القلعة نيوز - منعت القوات المسلحة الأردنية – الجيش العربي، عبر قوات حرس الحدود، 22 محاولة تهريب مخدرات خلال الثلاثين يوما الأخيرة على واجهاتها العسكرية الشمالية والجنوبية والشرقية من المملكة، وألقت القبض على 6 متسللين من جنسيات مختلفة حاولوا عبور الحدود بطريقة غير مشروعة، كما اعترضت 262 صاروخا وطائرة مسيرة عن بعد محملة بالمتفجرات أطلقتها إيران باتجاه أهداف حيوية في الأردن.
وفي سياق حرب المخدرات والتسلل والاعتداءات الإيرانية، فقد تحولت هذه الهجمات التي شملت 262 صاروخا ومسيرة إلى 478 مقذوفا وشظية، تسببت بأضرار مادية وبشرية، إلا أن جميعها كانت محدودة، حيث كانت القوات المسلحة والأجهزة الأمنية لها بالمرصاد، وأوقفت خطرها، وما تزال تواصل العمل ليلا ونهارا دفاعا عن الأردن.
ووصف متخصصون لوكالة الأنباء الأردنية (بترا) هذا الجهد النوعي للقوات المسلحة بأنه نتيجة طبيعية للجهود التي بذلت لتطوير هذه القوات منذ نشأتها وحتى اليوم، فرغم التحديات والحرب الإقليمية المشتعلة في المنطقة، لم تغب عيون حرس الحدود عن تجار المخدرات والمتسللين، وأفشلت جميع مخططاتهم.
ورصدت (بترا) مواجهة القوات المسلحة الأردنية مع تجار المخدرات عبر الطائرات المسيرة ومحاولات التسلل، بالتزامن مع مراقبة الأجواء الأردنية وحماية المصالح الوطنية العليا، في ظل الاعتداءات الإيرانية المتكررة على دول المنطقة غير المنخرطة في الحرب، وتبين أن تجار المخدرات حاولوا أربع مرات خلال يوم واحد إدخال موادهم المخدرة إلى الأردن.
واستخدم تجار المخدرات طائرات موجهة عن بعد وبالونات متحكما بها آليا، كما حاول متسللون عبور الحدود، إلا أن جميع هذه المحاولات كانت تحت سيطرة قوات حرس الحدود، ولم تنجح أي منها في استغلال الأحداث الإقليمية لاستهداف الأردن بحرب المخدرات أو حتى إشغال الأجهزة الأمنية.
وأحبطت المنطقة العسكرية الشرقية 16 محاولة لتهريب كميات كبيرة من المواد المخدرة محملة بواسطة بالونات موجهة إلكترونيا، كما أحبطت المنطقة العسكرية الشمالية محاولة تسلل ستة أشخاص على واجهتها الشمالية، أثناء محاولتهم اجتياز الحدود بطريقة غير مشروعة.
وقال الخبير الأمني والاستراتيجي الدكتور بشير الدعجة، إنه، وبعد شهر كامل على اندلاع الحرب في الإقليم، لم يعد ممكنا قراءة ما قامت به القوات المسلحة الأردنية بوصفه استجابة ظرفية أو إجراءات متفرقة، بل كمنظومة عمل متكاملة أعادت هندسة الأمن الوطني تحت ضغط مركب وغير مسبوق، جمع بين تهديدات عسكرية تقليدية وأخرى غير تقليدية، من تهريب مخدرات منظم ومحاولات تسلل، إلى مسيرات وصواريخ عابرة للأجواء، وصولا إلى حرب نفسية تستهدف ثقة المواطن واستقراره، وأن ما جرى على الأرض خلال هذا الشهر، يكشف أن الدولة لم تتحرك برد الفعل، بل بعقلية استباقية أعادت ضبط المشهد بالكامل وفرضت قواعد اشتباك جديدة على كل من حاول اختبارها.
وبين أنه، في ملف تهريب المخدرات، لم يعد الأمر مجرد عمليات ضبط حدودية كما في السابق، بل تحول إلى مواجهة مفتوحة مع شبكات تستخدم تكتيكات شبه عسكرية من حيث التوقيت والتعدد والتشتيت، واستخدام وسائل متطورة كالمسيرات والإسناد الحركي السريع، وأن القراءة الدقيقة لما حدث تشير إلى تحول نوعي في الأداء الأردني، حيث انتقلت القوات المسلحة من منطق إحباط الشحنة إلى منطق تفكيك الشبكات.
ولفت إلى أنه، وعلى صعيد منع التسلل، فقد أظهرت الأحداث أن الحدود لم تعد مجرد خط جغرافي، بل ساحة اختبار مستمر لقدرة الدولة على السيطرة، ورغم ظروف الحرب وتعقيداتها، استطاع الجيش العربي تجفيف حالات التسلل إلى الداخل بشكل شبه كامل، وهو إنجاز يسجل بوضوح للمؤسسة العسكرية في هذا التوقيت الحرج.
وأشار إلى أن البعد الجوي كان التحدي الأكثر حساسية، والمتمثل في التعامل مع الصواريخ والمسيرات التي تعبر أجواء المنطقة ضمن مسارات إقليمية معقدة، وهنا أظهرت القوات المسلحة مستوى عاليا من الاحتراف في إدارة المجال الجوي، حيث استطاع سلاح الجو والدفاع الجوي اعتراض وإسقاط أكثر من 92.4 بالمئة من الصواريخ والمسيرات التي شكلت تهديدا، وهي نسبة عالية جدا وفق المعايير العسكرية، خصوصا في ظل طبيعة التهديدات الحديثة منخفضة التكلفة وعالية التعقيد.
وأكد أن هذه النتيجة لم تأت صدفة، بل جاءت عبر منظومة إنذار مبكر وقرار اعتراض محسوب وجاهزية تشغيلية مستمرة، والدليل الأهم هو عدم تسجيل أضرار استراتيجية داخل الأردن واستمرار الحياة الطبيعية دون اضطراب، وما تحقق يعكس تطبيقا عمليا لمفهوم السيادة الجوية الوقائية، حيث يتم التعامل مع التهديد قبل أن يتحول إلى خطر فعلي.
من جهته، قال مدير البرامج والأبحاث في معهد السياسة والمجتمع، حسين الصرايرة، إنه لم يعد ممكنا قراءة دور القوات المسلحة بوصفه وظيفة تقليدية لحماية المملكة من المخاطر المحيطة، فما يجري اليوم هو أمر أكثر تعقيدا؛ إذ هناك إدارة يومية لمعادلة أمن وطني متعددة الأبعاد، تتداخل فيها الجغرافيا مع السياسة، والتكنولوجيا مع الجريمة المنظمة، والردع العسكري مع الاستقرار المجتمعي.
وأضاف: "بدا واضحا أن الأردن لا يقف على هامش الأحداث خلال الحرب، وإنما في تماس مباشر معها، حتى وإن لم يكن طرفا فيها، فحين تعلن القوات المسلحة اعتراض صواريخ وطائرات مسيرة قبل وصولها إلى أهدافها، فإن الأمر لا يتعلق فقط بقدرة عسكرية تقنية، وإنما برسالة سيادية حاسمة مفادها أن الأجواء الأردنية ليست ممرا مفتوحا للصراعات الإقليمية، وأن أي تهديد عابر للسماء هو تهديد مباشر للدولة يجب تحييده فورا".
ولفت إلى أنه، على الأرض، تخوض القوات المسلحة حربا صامتة لا تقل خطورة عن أي مواجهة تقليدية، فمحاولات التسلل وتهريب المخدرات نشاط منظم مستمر عابر للحدود، تقوده مجموعات اتخذت الإرهاب والجريمة المنظمة كحالة من المقاولة لمن يدفع أكثر، مع اختلاف الخلفيات العقائدية التي تبدلت خلال العقدين الماضيين، وقد تطور هذا النشاط ليستخدم أدوات متطورة، من الطائرات المسيرة إلى وسائل تمويه معقدة، في محاولة لاختراق الجبهة الأكثر حساسية، وهي المجتمع نفسه.
وبين أن المسألة هنا تتجاوز بعدها الأمني المباشر، لتلامس الدولة واستقرارها الاجتماعي، فالمخدرات أداة تفكيك سرطانية صامتة تستهدف الشباب والاقتصاد والقيم، ما يجعل التصدي لها معركة سيادة داخلية ذات أولوية، وعندما تعلن المؤسسة العسكرية إحباط مئات محاولات التسلل وضبط ملايين الحبوب المخدرة، فإنها لا تقدم أرقاما للاستهلاك الإعلامي، بل تكشف حجم الضغط الحقيقي الواقع على الحدود، وحجم الجهد المبذول لمنع انتقال هذا الضغط إلى الداخل.
وأشار إلى أن ما يميز المقاربة الأردنية في هذا السياق هو أنها استباقية وليست دفاعية بالمعنى التقليدي، فالتعامل مع التهديد لم يعد ينتظر وقوعه، بل يسعى إلى منعه قبل أن يتشكل، وهذا التحول يمثل تطورا في العقيدة الأمنية نفسها؛ من حماية الخطوط إلى إدارة المخاطر قبل عبورها.
وقال إن اعتراض الصواريخ، وإسقاط الطائرات المسيرة، وإحباط التسلل، وضبط شبكات التهريب، كلها ليست إجراءات منفصلة، بل هي حلقات في سلسلة واحدة هدفها منع تراكم التهديد، لأن الخطر في مثل هذه السياقات لا يأتي دفعة واحدة، وإنما يتراكم ويتسلل تدريجيا، وإذا لم يواجه مبكرا، يتحول إلى واقع يصعب احتواؤه.
وأضاف أن البعد الأكثر حساسية في هذه المعادلة هو البعد النفسي والمعنوي، فالدولة اليوم تواجه تحدي إدارة القلق العام في ظل تدفق الأخبار والشائعات، وهنا يظهر دور الرسائل والمعلومات الرسمية الحكومية والعسكرية والأمنية الشفافة والواضحة والمباشرة، التي تضبط المجال العام وتثريه بالحقائق والطمأنينة، وتبني الثقة، وتمنع الذعر من التحول إلى عامل إرباك داخلي.
وأشار إلى أن هذا لا يقل أهمية عن التوجيهات التي تدعو المواطنين إلى الالتزام بالتعليمات وعدم الانجرار خلف الشائعات أو أي إجراء ميداني غير موثوق، لأن الأمن، في لحظات الأزمات، هو ما يحدث في وعي الناس أيضا وكيف يتفاعلون مع الحدث. وهنا تجدر الإشارة إلى الجهد الدقيق والحصيف الذي يقوم به المركز الوطني للأمن وإدارة الأزمات.
وأكد رئيس جمعية سند للفكر والعمل الشبابي، سلطان الخلايلة، أن القوات المسلحة الأردنية أثبتت خلال الشهر الأول من اندلاع الحرب في الإقليم جاهزية عالية واحترافية متقدمة في حماية حدود المملكة، خاصة في ملف مكافحة تهريب المخدرات، حيث نجحت في إحباط محاولات منظمة تقودها شبكات تسعى للنيل من أمن المجتمع واستهداف الشباب، إلى جانب التعامل الحازم مع محاولات التسلل غير الشرعي، بما يعكس يقظة دائمة وعقيدة عسكرية راسخة في صون السيادة الوطنية ومنع أي تهديد قبل وصوله إلى الداخل.
وأشار إلى أن كفاءة القوات المسلحة برزت كذلك في التعامل مع التهديدات الجوية، حيث تمكنت منظومات الدفاع الجوي من اعتراض الصواريخ والطائرات المسيرة التي حاولت استهداف الأجواء الأردنية، ما يؤكد مستوى متقدما من الجاهزية التقنية والتنسيق العملياتي، ويبعث برسالة طمأنة واضحة للمواطنين بأن سماء الأردن محمية، وأن القوات المسلحة تتابع التطورات الإقليمية لحظة بلحظة وتتعامل معها بكفاءة واقتدار.
وقال إن القوات المسلحة لم تقتصر جهودها على الجانب العسكري، بل أسهمت في تعزيز الجبهة الداخلية من خلال بث رسائل وطنية ومعنوية ترفع من روح المواطنين وتعزز الثقة بمؤسسات الدولة، مشددا على أن وحدة الصف والالتفاف حول القيادة الهاشمية يشكلان أساس القوة الوطنية، وأن الأردن سيبقى، بفضل تماسك قيادته وشعبه وجيشه، قادرا على مواجهة التحديات والحفاظ على أمنه واستقراره.
--(بترا)




