شريط الأخبار
تغيرت الصور فهل تغيرت حروبهم ... انطلاق مبادرة وطنية في لواء الشونة الجنوبية بعنوان: «من أجل وطن آمن ومواطن مطمئن» ( صور ) اجتماعان لوزراء الخارجية العرب ومجلس الجامعة العربية الاثنين في عمّان مسؤول أميركي: اتفاق لوقف إطلاق النار بين إسرائيل وحزب الله نشاط سياحي لافت في عجلون الجمعة .. و75% نسبة إشغال المنشآت الملك يرحب بتوقيع مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران ابناء المرحوم غالب مسعر العدوان يقيمون مادبة عشاء في الشونة الجنوبية بمناسبة حصول اخيهم الدكتور محمد غالب مسعر العدوان على الدكتوراه في القانون من جامعة المنصورة في مصر. المغرب ضد اسكتلندا.. صدام بنكهة تاريخية وصراع شرس على بطاقة التأهل.. الموعد والقنوات الناقلة وزير إسرائيلي يؤكد أن إسرائيل ستشن حربا على سوريا عاجلا أم آجلا الأمير علي: النشامى يستحقون الدعم حتى صافرة النهاية الخارجية البريطانية: الأردن يقود دورا محوريا في توحيد الجهود الإقليمية لمواجهة التغيرات علوان يتصدر تصنيف دقة التسديد في المونديال متفوقا على ميسي نائب الملك يرعى احتفاء "أجيال السلام" بنيلها جائزة "جاك روج" العالمية غنيمات تستقبل سفير دولة الكويت لدى المملكة المغربية بين اتفاق أوباما ومذكرة ترامب .. هذه أبرز الفروقات الامير علي: زوجتي جزائرية لكن معانا .. والله يعين الحجر العجلوني .. مادة بناء صنعت هوية معمارية متفردة الجمعة .. اجواء صيفية معتدلة في أغلب المناطق مجلس الأمن القومي الإيراني يعلن آلية عبور مضيق هرمز بموجب مذكرة التفاهم فانس: واشنطن تتوقع من طهران ألا تمتلك صواريخ تهدد العالم

الفاهوم يكتب : "الغريب”… حين تصبح اللامبالاة مرآة عصرٍ كامل

الفاهوم يكتب : الغريب”… حين تصبح اللامبالاة مرآة عصرٍ كامل
الأستاذ الدكتور أمجد الفاهوم
ليست "الغريب” مجرد رواية قصيرة صدرت عام 1942، ولا عملًا أدبيًا ينتمي إلى المذهب العبثي فحسب، بل نصّ صادم ما زال، بعد أكثر من ثمانية عقود، يحتفظ بقدرة استثنائية على مساءلتنا نحن، لا شخصياته فقط. كتبها ألبير كامو في زمنٍ كانت فيه أوروبا تغرق في أتون الحرب العالمية الثانية، لكن أسئلتها الوجودية تجاوزت حدود ذلك الزمن لتطارد الإنسان أينما كان.
بطل الرواية، ميرسو، لا يشبه الأبطال التقليديين. رجل عادي، بسيط، لا يُظهر المشاعر كما يتوقعها المجتمع. لا يبكي في جنازة أمه، ولا يبرر أفعاله وفق القوالب الأخلاقية السائدة. جريمته الحقيقية، في نظر المحكمة والمجتمع، لم تكن القتل الذي ارتكبه بقدر ما كانت بروده وصدقه القاسي ورفضه تمثيل الحزن والندم. هنا يضعنا كامو أمام سؤال جوهري: هل يُدان الإنسان على أفعاله، أم على عدم إجادته لعب الدور المطلوب اجتماعيًا؟
تنتمي "الغريب” إلى ما يُعرف بـ”دورة العبث” عند كامو، إلى جانب "أسطورة سيزيف” و”كاليغولا” و”سوء التفاهم”، حيث تتجسد فلسفة العبث بوصفها صدامًا دائمًا بين توق الإنسان إلى المعنى وصمت العالم وبرودته. هذا الصدام لا يُحلّ ولا يُخفَّف، بل يُعاش بوعيٍ قاسٍ. كامو لا يدعو إلى اليأس، بل إلى مواجهة الحقيقة كما هي، دون أوهام مريحة أو أقنعة زائفة.
وإذا انتقلنا من صفحات الرواية إلى واقعنا المعاصر، سنكتشف أن ميرسو لم يعد شخصية متخيلة، بل حالة إنسانية متكررة. في عالم اليوم، حيث تتوالى الحروب، وتُبث المآسي على الشاشات، وتُختزل الكوارث الإنسانية في أرقام عاجلة، بات الإنسان العادي أقرب إلى اللامبالاة القسرية. ليس لأنه لا يشعر، بل لأنه أُنهك من كثرة الشعور. العبث هنا لم يعد فلسفة تُناقش في الكتب، بل خبرًا يوميًا يمرّ أمام أعيننا دون أن نملك القدرة على تغييره.
عربيًا، تتجلى مفارقات "الغريب” بوضوح موجع. شعوب تعيش أزمات سياسية واقتصادية طويلة، حروبًا ونزوحًا وفقدانًا للأمان، بينما يُطلب من الفرد أن يبدو متماسكًا، ممتنًا، وقادرًا على التكيّف الدائم. من يخرج عن هذا الإطار يُوصم بالتشاؤم أو الجحود أو ضعف الانتماء، وكأن المجتمع لا يعاقب الفعل بقدر ما يعاقب الاختلاف والصدق.
أما في السياق الأردني، فإن إسقاطات الرواية تأخذ شكلًا أكثر هدوءًا، لكنه لا يقل عمقًا. شباب يشعرون بأنهم غرباء داخل واقع اقتصادي ضاغط، وخطابات عامة تطالب بالصبر دون أن تفتح أفقًا واضحًا للأمل، ومسافة تتسع بين ما يُقال رسميًا وما يُعاش يوميًا. هنا يصبح "الغريب” هو من يصرّح بتعبه، أو يشكك في المسلّمات، أو يرفض تزيين الواقع بالكلمات.
ما يجعل "الغريب” عملًا خالدًا هو أنها لا تمنح القارئ عزاءً سهلًا ولا نهاية مطمئنة. لا تقدّم خلاصًا أخلاقيًا جاهزًا، لكنها تفعل ما هو أخطر وأصدق: تضع الإنسان وجهًا لوجه أمام ذاته، بلا أقنعة. تذكّرنا بأن العبث لا يكمن فقط في قسوة العالم، بل في الطريقة التي نطالب بها الآخرين أن يكونوا نسخة واحدة في مشاعرهم وسلوكهم ومواقفهم.
ربما لهذا السبب تُرجمت الرواية إلى أكثر من أربعين لغة، وصدرت نسختها العربية الفصحى عام 1997 بترجمة محمد غطاس عن الدار المصرية اللبنانية، ثم ظهرت لاحقًا بلهجة تونسية عام 2018 بجهد الشاعر والمترجم ضياء بوسالمي. فـ”الغريب” ليست نصًا يُقرأ مرة ويُغلق، بل مرآة نعود إليها كلما شعرنا أن العالم صار أكثر قسوة، وأقل فهمًا للإنسان.
في زمنٍ يعلو فيه الضجيج، وتُفرض فيه المشاعر الجاهزة، تذكّرنا "الغريب” بأن الصدق قد يكون تهمة، وأن الوعي قد يكون عبئًا، وأن الإنسان حين يرفض الكذب على نفسه، قد يجد نفسه وحيدًا… لكنه وحيد بكرامة.