادة القانون أن يقف جنودها متفرجين أو مشاركين في أعمال العنف ضد المدنيين الأبرياء والمستوطنين المتطرفين في الضفة الغربية؟ لقد أوضح الخطاب الملكي للعالم أن رفض هذه الحكومة الإسرائيلية لقيام الدولة الفلسطينية ليس مجرد موقف عابر بل سياسة يجري تكريسها وتثبيتها بشكل متسارع ومدروس عبر تسريع الاستيطان ومصادرة الأراضي لتقويض أي أفق حقيقي للسلام.
جدد جلالته من على منبر الأمم المتحدة التأكيد على الثوابت الأردنية الراسخة التي تشكل صمام أمان للقضية الفلسطينية فكان الإصرار الهاشمي واضحاً في الدفاع عن القدس ومقدساتها بموجب الوصاية الهاشمية التاريخية، إلى جانب الدعم المطلق لوكالة الأونروا. ووجّه القائد رسالة مدوية للاحتلال وللمجتمع الدولي معاً أن الأمن والاستقرار لن يتحققا عبر احتواء الصراعات وإدارتها بل بإنهاء الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة القابلة للحياة على خطوط الرابع من حزيران عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.
إن قوة خطاب الملك عبدالله الثاني اليوم تكمن في أنه وضع المجتمع الدولي بين خيارين لا ثالث لهما إما الانتصار للعدالة وتطبيق القانون الدولي على الجميع بلا كيل بمكيالين أو الاستمرار في التغاضي والخذلان الذي سيقود المنطقة والعالم نحو الانهيار الشامل. لقد رسم الأردن اليوم عبر لسان قائده حدوده السياسية والأخلاقية بكل شجاعة حاملاً لواء المدافع الأول عن حقوق الشعب الفلسطيني وكاشفاً للعالم أجمع بشاعة السياسات الإسرائيلية التي تستهدف تصفية القضية وإعدام الأمل في السلام.



