شريط الأخبار
في أول تصريح منذ اعتقاله.. مادورو: "أنا مقاتل"! (فيديو) "نيويورك تايمز": ترامب يدرس بجدية الموافقة على شن هجوم على إيران بعد إطلاعه على الخيارات المحتملة وزير الأوقاف: سيتم إطلاق خطة للتوعية بأهمية النظافة وزير البيئة: نسعى إلى تخفيض الكلف المستغلة فيإدارة النفايات إيران تحذر الولايات المتحدة من أنها سترد على أي هجوم عليها رئيسة البنك الأوروبي للتنمية: شراكتنا مع الأردن ناجحة باستثمار2.3 مليار يورو الأمن لمسافري جسر الملك الحسين: التزموا بدور المنصة تجنبا للأزمات وزيرة التنمية الاجتماعية تبحث والسفير الكندي التعاون المشترك الملك يزور رئيس الديوان الملكي الأسبق يوسف الدلابيح الخوالدة: "الاعتماد على الذات" خيارنا الوحيد الذي لا يخيب الجيش: إحباط محاولة تهريب مخدرات عبر الواجهة الغربية "الأشغال" تطلق خطة توعوية وتنفيذية للحد من الإلقاء العشوائي للنفايات رئيس مجلس الأعيان يلتقي السفير الصيني لدى المملكة رئيس هيئة الأركان يستقبل السفير الأذربيجاني الصناعة والتجارة تحقق إنجازات نوعية لتعزيز الأداء الاقتصادي والأمن الغذائي في 2025 الخرابشة: فلس الريف يزود 161 منزلا وموقعا بالكهرباء بكلفة 580 ألف دينار خلال كانون الأول الماضي بالأسماء .. دوائر حكومية تدعو مرشحين لاجراء المقابلة الشخصية العنف الجامعي على طاولة "التعليم النيابية" اليوم منخفض قطبي يؤثر على المملكة: أمطار غزيرة وتحذيرات من السيول واحتمال ثلوج محدودة فجر الثلاثاء القوات المسلحة الأردنية تشارك في عملية عسكرية ضد مواقع لعصابة داعش الإرهابية

اقتصاد الأرقام لا يطعم خبزاً: اقراءة في الخطاب الحكومي للاقتصاد الأردني

اقتصاد الأرقام لا يطعم خبزاً: اقراءة في الخطاب الحكومي للاقتصاد الأردني

اقتصاد الأرقام لا يطعم خبزاً: اقراءة في الخطاب الحكومي للاقتصاد الأردني
د:ابراهيم النقرش

تأتي التصريحات الحكومية حول تحسن أداء الاقتصاد الأردني وتحقيق "زخم اقتصادي إيجابي” في سياق سياسي إعلامي يركّز على عرض مؤشرات كلية منتقاة، دون ربطها بالواقع الاقتصادي والمعيشي للمواطن. فالتحليل الاقتصادي العلمي لا يقيس نجاح السياسات العامة من خلال نسب النمو الاسمية أو ارتفاع مؤشرات الأسواق المالية، بل من خلال قدرتها على تحسين الإنتاجية، خفض البطالة، السيطرة على التضخم، وتعزيز الدخل الحقيقي للأفراد. ومن هنا تظهر فجوة واضحة بين الخطاب الرسمي والواقع الاقتصادي الملموس في الأردن.
رغم الإعلان عن تحقيق نمو اقتصادي بنسبة تقارب 2.8%، فإن هذا المعدل لا يعد كافياً اقتصادياً لاستيعاب الزيادة الطبيعية في القوى العاملة، ولا يعكس نمواً إنتاجياً حقيقياً قادراً على توليد فرص عمل مستدامة. فالنمو في الاقتصاد الأردني ما يزال نمواً ضعيف الأثر، يعتمد بدرجة كبيرة على الاستهلاك والإنفاق العام والتحويلات، وليس على توسع القاعدة الصناعية أو الزراعية أو التكنولوجية. ويؤكد ذلك استمرار ارتفاع معدلات البطالة، خاصة بين الشباب وحملة الشهادات الجامعية، ما يشير إلى خلل هيكلي عميق في بنية الاقتصاد لا تعالجه نسب النمو المعلنة.
الاستناد إلى تحسن أداء السوق المالي وارتفاع المؤشر العام لبورصة عمّان كدليل على صحة الاقتصاد يفتقر إلى الدقة الاقتصادية. فالسوق المالي الأردني محدود العمق، وتتركز التداولات فيه في عدد ضيق من الشركات، كما أن ارتفاع أسعار الأسهم لا يعني بالضرورة تحسناً في النشاط الإنتاجي أو زيادة في فرص العمل. الاقتصاد الحقيقي يقاس بقدرة المصانع على الإنتاج، وبنشاط المشاريع الصغيرة والمتوسطة، وبقوة الطلب الفعلي القائم على دخل حقيقي، لا بمؤشرات مالية قد تحركها السيولة أو المضاربات. وبالتالي، فإن الربط بين انتعاش السوق المالي وتحسن المستوى المعيشي للمواطن يمثل خلطاً بين الاقتصاد المالي والاقتصاد الحقيقي.
في الوقت ذاته، يعاني المواطن الأردني من ارتفاع مستمر في مستويات التضخم وتآكل الأجور الحقيقية، الأمر الذي يضعف قدرته الشرائية ويزيد من الضغوط الاجتماعية. هذا التضخم لا يرتبط بنمو اقتصادي قوي أو بزيادة في الطلب، بل هو تضخم تكاليف ناتج عن ارتفاع الضرائب، وأسعار الطاقة، وكلف الاستيراد، وهو ما يجعل أثره أكثر قسوة على الطبقات ذات الدخل المحدود والمتوسط. وعندما لا يرافق النمو المعلن تحسن في الدخل الحقيقي، فإن الحديث عن مؤشرات إيجابية يفقد مضمونه الاقتصادي.
تشكل المديونية العامة أحد أخطر التحديات الهيكلية التي تواجه الاقتصاد الأردني، إذ تجاوز الدين الحكومي ما نسبة ١١٥% من الناتج المحلي الإجمالي، وهو مستوى مقلق وفق المعايير الدولية، خصوصاً في اقتصاد محدود الموارد وضعيف النمو. والأخطر من حجم الدين هو طبيعة استخدامه، حيث تلجأ الحكومة إلى الاقتراض لسداد خدمة الدين وفوائده، ما يعني عملياً تدوير الدين بدلاً من توظيفه في مشاريع إنتاجية تولد قيمة مضافة. كما أن هيكل الموازنة العامة يكشف عن سيطرة النفقات الجارية، وخاصة الرواتب وخدمة الدين، مقابل ضعف واضح في النفقات الرأسمالية، وهي النفقات التي يفترض أن تشكل محركاً للنمو والاستثمار.
وتعزز تقارير ديوان المحاسبة التي تشير إلى خسائر متراكمة في عدد من الشركات الحكومية هذا التوصيف، إذ تعكس ضعفاً في الحوكمة، وغياب الكفاءة الإدارية، وسوء تخصيص الموارد. وجود قطاع عام خاسر يمول من الخزينة يعني أن أي تحسن ظاهري في المؤشرات الاقتصادية يتم امتصاصه عبر العجز والدين، بدلاً من أن يتحول إلى نمو فعلي في الاقتصاد الحقيقي.
على المستوى الاجتماعي، يكشف ارتفاع مديونية الأفراد للبنوك إلى ما يزيدعلى١٣ مليار دينار أردني عن عمق الأزمة المعيشية، حيث أصبح الاقتراض وسيلة لتغطية الاستهلاك الأساسي لا للاستثمار أو الادخار. هذا النمط من الاقتصاد القائم على الاستدانة الاستهلاكية يعكس ضعف الدخول وغياب شبكات الأمان الاقتصادي، ويجعل المجتمع أكثر هشاشة أمام الصدمات الاقتصادية.
في هذا السياق، يصبح تشبيه الاقتصاد الأردني بدراجة تتحرك في مكانها توصيفاً دقيقاً؛ فهناك حركة مستمرة في القرارات والسياسات والاقتراض والمؤشرات، لكنها لا تقود إلى انتقال حقيقي في مستوى الإنتاج أو التشغيل أو جودة الحياة. وهو ما يمكن وصفه اقتصادياً بنمو دوراني غير تحويلي، أي نمو لا يغيّر البنية الاقتصادية ولا ينعكس على حياة المواطنين.
إن الخطاب الحكومي الحالي يندرج في إطار سياسي دبلوماسي يسعى إلى طمأنة الرأي العام، لكنه لا يصمد أمام التحليل الاقتصادي العلمي القائم على الوقائع. فالإصلاح الحقيقي لا يبدأ بتجميل الأرقام أو تضخيم المؤشرات، بل بإعادة هيكلة المالية العامة، وتعزيز الإنفاق الرأسمالي المنتج، وإصلاح الشركات الحكومية، وربط النمو الاقتصادي بالتشغيل والإنتاجية والدخل الحقيقي. فالنمو الذي لا يشعر به المواطن في معيشته اليومية ليس نمواً اقتصادياً حقيقياً، بل مجرد خطاب سياسي لا يعالج جذور الأزمة.