ميساء المواجدة
مع كل حديث عن تعديل وزاري، يبدأ السؤال المعتاد:
من سيأتي؟
ومن سيغادر؟
ومن سيبقى؟
لكنني أعتقد أن الأردن يستحق سؤالًا مختلفًا تمامًا ، ماذا لو لم يكن التعديل الوزاري القادم مجرد تغيير أسماء، بل تغييرًا في فلسفة اختيار الوزير نفسها؟
ماذا لو أصبح الوصول إلى المنصب الوزاري قائمًا على معادلة واضحة: كفاءة نزاهة خبرة رؤية قدرة على الإنجاز.
لا يهم إن كان المرشح عسكريًا متقاعدًا، أو أكاديميًا، أو اقتصاديًا، أو طبيبًا، أو مهندسًا، أو صاحب تجربة في القطاع الخاص، أو شابًا يحمل رؤية جديدة.
المهم:
ماذا يستطيع أن يقدم للأردن؟
لدينا في مؤسساتنا الوطنية، وفي قواتنا المسلحة وأجهزتنا الأمنية، وفي جامعاتنا وقطاعاتنا الاقتصادية والطبية والهندسية والإدارية، كنوز من الخبرات الأردنية.
لماذا لا نجمع هذه الخبرات تحت معيار واحد؟
الأصلح للحقيبة… وليس الأقرب إلى الكرسي.
وهنا يأتي اقتراحي: لماذا لا يكون لكل وزير «عقد إنجاز وطني»؟
ليس عقدًا وظيفيًا بالمعنى التقليدي، وإنما إطار واضح يحدد للوزير مجموعة من الأولويات والأهداف القابلة للقياس خلال فترة زمنية محددة.
حتى يصبح تقييم الوزير قائمًا على سؤال بسيط: ماذا أنجز؟ لا كم بقي في منصبه فالوزارة ليست وجاهة، وليست مكافأة، وليست امتيازًا اجتماعيًا.
الوزارة أمانة ومسؤولية أمام الدولة والمواطن.
وأعتقد أيضًا أن الوقت مناسب لفتح حوار وطني هادئ ومسؤول حول مراجعة التشريعات الناظمة للمخصصات والامتيازات المرتبطة بالمناصب العامة وما بعد انتهائها، بما يحقق العدالة ويحمي المال العام، ووفق أحكام الدستور والقانون.
فالمطلوب ليس حرمان أحد من حق كفله القانون، وإنما السؤال:
هل ما نحتاج إلى مراجعته اليوم هو الأشخاص فقط… أم بعض القواعد التي تحكم ما بعد المنصب أيضًا؟
أما في ملف المال العام، فالمبدأ يجب أن يكون واضحًا:
لا حصانة من المساءلة أمام القانون.
ومن تثبت بحقه، بحكم قضائي قطعي، جريمة فساد أو اعتداء على المال العام، فيجب أن تطبق بحقه جميع الآثار القانونية المترتبة على الحكم، بما في ذلك استرداد الأموال والمنافع التي يوجب القانون استردادها.
لا انتقام…
ولا تشهير…
ولا تصفية حسابات.
فقط قانون وعدالة وحماية للمال العام.
وفي كل ذلك، يبقى احترام مؤسسات الدولة وأجهزتها الوطنية وأدوارها الدستورية والأمنية أمرًا لا يحتاج إلى نقاش أو مزايدة.
فالدولة القوية هي التي تتكامل فيها مؤسساتها، ويعمل كل منها ضمن اختصاصه، ويكون هدف الجميع واحدًا:
الأردن أولًا… وأمنه واستقراره وسيادة القانون فوق كل اعتبار. 🇯🇴
لذلك، ربما يكون التعديل الوزاري الحقيقي هو الذي يجعلنا نتوقف عن السؤال:
«مين صار وزير؟»
ونبدأ بالسؤال:
«شو المطلوب منه؟ ومتى سنعرف أنه نجح؟»
وربما يكون أجمل ما يمكن أن نقدمه للأردن ليس مجرد وجوه جديدة…
بل معايير جديدة.
وزير يدخل المنصب وهو يعرف أن أمامه مهمة.
ويخرج منه وقد ترك أثرًا.
ويعرف الجميع أن المنصب ليس امتيازًا دائمًا…
بل أمانة لها بداية، ومسؤولية لها حساب، ونتائج يجب أن تُرى.
وفي النهاية، تبقى بوصلتنا واحدة، وقلوبنا معلقة بهذا الوطن الذي يجمعنا تحت راية واحدة.
حفظ الله الأردن، وأدام عليه نعمة الأمن والاستقرار، وحمى قائد مسيرتنا وملكنا المفدى جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، وسمو ولي عهده الأمين الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، وحفظ الأسرة الهاشمية، وأدامها سندًا وذخرًا للأردن والأردنيين.
وحفظ الله شعبنا الأردني الواحد، بكل أطيافه ومكوناته، وجعلنا دائمًا يدًا واحدة وقلبًا واحدًا في وطنٍ يستحق منا أن نعطيه أجمل ما لدينا.



