القلعة نيوز - بقلم: أستاذ مشارك محمد حرب بشير اللصاصمة
حين يحاول الباحث فهم قدرة إسرائيل على الحفاظ على حضور سياسي وعسكري ودبلوماسي مؤثر في منطقة شديدة التعقيد، فإن اختزال المسألة في التفوق العسكري أو الدعم الخارجي وحده يبقى قراءة ناقصة.
فالقوة التي تمنح دولة ما قدرة واسعة على الحركة لا تولد من عنصر منفرد، وإنما من منظومة متراكمة تتداخل فيها المؤسسات، والاقتصاد، والتكنولوجيا، والبحث العلمي، والقوة العسكرية، والتحالفات الدولية، والدبلوماسية، والإعلام، والقدرة على إدارة الأزمات.
ومن هذه الزاوية يمكن فهم جانب مهم من قدرة إسرائيل على الاستمرار في سياساتها، وعلى التعامل مع الضغوط الدولية، وعلى المحافظة على هامش واسع من الحركة حتى عندما تواجه انتقادات وقرارات ومواقف أممية متكررة.
إن أول مقومات هذه القوة يتمثل في بناء مؤسسات دولة قادرة على العمل في الظروف الطبيعية والاستثنائية، وعلى تعبئة الموارد واتخاذ القرار وإدارة الأزمات. فالقوة في العلاقات الدولية لا تقاس بمساحة الدولة أو عدد سكانها وحدهما، وإنما بقدرة المؤسسات على تحويل الموارد المتاحة إلى سياسات وقدرات قابلة للاستمرار. وتظهر البيانات الاقتصادية الحديثة أن الناتج المحلي الإجمالي الإسرائيلي بلغ نحو 610.8 مليار دولار عام 2025، مع تجاوز عدد السكان عشرة ملايين نسمة، وهو ما يوفر قاعدة اقتصادية مهمة لتمويل قطاعات الأمن والتكنولوجيا والبحث والتطوير والخدمات العامة.
وفي قلب هذه المنظومة تأتي القوة العسكرية، التي لا يمكن فصلها عن البنية الاقتصادية والتكنولوجية والعلمية للدولة.
فقد بلغ الإنفاق العسكري الإسرائيلي نحو 48.3 مليار دولار عام 2025، بما يعادل نحو 7.8% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو مستوى مرتفع للغاية وفقا للمقاييس الدولية.
والأهم من حجم الإنفاق نفسه أن المؤسسة العسكرية ترتبط بمنظومة واسعة من الصناعات الدفاعية ومراكز البحث والتطوير والجامعات وشركات التكنولوجيا، الأمر الذي يسمح بتحويل المعرفة العلمية إلى قدرات أمنية وعسكرية متقدمة.
وهنا تتضح إحدى أهم خصائص القوة الإسرائيلية: القدرة على دمج التكنولوجيا بالأمن.
فالتكنولوجيا لم تعد قطاعا اقتصاديا منفصلا عن منظومة القوة، بل أصبحت جزءا من بنيتها الأساسية.
وقد تطورت قطاعات البرمجيات والأمن السيبراني والذكاء الاصطناعي والتقنيات الدفاعية والبحث والتطوير، بما جعل المعرفة التقنية موردا استراتيجيا يتقاطع مع الاقتصاد والدفاع والاتصالات. وفي عصر تتزايد فيه أهمية البيانات والأمن السيبراني والأنظمة الذكية، يصبح التفوق المعرفي أحد أشكال القوة التي لا تقل أهمية عن امتلاك السلاح التقليدي.
لكن الاقتصاد والتكنولوجيا لا يعملان في فراغ؛ فهناك عنصر آخر بالغ الأهمية يتمثل في رأس المال البشري.
فالدولة التي تمتلك منظومة متقدمة من التعليم العالي والبحث العلمي والتخصصات الهندسية والتقنية تكون أكثر قدرة على إنتاج المعرفة وتطوير الصناعات وبناء الكفاءات.
وعندما تتصل الجامعات ومراكز البحث بالقطاع الخاص والمؤسسات الأمنية والصناعات المتقدمة، تنتقل المعرفة من المختبر إلى السوق، ومن البحث العلمي إلى التكنولوجيا، ومن التكنولوجيا إلى قدرة اقتصادية واستراتيجية.
ويضاف إلى ذلك عامل العلاقات والتحالفات الدولية، وفي مقدمتها العلاقة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة.
فهذه العلاقة تمثل أحد المحاور المهمة في فهم موقع إسرائيل الدولي، لما تتضمنه من أبعاد سياسية وعسكرية واقتصادية ودبلوماسية.
كما أن شبكة العلاقات الدولية التي بنتها إسرائيل على مدى عقود وفرت لها قنوات متعددة للتأثير والتفاوض وإدارة الأزمات، وهو ما يعني أن القوة الدولية لا تقاس فقط بما تمتلكه الدولة داخل حدودها، وإنما أيضا بما تستطيع حشده من علاقات وشراكات ومصالح خارجها.
وهنا تبرز الدبلوماسية باعتبارها مكونا من مكونات القوة، لا مجرد أداة بروتوكولية.
فالدولة المؤثرة لا تكتفي بطرح مواقفها، وإنما تعمل على بناء شبكات من المصالح والتحالفات، والتأثير في مراكز القرار، وتقديم روايتها السياسية، وإدارة الخلافات مع الحلفاء والخصوم.
ومن ثم فإن جزءا من قدرة إسرائيل على مواجهة الضغوط الدولية يرتبط بقدرتها على تحويل علاقاتها الاستراتيجية إلى مساحة سياسية للمناورة.
وفي المقابل، فإن محدودية قدرة المجتمع الدولي على فرض بعض قراراته لا تعني غياب القانون الدولي، ولا تعني أن قرارات الأمم المتحدة بلا قيمة.
بل تكشف عن مشكلة أعمق في بنية النظام الدولي، تتمثل في الفجوة بين وجود القاعدة القانونية وبين امتلاك الأدوات السياسية القادرة على إنفاذها.
وقد أكد مجلس الأمن في القرار 2334 أن المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ عام 1967، بما فيها القدس الشرقية، لا تتمتع بشرعية قانونية، وأنها تشكل عقبة أمام حل الدولتين والسلام العادل والدائم والشامل.
وهنا تظهر إحدى أكثر مفارقات النظام الدولي تعقيدا: قد تكون القاعدة القانونية واضحة، وقد يصدر القرار الدولي، وقد تتوالى التقارير والمواقف، لكن التنفيذ يظل مرتبطا بموازين القوى وآليات صنع القرار داخل المؤسسات الدولية، ولا سيما مجلس الأمن، وبمواقف الدول الكبرى ومصالحها الاستراتيجية.
ولذلك فإن فهم قدرة إسرائيل على تحدي الضغوط الدولية يتطلب فهم النظام الدولي نفسه، وليس دراسة إسرائيل بمعزل عنه.
كما أن القوة الاقتصادية تؤدي دورا محوريا في هذه المعادلة.
فاقتصاد قوي يمنح الدولة قدرة أكبر على تمويل البحث العلمي، وتطوير البنية التحتية، ودعم الصناعات المتقدمة، وتحمل تكاليف الإنفاق العسكري، والتعامل مع الصدمات والأزمات.
ومن هنا فإن القوة الاقتصادية ليست مجرد مؤشر مالي، بل قاعدة تسمح بتمويل بقية عناصر القوة. وكلما اتسعت قدرة الاقتصاد على إنتاج المعرفة والتكنولوجيا والقيمة المضافة، أصبح أكثر قدرة على دعم القرار السياسي والاستراتيجي.
ولا يمكن إغفال الإعلام والاتصال وصناعة الرواية. فالصراع في العصر الحديث لم يعد يجري في ساحات السياسة والحرب فقط، وإنما أيضا في المجال الرقمي والإعلامي.
فكل طرف يسعى إلى تفسير الأحداث، وتحديد المفردات المستخدمة في وصفها، والتأثير في الرأي العام، والوصول إلى مراكز صنع القرار.
ولذلك أصبحت القدرة على إدارة الصورة والرواية جزءا من القوة الناعمة، وإن كانت هذه القوة تواجه في الوقت نفسه تحديات متزايدة مع اتساع مصادر المعلومات وتعدد المنصات وارتفاع قدرة المجتمعات على الوصول إلى روايات مختلفة.
ومع ذلك، فإن قراءة مقومات القوة الإسرائيلية بصورة علمية لا تعني اعتبار هذه القوة مطلقة أو غير قابلة للتراجع. فالقوة العسكرية لا تحل وحدها المشكلات السياسية، والتفوق التكنولوجي لا ينهي الصراعات التاريخية، والقدرة الاقتصادية لا تلغي الانقسامات الاجتماعية والسياسية، والتحالفات الدولية قد تتغير بتغير المصالح والظروف.
كما أن استمرار الصراع يفرض على أي دولة كلفة سياسية وأمنية واقتصادية، حتى عندما تمتلك قدرات كبيرة.
ولهذا فإن السؤال الأكثر عمقا ليس فقط: كيف استطاعت إسرائيل بناء هذه المنظومة من القوة؟
وإنما أيضا: ما الذي يجعل القوة قابلة للاستمرار؟
والجواب يكمن في التكامل بين عناصرها.
فالجيش يحتاج إلى اقتصاد، والاقتصاد يحتاج إلى المعرفة، والمعرفة تحتاج إلى تعليم وبحث علمي، والتكنولوجيا تحتاج إلى رأس مال بشري، والتحالفات تحتاج إلى دبلوماسية، والدبلوماسية تحتاج إلى مؤسسات قادرة على إدارة المصالح.
وعندما تعمل هذه العناصر في اتجاه متقارب، تتحول القوة من مجموعة قدرات منفصلة إلى منظومة نفوذ متماسكة.
ومن هنا فإن دراسة التجربة الإسرائيلية لا ينبغي أن تنحصر في توصيف القوة أو إدانتها، بل ينبغي أن تتحول إلى دراسة استراتيجية لعناصر القوة وكيفية تراكمها. ففهم الخصم لا يعني تبرير سياساته، كما أن تحليل قدراته لا يعني التسليم بمشروعية ممارساته.
وإنما يعني امتلاك القدرة العلمية على قراءة الواقع كما هو، وفهم مصادر النفوذ، ومعرفة نقاط القوة والضعف، وتحليل البيئة الدولية التي تتحرك داخلها الأطراف المختلفة.
والأهم من ذلك أن استمرار قدرة أي دولة على مقاومة الضغوط الدولية لا ينبغي أن يقود إلى الاعتقاد بأن القوة يمكن أن تحل محل الشرعية إلى الأبد.
فالتاريخ السياسي يبين أن القوة تستطيع فرض وقائع، لكنها لا تضمن وحدها قبولها، وأن السيطرة الأمنية لا تنتج بالضرورة استقرارا سياسيا مستداما، وأن التفوق العسكري لا يقدم حلا تلقائيا للصراعات التي تتصل بالحقوق والهوية والأرض والعدالة.
ومن هذه الزاوية، فإن القضية الأوسع لا تتعلق بإسرائيل وحدها، بل بمستقبل النظام الدولي نفسه: هل يستطيع المجتمع الدولي أن يطبق قواعد القانون الدولي بصورة متسقة على مختلف الدول؟
وهل تستطيع المؤسسات الدولية تحويل القرارات والمبادئ إلى آليات تنفيذ فعالة؟
وهل يمكن أن تصبح الشرعية الدولية أقوى من منطق الاصطفافات والمصالح عندما تتعارض معها؟
إن الإجابة عن هذه الأسئلة هي التي تحدد المعنى الحقيقي للتحدي الذي تمثله الحالة الإسرائيلية للنظام الدولي.
فالمسألة ليست أن دولة ما تمتلك جيشا قويا أو اقتصادا متقدما أو تحالفات واسعة؛ فهذه عناصر طبيعية من عناصر قوة الدول. المسألة الأعمق هي ماذا يحدث عندما تتراكم هذه العناصر في دولة تمتلك قدرة كبيرة على المناورة، بينما تبدو آليات النظام الدولي عاجزة أو محدودة أمام إنفاذ بعض قواعده.
ولهذا فإن قراءة مقومات القوة الإسرائيلية يجب أن تكون دعوة إلى بناء معرفة عربية أكثر عمقا بمصادر القوة في العالم المعاصر: قوة المؤسسات، وقوة الاقتصاد، وقوة العلم، وقوة التكنولوجيا، وقوة الإنسان، وقوة التحالفات، وقوة الدبلوماسية، وقوة القانون أيضا. فمواجهة اختلالات موازين القوى لا تبدأ بالشعارات، وإنما تبدأ بفهم أسباب الاختلال، وبناء عناصر القوة المقابلة، وتطوير المؤسسات القادرة على حماية المصالح الوطنية ضمن قواعد القانون الدولي.
وفي النهاية، فإن السؤال الحقيقي ليس كيف تستطيع إسرائيل أن تتحدى العالم أو الأمم المتحدة فحسب، بل لماذا يملك بعض الفاعلين الدوليين قدرة أكبر على تحويل القوة إلى نفوذ، بينما تعجز المؤسسات الدولية أحيانا عن تحويل الشرعية القانونية إلى فعل سياسي مؤثر؟
إن الإجابة عن هذا السؤال تفتح الباب أمام قراءة أكثر واقعية وعمقا للنظام الدولي، وتكشف أن القوة ليست سلاحا فقط، وليست اقتصادا فقط، وليست تحالفا فقط؛ إنها منظومة متكاملة من المعرفة والمؤسسات والموارد والعلاقات والقدرة على تحويل الإمكانات إلى نفوذ.
وهنا تكمن الخلاصة الأهم: القوة التي لا تستند إلى معرفة ومؤسسات واقتصاد وتحالفات قد تكون مؤقتة، والقانون الذي لا يمتلك أدوات إنفاذ قد يبقى محدود الأثر؛ أما التحدي الحقيقي أمام المجتمع الدولي فهو بناء نظام تكون فيه القوة خادمة للشرعية، لا بديلا عنها، وتكون فيه قواعد القانون الدولي قابلة للتطبيق على الجميع دون استثناء.




