رسالتي إلى المرأة...
لم أعرف أمّي يومًا إلا وهي تعطي... وكأنّ العطاء لغتها الأولى في الحبّ، أو ربّما لغتها الوحيدة.
تعطي من وقتها، من صحّتها، من راحتها، من عمرها... تعطي حتى الذوبان، بكفّين تقشّرتا من كثرة ما أعطتا.
ولم تكن أمّي استثناءً في المشهد. كنت أرى خالاتي ينحنين فوق التراب، يحفرنه بأيدٍ خضراء، حتى خُيّل إليّ أن الأشجار لم تنبت من الأرض، بل فرّخت بين أصابعهن.
هكذا عرفتُ نساء الجنوب...
نساءً لا يقفن خلف الرجل، بل إلى جانبه... إذا مال أسندنه، وإذا أثقلته الحياة حملن معه نصفها، وربما حملنها كلّها ومشين كأنّ شيئًا لم يكن.
هي الأمّ التي تربّي، وتعلّم، وتطبخ، وتزرع، وتداوي، وتنتظر... وتستيقظ قبل الفجر كأنّها تريد أن تسبق الشمس إلى إشراقتها، فتحمل النهار على كتفيها وتمضي.
هي الأخت التي تتنازل عن حقّها مرّةً تلو الأخرى، ثم تربّت على خسارتها قائلة:
«معلِيه... هيدا خيي، وخيي يعني أنا.»
وبعد كلّ هذا، ماذا يمكن أن تكون رسالتي إلى المرأة؟
هل أقول لها: أعطي؟
وكأنّ المرأة تحتاج إلى مَن يعلّمها العطاء!
بالتأكيد لا...
رسالتي ليست إلى الجنوبية وحدها، ولا إلى الشمالية أو الشرقية أو الغربية. هي إلى المرأة أينما كانت، وفي أيّ زمن وُلدت... إلى ذلك الكائن الرقيق الذي تتدفّق المشاعر في داخله كالينابيع، وقد يمتلئ حبًّا حتى الطوفان.
رسالتي إليكِ ألّا تعطي أكثر... بل أن تتعلّمي كيف تعطين.
فليس كلّ عطاءٍ خيرًا، وليس كلّ منعٍ قسوة.
وأحيانًا، حين يكون العطاء بلا وعي، يتحوّل الحبّ نفسه إلى أذى نرتكبه بأجمل النوايا.
حين تحمل الأمّ عن ابنها كلّ أثقاله، تقوى كتفاها هي، فيما تبقى كتفاه هشّتين أمام الحياة.
وحين ترفع من طريقه كلّ حجر، قد يصل إلى عمرٍ كبير ولا يعرف كيف يتجاوز عثرةً واحدة وحده.
وحين تخاف على ابنتها من كلّ وجع، فتغفر لها كلّ خطأ، وتبرّر لها كلّ تصرّف، وتخلط بين الاحتواء والتساهل، قد ترسلها إلى الحياة بقلبٍ مدلّل لا يعرف أنّ للحرية حدودًا، وللاختيار ثمنًا، وللخطأ مسؤولية.
وحين يصير التنازل عن حقوقها لإخوتها عادة، لا يصنع دائمًا إخوةً ممتنّين... فقد يصنع طامعين يعتادون الأخذ....
نحن النساء لا نحتاج إلى مزيدٍ من الدروس في التضحية.
ربما نحتاج إلى درسٍ أصعب بكثير:
أن نعرف متى نعطي، ومتى نتوقّف... متى نحتضن، ومتى نترك أبناءنا يمشون وحدهم... متى نمسح دمعة، ومتى نتركها تنزل لتعلّم صاحبها درسًا لن تعلّمه إيّاه ألف نصيحة.
أعطي، نعم... ولكن أعطي من قلبٍ واعٍ... أحبّي كثيرًا، ولكن ثقّفي حبّك... دلّلي، ولكن علّمي... سامحي، ولكن ضعي حدودًا... كوني أمًّا حنونًا، ولكن لا تجعلي حنانك عكّازًا يتّكئ عليه الآخرون كي لا يتعلّموا المشي.
العطاء غير الواعي قد يُفسد بقدر ما يُصلح، والحبّ وحده لا يكفي إن لم ترافقه الحكمة والبصيرة.
#صباح_الخير💞
#ناريمان_علوش




