الدكتور نسيم أبو خضير
في معان ، حيثُ بدأت من أرضها صفحاتٌ مضيئة من تأريخ الدولة الأردنية الحديثة ، وحيثُ يختزن المكان ذاكرةَ التأسيس والوفاء والكرامة ، جاءت كلمات جلالة الملك عبدالله الثاني بن الحسين، اليوم ، لتؤكد أن الأردن ليس دولةً تعيش على هواجس الخوف ، بل وطنٌ يمتلك من عناصر القوة والتماسك والقدرة ما يجعله قادراً على حماية أمنه وإستقراره ، والمضي بثقة نحو المستقبل .
ولعل أبلغ ما حملته رسالة جلالته قوله: « بلد النشامى ما عليها خوف » ، وهي ليست مجرد عبارة طمأنة عابرة ، وإنما رسالة سياسية ووطنية عميقة، تؤكد أن الأردن ، بقيادته وشعبه وجيشه وأجهزته الأمنية ، يمتلك إرادة الدفاع عن الوطن وحماية مصالحه ، وأن أمن الأردن وإستقراره ليسا موضعاً للمساومة أو التجربة .
وقد أكد جلالته أن الأولوية هي حماية مصلحة الوطن ، والمضي قدماً بكل ما يخدم الأردن ويحفظ إستقراره ، مشدداً على أن نشامى القوات المسلحة الأردنية – الجيش العربي ، والأجهزة الأمنية ، مستمرون في التصدي لأي إعتداء يستهدف المملكة وأجواءها وأراضيها .
وهنا تتجلى فلسفة القيادة الهاشمية في التعامل مع المرحلة ، طمأنةٌ للشعب ، وثقةٌ بالمؤسسة العسكرية والأمنية ، ورسالةٌ واضحة لكل من يراقب الأردن من الداخل والخارج : هذا وطنٌ يعرف كيف يحمي نفسه .
معان… ليست مجرد محافظة ، بل ذاكرة وطن .
إختيار معان لتوجيه هذه الرسائل يحمل دلالة كبيرة.
فمعان ليست مكاناً عادياً في الذاكرة الأردنية ، منها إنطلقت محطات أساسية في مسيرة بناء الدولة ، ومنها عبرت رسائل الوفاء والانتماء الوطني، ولذلك فإن مخاطبة أهلها اليوم تحمل معنى خاصاً .
جلالة الملك لم يذهب إلى معان ليقول لأهلها فقط إن الدولة معهم ، بل ذهب ليؤكد أن معان جزء أصيل من مشروع الدولة الأردنية ، وأن التنمية فيها ليست منّةً ولا تفضلاً ، وإنما حقٌ وطني وواجبٌ على الدولة تجاه مواطنيها .
وهنا تبرز الرسالة الأهم في كلمة جلالته : الأمن وحده لا يكفي ، والتنمية وحدها لا تكفي ، فالدولة القوية هي التي تجمع بين الأمن والتنمية والخدمات والعدالة والفرص .
اللافت في حديث جلالة الملك أنه لم يتوقف عند الأمن ، وإنما إنتقل مباشرة إلى قضية الخدمات والتنمية والبنية التحتية ، ووجّه الحكومة إلى وضع تطوير الخدمات والبنية التحتية في معان ضمن أولوياتها ، كما شدد على إستمرار المسؤولين في الزيارات الميدانية والإستماع إلى المواطنين وتحديد احتياجاتهم .
فالمواطن الأردني لا يريد فقط أن يشعر بالأمان ، وإنما يريد أيضاً مدرسةً جيدة ، ومستشفىً متطوراً ، وطريقاً آمناً ، وماءً وخدماتٍ لائقة ، وفرصة عمل ، ومشروعاً إنتاجياً ، وإدارةً تستمع إليه وتحترم وقته وكرامته ، وهنا تصبح التنمية جزءاً من مفهوم الأمن الوطني نفسه .
فالشاب الذي يجد فرصة عمل ، والأسرة التي تحصل على خدمات جيدة، والقرية التي تصلها البنية التحتية ، والمحافظة التي تستقطب الإستثمار ، والجامعة التي تنتج المعرفة ، والمواطن الذي يشعر بأن صوته مسموع ، كل هؤلاء يشكلون في النهاية جبهةً وطنيةً متماسكة لحماية الأردن .
النشمي الذي يحمي الحدود… والنشمي الذي يبني الوطن .
النشمي هو الجندي الذي يقف على الحدود ، ويحمي سماء الوطن وأرضه .
والنشمي أيضاً هو المعلم الذي يؤدي رسالته بأمانة ، والطبيب الذي يخدم مريضه ، والمهندس الذي يتقن عمله ، والعامل الذي يبني ، والمزارع الذي ينتج ، والشاب الذي يبحث عن فرصة ليصنع مستقبله ، والمسؤول الذي ينزل إلى الميدان ويستمع للمواطنين ، ورجل الأعمال الذي يستثمر في وطنه .
فالدفاع عن الأردن ليس بندقيةً فقط ، وإنما عملٌ وإنتاجٌ وإخلاصٌ ونزاهةٌ ومسؤولية .
وهذه هي المعادلة التي تحتاجها الدولة الأردنية اليوم : جيشٌ قوي يحمي الوطن ، ومؤسساتٌ قوية تخدم المواطن ، وإقتصادٌ قوي يوفر فرص العمل ، وإدارةٌ كفؤة تحوّل التوجيهات إلى إنجازات .
ومن أهم ما في حديث جلالة الملك تأكيده أهمية إستمرار المسؤولين في الزيارات الميدانية لخدمة المواطنين وتحديد إحتياجاتهم .
فالمواطن لا يريد أن يسمع عن المشكلة بعد حلها ، وإنما يريد مسؤولاً يصل إلى مكان المشكلة ، يراها بعينه ، يسمع الناس ، ويضع الحلول ، ثم يعود ليتابع التنفيذ .
فالفرق كبير بين مسؤولٍ يقرأ التقارير في مكتبه ، ومسؤولٍ يرى الواقع على الأرض .
ولهذا فإن المرحلة المقبلة يجب أن تكون مرحلة قياس الإنجاز لا كثرة الوعود ، وقياس النتائج لا عدد الإجتماعات ، ومحاسبة المقصر لا تبرير التقصير .
معان تمتلك مقومات التنمية… والمطلوب تحويل الإمكانات إلى فرص .
إن ما طرحه أبناء معان خلال اللقاء من إحتياجات في قطاعات الصحة ، والتعليم ، والزراعة والمياه ، والنقل ، والبنية التحتية ، يعكس حقيقة أن المحافظة تمتلك إمكانات كبيرة ، لكنها تحتاج إلى إدارة إستثمارية وتنموية قادرة على تحويل هذه الإمكانات إلى مشاريع وفرص عمل .
ومعان بما تملكه من موقع جغرافي، وثروة سياحية، وموارد طبيعية، ومساحات واسعة، وشباب قادر على العمل والإنتاج، يمكن أن تكون نموذجاً تنموياً حقيقياً في الجنوب.
المطلوب ليس أن تبقى معان محافظةً تنتظر المشروع، وإنما أن تصبح محافظةً تصنع المشروع ، وتجذب الإستثمار ، وتخلق فرص العمل ، وتستثمر في طاقاتها البشرية والمادية ، لما تملكه من موقع إستراتيجي ، وكرواتيا ومساحات شاسعة وشباب قادر على العمل والإنتاج .
وهذا ما يجعل توجيه جلالة الملك للحكومة بوضع التنمية والخدمات والبنية التحتية في صدارة الأولويات ، أمراً يتجاوز معان إلى كل محافظات المملكة .
الأردن لا يخاف … لكنه لا يستهين في منطقةٍ تعصف بها الأزمات ، وتتشابك فيها المصالح ، وتتغير فيها التحالفات .
جاءت رسالة جلالة الملك واضحةً ومطمئنة: الأردن يعرف حجم التحديات ، لكنه لا يعيش تحت رحمة الخوف .
الأردن لا يبحث عن المواجهة ، لكنه لا يسمح لأحد بأن يهدد أمنه .
والأردن لا يريد الحرب ، لكنه يعرف كيف يدافع عن نفسه .
والأردن لا يغلق أبوابه أمام المستقبل ، لكنه لا يسمح للفوضى الإقليمية بأن تعطل مسيرته الوطنية .
وهذه الثقة ليست مبنية على الأمن وحده ، وإنما على تماسك الشعب ، وصلابة مؤسسات الدولة ، وقوة القوات المسلحة والأجهزة الأمنية ، والمخابرات العامة ، ووعي الأردنيين ، وثبات القيادة الهاشمية .
إن قراءة كلمة جلالة الملك من معان يجب ألا تتوقف عند التصفيق لها أو إعادة نشرها ، وإنما يجب أن تتحول إلى برنامج عمل للحكومة والاحزاب وكل مؤسسات الدولةالأردنية ..
فحين يقول الملك إن الأولوية هي حماية مصلحة الوطن ، فهذه مسؤولية الجميع .
وحين يؤكد أن « بلد النشامى ما عليها خوف » ، فهذه رسالة ثقة بالمواطن الأردني ومؤسسات الدولة .
وحين يضع التنمية والخدمات والبنية التحتية ضمن الأولويات ، فهذه رسالة مباشرة للحكومة وأجهزة الدولة بأن المواطن هو محور العمل العام ، وأن تحسين حياته اليومية هو جوهر الإنجاز .
وهنا يجب أن ندرك أن المرحلة المقبلة لا تحتمل إدارةً تقليدية ، ولا بيروقراطيةً بطيئة ، ولا مشاريعَ بلا أثر ، ولا خططاً تبقى على الورق .
نحن بحاجة إلى دولةٍ تنفذ ، وإدارةٍ تتابع ، ومسؤولٍ يعمل في الميدان ، ومؤسسةٍ تقيس النتائج ، ومواطنٍ يشعر أن التنمية وصلت إلى بيته ، وشارعه ، ومدرسته ، ومستشفاه ، وفرصة عمل أبنائه .
لقد كانت رسالة جلالة الملك من معان رسالةَ ثقةٍ وأمانٍ وعمل .
ثقةٌ بأن الأردن قوي بأبنائه .
وأمانٌ بأن نشامى الجيش العربي والأجهزة الأمنية قادرون على حماية الوطن .
وعملٌ لأن التنمية والخدمات والبنية التحتية يجب أن تكون في صدارة الإهتمام الحكومي .
وهذه هي المعادلة التي يحتاجها الأردن في هذه المرحلة :
" نحمي الوطن بقوة جيشنا وأجهزتنا الأمنية ، ونبني الوطن بقوة التنمية ، ونحفظ الوطن بوحدة شعبه ، ونمضي إلى المستقبل بثقة القيادة الهاشمية " .
ومن معان التأريخ ، التي كانت ذات يوم بوابةً في مسيرة تأسيس الدولة ، تأتي اليوم رسالة جديدة تقول :
الأردن آمنٌ بإذن الله ، والأردنيون أوفياء لوطنهم وقيادتهم ، والنشامى قادرون على حماية وطنهم ، لكن حماية الوطن لا تكتمل إلا ببناء الإنسان ، وتحسين الخدمات ، وتوفير فرص العمل ، وتحقيق التنمية في كل محافظة وقرية ومدينة .
فالأردن الذي لا يخاف على أمنه ، يجب ألا يخاف على مستقبله .
والأردن الذي يحمي حدوده بالنشامى ، يجب أن يبني داخله بسواعد النشامى والنشميات .
وهذه هي الرسالة الملكية التي ينبغي أن تتحول من كلماتٍ في معان إلى إنجازاتٍ على إمتداد الوطن .




