القلعة نيوز: ماهر البطوش
ما يُكتب على الشاشة لا يبقى دائماً على الشاشة؛ فالكلمة الإلكترونية يمكن أن تتحول من مجرد منشور إلى مسؤولية قانونية. ولهذا فإن فهم المادة (15) من قانون الجرائم الإلكترونية رقم (17) لسنة 2023 لا يقتصر على معرفة العقوبة، وإنما يبدأ بفهم الفارق بين الأخبار الكاذبة التي تستهدف الأمن الوطني والسلم المجتمعي، وبين الذم والقدح والتحقير الذي يمس كرامة الإنسان واعتباره.
ويأتي هذا المقال ضمن سلسلة "قراءة تحليلية في قانون الجرائم الإلكترونية" التي تتناول مواد القانون مادة بعد أخرى، بهدف تبسيط النصوص وبيان ما يترتب عليها من مسؤولية، بلغة تجمع بين الدقة القانونية والوعي المجتمعي؛ لأن معرفة حدود المسؤولية قد تمنع الوقوع في الخطأ قبل أن يتحول إلى جريمة.
والفارق بين الجريمتين يبدأ من المصلحة التي يحميها القانون. فالأخبار الكاذبة التي تستهدف الأمن الوطني والسلم المجتمعي تتصل بمصلحة عامة ترتبط بأمن الدولة واستقرار المجتمع وتماسكه، بينما يتجه الذم والقدح والتحقير إلى حماية شرف الإنسان وكرامته واعتباره. ولذلك فإن اشتراك الفعلين في الوسيلة الإلكترونية لا يعني وحدة الطبيعة القانونية أو تطابق عناصر المسؤولية الجزائية فيهما.
وفي جريمة الأخبار الكاذبة، لا يكفي مجرد كون المعلومة غير صحيحة، وإنما يتعين أن تنطبق عليها الأوصاف والشروط التي حددها النص، ومن بينها استهداف الأمن الوطني أو السلم المجتمعي، مع توافر القصد الجرمي وفقاً لمقتضيات النص والقواعد العامة. أما الذم والقدح والتحقير فتدور المسؤولية فيه حول الفعل أو المحتوى الذي ينال من شخص المجني عليه وفقاً للأوصاف التي حددها القانون، مع توافر العناصر اللازمة لقيام الجريمة. وهنا تظهر أهمية التمييز بين الخبر غير الصحيح والخبر الكاذب، وبين النقد المشروع والفعل الذي يجاوز حدود المشروعية إلى الإساءة المجرّمة.
كما أن المادة (15/ب) وضعت حكماً خاصاً يتعلق بتحريك الدعوى، إذ جعلت ملاحقة الجرائم الواردة في الفقرة (أ) من اختصاص النيابة العامة دون الحاجة إلى شكوى أو ادعاء بالحق الشخصي إذا كانت موجهة إلى إحدى السلطات في الدولة أو الهيئات الرسمية أو الإدارات العامة. أما الحالات الأخرى فتخضع للقواعد القانونية الناظمة لتحريك الدعوى بحسب طبيعة المجني عليه والفعل المرتكب.
ومن المسائل التي تستحق التوقف عندها أن المشرع جمع في المادة نفسها بين جريمتين تختلفان في المحل والمصلحة المحمية والعناصر القانونية؛ فالأولى تتصل بحماية الأمن الوطني والسلم المجتمعي، بينما الثانية تتصل بحماية شرف الإنسان وكرامته واعتباره. ومن ثم فإن قيام المسؤولية الجزائية لا يُستمد من مجرد استخدام وسيلة إلكترونية، وإنما من توافر أركان الجريمة وشروطها التي حددها القانون.
وتثير المادة كذلك مسألة مهمة تتعلق بمصطلحي "الأمن الوطني" و"السلم المجتمعي" إذ لم يضع القانون تعريف محدد لهما ضمن أحكامه. وتزداد أهمية وضوح هذه المصطلحات في النصوص الجزائية تحديداً، لأن التجريم يجب أن يكون واضح الحدود، بما يمكّن المواطن من معرفة السلوك الذي يمكن أن يرتب عليه مسؤولية جزائية، ويضمن في الوقت ذاته أن يبقى تطبيق النص مرتبطاً بحدوده وغاياته دون توسع في التفسير.
ولا يعني الحديث عن ضرورة وضوح النص التشكيك في أهمية حماية الأمن الوطني والسلم المجتمعي؛ فهما من المصالح الأساسية التي تستحق الحماية القانونية. وإنما المقصود أن وضوح النص الجزائي يمثل ضمانة للمجتمع والفرد معاً؛ فالمجتمع يحتاج إلى حماية حقيقية من الأفعال التي تهدد أمنه واستقراره، والمواطن يحتاج في المقابل إلى معرفة واضحة لحدود ما يجرّمه القانون.
إن المادة (15) تضع أمام مستخدم الفضاء الرقمي مسؤولية واضحة في التعامل مع المحتوى الإلكتروني؛ فحرية التعبير لا تعني حرية نشر الكذب، وحق النقد لا يعني حق الإساءة، وإعادة النشر لا تعني بالضرورة غياب المسؤولية. فليس كل ما يصل إلى الهاتف حقيقة، وليس كل ما يُنشر أو يُعاد تداوله يخلو من الأثر القانوني. ولذلك فإن على مستخدم وسائل التواصل الاجتماعي أن يتحقق قبل النشر، وأن يميز بين المعلومة والرأي، وبين النقد والإهانة، وأن يتعامل بحذر مع أي محتوى يمكن أن يمس أمن المجتمع أو كرامة الآخرين.
وفي النهاية فإن المسؤولية القانونية لا تبدأ عند وصول الأمر إلى القضاء، بل تبدأ قبل ذلك بكثير؛ من اللحظة التي يقرر فيها الإنسان أن ينشر أو يعيد نشر ما وصل إليه. فالعالم الرقمي لا يمنح حصانة للكلمة، وحرية التعبير لا تعني إهدار كرامة الآخرين أو المساس بالمصالح التي يحميها القانون.
لذلك وقبل أن تنشر، توقف، وتحقق، وفكّر: هل ما تنقله صحيح؟ وهل يحق لك نشره؟ وما الأثر الذي قد يتركه على الآخرين أو على المجتمع؟ فلحظة من التفكير قبل النشر قد تجنب صاحبها تبعات قانونية طويلة، والكلمة المسؤولة لا تحمي صاحبها فحسب، بل تحمي حقوق الآخرين وتصون سلامة المجتمع، وتجعل من الفضاء الإلكتروني مساحة للتعبير الواعي، لا وسيلة للإساءة أو الإضرار.
[٥/٩, ١٠:٥٩ ص] +962 7 7223 1323: الشباب الأردني من الانتظار إلى صناعة القرار
هناك سؤال لا ينبغي أن يبقى مؤجلًا: متى نمنح الشباب الأردني الثقة التي نتحدث عنها منذ سنوات؟
لسنا أمام جيل يطلب مجاملة، ولا أمام شباب يبحث عن موقع لمجرد أن عمره صغير. نحن أمام جيل تعلّم وتخصص وأثبت نفسه وخاض تجارب جديدة، ويمتلك أدوات مختلفة للتعامل مع عالم تتسارع فيه التحولات وتتغير فيه أساليب الإدارة والعمل وصناعة القرار. ومع ذلك لا يزال حضور الشباب في كثير من مواقع المسؤولية والتأثير أقل من حجم ما يمتلكونه من علم وكفاءة وطموح، وأقل من الدور الذي ننتظر منهم أن يؤدوه في مستقبل الدولة.
لقد آن الأوان أن ننتقل من الحديث عن الشباب باعتبارهم "بناة المستقبل" إلى التعامل معهم باعتبارهم شركاء في صناعة الحاضر؛ فالمستقبل لا يبدأ بعد سنوات طويلة، وإنما يُصنع اليوم، في المؤسسات، وفي مواقع المسؤولية، وفي دوائر صناعة السياسات والقرارات.
وهذه ليست فكرة طارئة أو مطلب وليد اللحظة؛ فقد حملت الأوراق النقاشية لجلالة الملك عبد الله الثاني بن الحسين رؤية واضحة لدولة تقوم على المشاركة والمواطنة الفاعلة، وتوسيع دائرة المشاركة في الحياة العامة وصناعة القرار، كما أكد جلالته في مناسبات عديدة أن الشباب قوة الأردن الحقيقية، وأنهم ركيزة أساسية في بناء مستقبله.
ومن هنا يبرز السؤال الأهم: إذا كان الشباب هم القوة التي سيُبنى عليها المستقبل، فلماذا لا نراهم بما يكفي في المواقع التي يُصنع فيها هذا المستقبل؟
إن تمكين الشباب لا يكون بمجرد دعوتهم إلى المشاركة السياسية، أو إقامة المبادرات والبرامج، أو الاستماع إلى أفكارهم في المؤتمرات والندوات. التمكين الحقيقي يبدأ عندما تتحول الثقة إلى مسؤولية، والطموح إلى فرصة، والكفاءة إلى طريق واضح للوصول. فالشاب الكفؤ لا يحتاج إلى أن يُقال له إنه مستقبل الأردن؛ بل يحتاج إلى أن يُمنح الفرصة ليكون جزءاً من صناعة هذا المستقبل.
وعندما نتأمل المشهد في مواقع المسؤولية وصناعة القرار، فإن السؤال ليس عن الأشخاص أو أسمائهم أو تاريخهم، وإنما عن المساحة التي نتركها للأجيال الجديدة كي تثبت ذاتها وتشارك في بناء الدولة. فهل يعقل أن نتحدث عن تمكين الشباب، بينما تبقى كفاءات شابة كثيرة بعيدة عن دوائر التأثير، في وطن يزخر بالأكاديميين والخبراء والقانونيين والاقتصاديين والمهندسين والمختصين في التكنولوجيا والإدارة وريادة الأعمال؟
إن القضية ليست في استبدال جيل بجيل، ولا في إقصاء أصحاب الخبرة؛ فالخبرة الوطنية رصيد لا غنى عنه، وتجارب الأجيال السابقة جزء من قوة الأردن. لكن الدولة الحديثة لا تضع الخبرة في مواجهة الشباب، بل تجمع بينهما؛ خبرة الأمس إلى جانب طاقة اليوم، والحكمة إلى جانب الطموح، وتجربة من سبقوا إلى جانب أفكار من سيحملون الراية.
ولهذا فإن مفهوم الخبرة يحتاج إلى قراءة أكثر اتساعاً؛ فالخبرة ليست عدد السنوات فقط، وإنما علم وممارسة وإنجاز وقدرة على قراءة المتغيرات وصناعة الحلول. ومن حق الكفاءات الشابة أن تدخل ميدان المنافسة، وأن تُختبر، وأن تُمنح الثقة على أساس الجدارة والاستحقاق.
والأردن لا يعاني من نقص في العقول. لدينا شباب درسوا في جامعات مرموقة، واكتسبوا خبرات دولية، وأثبتوا نجاحهم في القانون والاقتصاد والإدارة والتكنولوجيا والبحث العلمي وريادة الأعمال وغيرها. المطلوب ليس البحث عن جيل جديد، بل أن نبحث داخل الجيل الجديد.
وإذا كانت الكفاءة هي المعيار، فيجب أن تكون المعايير واضحة وعادلة، وإذا كان التحديث هدفاً، فلا بد أن يكون تجديد القيادات وإتاحة المجال للكفاءات الجديدة جزءاً حقيقياً منه، وإذا كانت المشاركة قيمة وطنية، فيجب أن تتجاوز مشاركة الشباب حدود الخطاب إلى الحضور الفعلي حيث تُصنع السياسات وتُتخذ القرارات.
إن تمكين الشباب ليس شعاراً يُرفع، بل ثقة تُمنح ومسؤولية تُحمّل وفرصة تُتاح. والأردن لا يحتاج إلى استبدال جيل بجيل، وإنما إلى دولة تتسع لخبرة من سبقوا وطاقة من سيحملون الراية. وإذا كان جلالة الملك قد وضع الشباب في قلب مشروع التحديث، فإن منطق المرحلة يقتضي أن نراهم في قلب صناعة القرار أيضاً؛ فهؤلاء ليسوا مستقبل الأردن فحسب، بل جزء من حاضره، والمستقبل الذي نتحدث عنه يقف أمامنا اليوم في شباب يمتلك العلم والكفاءة والطموح.




