رجا طلب
وبحسب شهادتها التى نشرت في صحيفة معاريف في الرابع من الشهر الجاري، فإن أول ما لفت نظرها فيه كان الشعور المفرط لديه بالتفوق فهي لم ترَ فيه مجرد سياسي طموح، بل رجلاً يعتقد أنه أذكى وأقوى من الآخرين، وأن خصومه مجرد «موظفين» وأشخاص صغار لا يستحقون كثيراً من الاعتبار والاحترام.
بار لا تعتبر ذلك غرورا شخصيا فحسب، بل تراه أمرا أعمق من ذلك، تقول «لقد كانت هذه هي طريقة فهمه للعالم»، حيث كان نتنياهو يرى نفسه متفوقاً على الآخرين، وكان يعتقد أنه قادر على التأثير فيهم والسيطرة عليهم، وهنا يكمن مفتاح شخصيته السياسية؛ فنتنياهو لا يريد فقط أن يفوز، يريد أن يكون هو من يحدد قواعد اللعبة.
منذ بدايات مسيرة حياته السياسية أدرك نتنياهو أهمية الإعلام بصورة سبقت كثيراً من منافسيه، فهو لم يتعامل مع الإعلام كوسيلة لنقل مواقفه، بل كساحة صراع سياسي قائمة بذاتها، كان يريد أن يحدد موضوع النقاش وإيقاعه، وأن يكون هو قائد القصة لا متلقياً لها.
وتروي بار في شهدتها في معاريف تحت عنوان (المقابلة الكاملة مع د. روث بار، عشيقة نتنياهو في قضية التسجيل الساخن) تروى واقعة شديدة الدلالة تقول فيها «كان نتنياهو في مزاج سيئ، ثم وقعت عيناه على صورة له في إحدى الصحف، فتغير وجهه وأشرق بالرضا»، وتقول بالنسبة لي لم يكن ذلك تمثيلاً، بل انعكاساً لحاجة عميقة لديه في الحضور والتأثير والظهور، وهنا تتضح إحدى أهم خصائصه: الحاجة إلى أن يكون حاضراً في وعي الجمهور، لكن الأخطر في شهادتها هو ما يتعلق بطريقة التعامل مع الخصوم، فقد كشفت عن أنها أعدت لفريقه وثائق حول تعزيز الكاريزما، تقوم على مخاطبة حاجات الجمهور العاطفية، وإبراز تفوق «نحن» مقابل «دونية هم»، وفي إحدى المرات، كما تقول بار، طلب نتنياهو البحث عن شخص قادر على صياغة «هجوم لفظي مدمر» ضد منافسيه.
من هنا تربط بار بين نتنياهو الشاب وما تسميه اليوم «آلة السم»، أي المنظومة السياسية والاعلامية التى تستهدف الخصم بإضعاف صورته وتشويهها وإثارة الخوف منه قبل هزيمته انتخابيا، وهذا يعني أن هجوم نتنياهو على خصومه، ليس تكتيكاً طارئاً بل هو جزء من نهج سياسي وسيكولوجي بدا مبكراً لديه، والمفارقة أن بار ترى أن أعظم نقاط قوته هي جذب الانتباه ورسم صورة القائد القوي، بينما تكمن نقطة ضعفه في بناء: العلاقات، الثقة، والتعاطف، والتواصل الإنساني، وهذا يفسر جانبا مهماً من تجربته، فهو أكثر براعة في مخاطبة الجمهور من بناء التوافق معه، وأكثر قوة في إدارة الخوف من إدارة الثقة، وأكثر قدرة على صناعة الخصم من صناعة الشراكة. أما الأمن والذي هو ملعبه المفضل، سرعان ما يسعى لاستثمار أي قضية مهما كانت صغيرة وتافهة مرتبطة بالتهديد والدفاع والقوة ليحولها إلى قضية عظمى وقومية، فهو يمتلك قوة استثنائية في «سحر» الجمهور أو خداعه أو «تجشيشه» في مثل هذه القضايا، غير أن السابع من أكتوبر أحدث شرخاً في هذه الشخصية، فقد أصاب السابع من اكتوبر صورته التي بناها طوال عقود بمقتل إلا وهي صورة القائد القادر على حماية إسرائيل أو صورة «ملك إسرائيل» وهو اللقب المفضل لديه، ولهذا لم يعد السؤال اليوم: هل يستطيع نتنياهو إدارة الحرب الحالية؟ بل أصبح: هل ما زال الإسرائيليون يرونه الرجل الأكثر قدرة على حمايتهم؟
أما الإعلام، فيبدو في شهادة بار أكثر من هاجس سياسي ، إنه جزء من فلسفته في ادارة الحكم ، فقد أدرك مبكراً أن من يسيطر على ما يراه الجمهور يستطيع إلى حد بعيد التأثير على نمط تفكيره ، ولهذا يمكن القول إن نتنياهو لم يولد "نتنياهو" الذي نراه اليوم ، فنتنياهو صنع نتنياهو جديد ، راقب، اختبر، تعلم، عدّل، وأعاد بناء صورته مرة بعد أخرى، وهذه ربما أعظم ميزاته وأكبر مخاوف خصومه منه في الوقت نفسه ، لكنه ورغم " فائض الدهاء " لديه لم يدرك ان البقاء السياسي الطويل له ثمن ، فالرجل الذي بنى مشروعه على التفوق، والسيطرة ، والهيمنة الإعلامية، يجد نفسه اليوم أمام مجتمع إسرائيلي شديد الانقسام، وأمام أزمة ثقة أصابت واحدة من أهم ركائز صورته ، فشهادة روث بار تؤكد ان نتنياهو لم يكن مجرد سياسي يجيد استخدام الخوف والانقسام؛ بل كان من أوائل من أدركوا مفاعيل قوتهما في السياسة الإسرائيلية الحديثة ، ولهذا فإن قصة نتنياهو ليست فقط قصة رجل أراد الوصول إلى القمة والجلوس فيها بلا سقف زمني ، بل قصة رجل أراد ايضا أن يبقى فوق الجميع، وأن يظل هو من يحدد للآخرين ما الذي يجب أن يخافوا منه، ومن الذي يجب أن يثقوا به، ومن الذي يجب أن يكرهوه ، وربما هنا تحديداً تكمن المعركة الحقيقية التى يخوضها نتنياهو فهي معركة على مستقبل إسرائيل: بين سياسة يقودها تقوم على إدارة الخوف، وسياسة لمعارضيه تحاول استعادة الثقة.
موقع الغد
وبحسب شهادتها التى نشرت في صحيفة معاريف في الرابع من الشهر الجاري، فإن أول ما لفت نظرها فيه كان الشعور المفرط لديه بالتفوق فهي لم ترَ فيه مجرد سياسي طموح، بل رجلاً يعتقد أنه أذكى وأقوى من الآخرين، وأن خصومه مجرد «موظفين» وأشخاص صغار لا يستحقون كثيراً من الاعتبار والاحترام.
بار لا تعتبر ذلك غرورا شخصيا فحسب، بل تراه أمرا أعمق من ذلك، تقول «لقد كانت هذه هي طريقة فهمه للعالم»، حيث كان نتنياهو يرى نفسه متفوقاً على الآخرين، وكان يعتقد أنه قادر على التأثير فيهم والسيطرة عليهم، وهنا يكمن مفتاح شخصيته السياسية؛ فنتنياهو لا يريد فقط أن يفوز، يريد أن يكون هو من يحدد قواعد اللعبة.
منذ بدايات مسيرة حياته السياسية أدرك نتنياهو أهمية الإعلام بصورة سبقت كثيراً من منافسيه، فهو لم يتعامل مع الإعلام كوسيلة لنقل مواقفه، بل كساحة صراع سياسي قائمة بذاتها، كان يريد أن يحدد موضوع النقاش وإيقاعه، وأن يكون هو قائد القصة لا متلقياً لها.
وتروي بار في شهدتها في معاريف تحت عنوان (المقابلة الكاملة مع د. روث بار، عشيقة نتنياهو في قضية التسجيل الساخن) تروى واقعة شديدة الدلالة تقول فيها «كان نتنياهو في مزاج سيئ، ثم وقعت عيناه على صورة له في إحدى الصحف، فتغير وجهه وأشرق بالرضا»، وتقول بالنسبة لي لم يكن ذلك تمثيلاً، بل انعكاساً لحاجة عميقة لديه في الحضور والتأثير والظهور، وهنا تتضح إحدى أهم خصائصه: الحاجة إلى أن يكون حاضراً في وعي الجمهور، لكن الأخطر في شهادتها هو ما يتعلق بطريقة التعامل مع الخصوم، فقد كشفت عن أنها أعدت لفريقه وثائق حول تعزيز الكاريزما، تقوم على مخاطبة حاجات الجمهور العاطفية، وإبراز تفوق «نحن» مقابل «دونية هم»، وفي إحدى المرات، كما تقول بار، طلب نتنياهو البحث عن شخص قادر على صياغة «هجوم لفظي مدمر» ضد منافسيه.
من هنا تربط بار بين نتنياهو الشاب وما تسميه اليوم «آلة السم»، أي المنظومة السياسية والاعلامية التى تستهدف الخصم بإضعاف صورته وتشويهها وإثارة الخوف منه قبل هزيمته انتخابيا، وهذا يعني أن هجوم نتنياهو على خصومه، ليس تكتيكاً طارئاً بل هو جزء من نهج سياسي وسيكولوجي بدا مبكراً لديه، والمفارقة أن بار ترى أن أعظم نقاط قوته هي جذب الانتباه ورسم صورة القائد القوي، بينما تكمن نقطة ضعفه في بناء: العلاقات، الثقة، والتعاطف، والتواصل الإنساني، وهذا يفسر جانبا مهماً من تجربته، فهو أكثر براعة في مخاطبة الجمهور من بناء التوافق معه، وأكثر قوة في إدارة الخوف من إدارة الثقة، وأكثر قدرة على صناعة الخصم من صناعة الشراكة. أما الأمن والذي هو ملعبه المفضل، سرعان ما يسعى لاستثمار أي قضية مهما كانت صغيرة وتافهة مرتبطة بالتهديد والدفاع والقوة ليحولها إلى قضية عظمى وقومية، فهو يمتلك قوة استثنائية في «سحر» الجمهور أو خداعه أو «تجشيشه» في مثل هذه القضايا، غير أن السابع من أكتوبر أحدث شرخاً في هذه الشخصية، فقد أصاب السابع من اكتوبر صورته التي بناها طوال عقود بمقتل إلا وهي صورة القائد القادر على حماية إسرائيل أو صورة «ملك إسرائيل» وهو اللقب المفضل لديه، ولهذا لم يعد السؤال اليوم: هل يستطيع نتنياهو إدارة الحرب الحالية؟ بل أصبح: هل ما زال الإسرائيليون يرونه الرجل الأكثر قدرة على حمايتهم؟
أما الإعلام، فيبدو في شهادة بار أكثر من هاجس سياسي ، إنه جزء من فلسفته في ادارة الحكم ، فقد أدرك مبكراً أن من يسيطر على ما يراه الجمهور يستطيع إلى حد بعيد التأثير على نمط تفكيره ، ولهذا يمكن القول إن نتنياهو لم يولد "نتنياهو" الذي نراه اليوم ، فنتنياهو صنع نتنياهو جديد ، راقب، اختبر، تعلم، عدّل، وأعاد بناء صورته مرة بعد أخرى، وهذه ربما أعظم ميزاته وأكبر مخاوف خصومه منه في الوقت نفسه ، لكنه ورغم " فائض الدهاء " لديه لم يدرك ان البقاء السياسي الطويل له ثمن ، فالرجل الذي بنى مشروعه على التفوق، والسيطرة ، والهيمنة الإعلامية، يجد نفسه اليوم أمام مجتمع إسرائيلي شديد الانقسام، وأمام أزمة ثقة أصابت واحدة من أهم ركائز صورته ، فشهادة روث بار تؤكد ان نتنياهو لم يكن مجرد سياسي يجيد استخدام الخوف والانقسام؛ بل كان من أوائل من أدركوا مفاعيل قوتهما في السياسة الإسرائيلية الحديثة ، ولهذا فإن قصة نتنياهو ليست فقط قصة رجل أراد الوصول إلى القمة والجلوس فيها بلا سقف زمني ، بل قصة رجل أراد ايضا أن يبقى فوق الجميع، وأن يظل هو من يحدد للآخرين ما الذي يجب أن يخافوا منه، ومن الذي يجب أن يثقوا به، ومن الذي يجب أن يكرهوه ، وربما هنا تحديداً تكمن المعركة الحقيقية التى يخوضها نتنياهو فهي معركة على مستقبل إسرائيل: بين سياسة يقودها تقوم على إدارة الخوف، وسياسة لمعارضيه تحاول استعادة الثقة.
موقع الغد




