د. خضر السرحان
جاء خطاب جلالة الملك عبدﷲ الثاني أمام الجلسة الافتتاحية لاجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة بمثابة وثيقة سياسية وأخلاقية مكثفة؛ لم تكتفِ بتوصيف الأزمات المتراكمة التي تعصف بالمنطقة والعالم، بل وضعت المنظومة الدولية أمام مرآة مسؤولياتها التاريخية، متجاوزةً لغة المجاملات الدبلوماسية نحو تشخيص صريح لداء «التقاعس السياسي المتعمد».
تفكيك أوهام الصراع وإعادة ضبط البوصلة
انطلق الخطاب من مقاربة فكرية عميقة لمفهوم «انتباه العالم»، محذراً من أن الوتيرة المتسارعة للأزمات تجعل المجتمع الدولي يعالج الأعراض الآنية ويهمل الجذور، مؤكداً أن «ما نهمله اليوم، غالباً ما يشكل مستقبلنا». ومن هذه الزاوية، فكك جلالته الأوهام المحيطة بالقضية الفلسطينية والسياسات الإسرائيلية:
وهم تغيير نهج الاحتلال: أكد جلالته أن رفض قيام الدولة الفلسطينية ليس تكتيكاً عابراً، بل نهج ممنهج يُكرّس على الأرض عبر تسريع الاستيطان ومصادرة الأراضي لجعل حل الدولتين مستحيلاً.
وهم تبرئة الاحتلال وإدانة الضحية: نسف الخطاب المزاعم التي تتهم الجانب العربي برفض السلام، مشيراً إلى مبادرات السلام المتتالية التي قوبلت بتعنت إسرائيلي.
رفض تسييس الدين: رفض الخطاب بحزم محاولات تصوير الصراع كـ «حرب أديان»، مؤكداً جوهره الحقيقي كصراع حقوق وعدالة إنسانية يستحق فيها الفلسطينيون — مسلمين ومسيحيين — حريتهم وكرامتهم الكاملة.
فضح المعايير المزدوجة: التقاعس خيار سياسي
شكّل هذا المحور أحد أقوى مفاصل الخطاب وأكثرها جرأة أمام قادة العالم؛ إذ وضع جلالة الملك المجتمع الدولي أمام ازدواجية معاييره بصراحة غير مواربة. وأوضح أن عجز العالم أمام الانتهاكات ليس بسبب غياب الأدوات القانونية أو الاقتصادية، بل هو خيار سياسي:
نمتلك الأدوات: كالعقوبات، وتجميد الأصول، وفرض الحظر، والعزل الدبلوماسي. ولدينا سجل باستخدامها.. في قضايا أخرى. لكن عندما يتعلق الأمر بإسرائيل، تبقى القرارات حيث بدأت: حبراً على ورق. والنتيجة هي دولة بلا رادع.
هذه المكاشفة تضع الأمم المتحدة ومجلس الأمن في مواجهة تآكل شرعيتهما إذا استمر تطبيق القانون الدولي بانتقائية تخضع للمصالح لا للعدالة.
خطوط حمراء وأمن قومي لا مساومة عليه
لم يكن الخطاب موجهاً للخارج الدولي فحسب، بل حمل رسائل ردع واضحة وصريحة لحماية الأمن القومي الأردني واستقرار الإقليم:
1. التحذير من الأطماع في سوريا: سلط جلالته الضوء على التوغلات الإسرائيلية وفرض الحقائق الميدانية في الجنوب السوري، معتبراً إياها ناقوس خطر يهدد الاستقرار الإقليمي والمصادر المائية.
2. معادلة الأمن والحدود: جاءت الرسالة الأردنية حاسمة ومباشرة: أي تهديد للحدود الشمالية للمملكة أو لأمنها المائي يُعد تهديداً مباشراً للأمن القومي الأردني، وأن الأردن لن يشيح بنظره وسيحمي مصالحه بكل حزم.
3. الدبلوماسية ليست ضعفاً: بيّن جلالته أن تمسك الأردن بالمسار السياسي والدبلوماسي ينبع من تمسكه بالقيم الإنسانية، محذراً من إساءة تفسير هذا النهج العقلاني على أنه تردد أو ضعف.
ثبات النموذج الأردني والأمانة التاريخية
أعاد الخطاب تأكيد ثوابت المملكة التي تمنحها وزنها المعنوي والسياسي في الساحة الدولية:
* الاستمرار في دعم صمود الشعب الفلسطيني ووكالة الأونروا.
* التمسك بأمانة الوصاية الهاشمية التاريخية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس وحمايتها من محاولات التهويد والتقسيم.
* تقديم الأردن كنموذج رصين يستند إلى المبادئ والانفتاح والثبات وسط إقليم مضطرب تعصف به الحسابات الضيقة.
خلاصات ورسائل للمستقبل
اختتم الخطاب برؤية شمولية تؤكد أن القوة العسكرية وحدها عاجزة عن فرض السلام أو حل المشكلات البنيوية للإنسانية كالهجرة والمناخ والفقر. إن السلام الدائم يتطلب استعادة الثقة بالقانون الدولي والاتفاقيات المبرمة، ووعياً عالمياً لا ينقاد وراء محاولات تشتيت الانتباه عن جوهر المظالم الإنسانية.
لقد وضع الملك عبدﷲ الثاني المجتمع الدولي أمام مسؤوليته الأخلاقية والقانونية: فالمستقبل تصنعه الشجاعة في اتخاذ القرار وتطبيق العدالة، بقدر ما يصنعه رفض التغاضي عن الظلم المستمر.



