حسن عيسى الخزاعلة
في التجارب التنموية الناجحة، تُقاس البلديات بما تتركه من أثر مستدام في حياة الناس، لا بما تنشره من صور أو بيانات يومية. فالمؤسسة المحلية وُجدت لتكون محركًا للتنمية، ومنصة لدعم المجتمع، وجسرًا بين الإمكانيات والنتائج. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول هذه الوظيفة من "صناعة التنمية” إلى "صناعة صورة عن التنمية”.
في كثير من الأحيان، لا يكون العائق الحقيقي أمام المدن نقص الموارد أو ضعف الإمكانيات، بل طريقة إدارة هذه الإمكانيات، وكيفية توجيه الجهد العام. فعندما يتم استنزاف الطاقة المؤسسية في تضخيم الأعمال التشغيلية اليومية، وتقديمها كإنجازات استثنائية، تصبح التنمية الحقيقية مؤجلة لصالح "المشهد الإعلامي”.
أعمال النظافة، والصيانة، والتعبيد، وتحسين المداخل، هي واجبات أساسية في أي عمل بلدي، وليست مشاريع تحول تنموي بحد ذاتها. غير أن تحويل هذه الأعمال إلى حالة دائمة من الاستعراض الإعلامي يخلق فجوة خطيرة بين ما يراه المواطن على أرض الواقع، وما يُقدَّم له عبر الخطاب الرسمي.
المشكلة لا تكمن في الإعلام نفسه، بل في استخدامه كبديل عن التخطيط، وكأداة لإنتاج "انطباع بالإنجاز” بدلاً من تحقيق إنجاز فعلي قابل للقياس.
وتصبح الأزمة أعمق عندما يُختزل العمل العام في تلميع الأشخاص وصناعة بطولات فردية وهمية، بينما تبقى المشاريع الاستثمارية معطلة، والمقومات السياحية غير مستثمرة، والمبادرات المجتمعية تعمل وحدها دون دعم مؤسسي حقيقي.
فالتنمية لا تُقاس بعدد المنشورات، ولا بحجم الظهور الإعلامي، بل بقدرة المدينة على:
خلق فرص اقتصادية حقيقية،
تشغيل المشاريع المتعثرة،
بناء هوية سياحية مستدامة،
وتحويل المجتمع المحلي إلى شريك فعلي في التنمية.
إن أخطر ما يمكن أن تواجهه أي مدينة هو أن يتحول الأداء الإداري من "إدارة تنموية” إلى "إدارة انطباع”، حيث تصبح الصورة أهم من الواقع، ويصبح تسويق الجهد أهم من نتائج الجهد نفسه.
وقد أظهرت القراءات الميدانية ونتائج الدراسات المجتمعية أن الفجوة بين "النشاط الإعلامي” و”الأثر التنموي” تتسع بصورة واضحة، خصوصًا عندما يشعر المواطن أن ما يُعرض لا ينعكس على حياته اليومية أو على مستقبل المدينة.
المدن لا تنهض بالاستعراض، بل بالتخطيط.
ولا تُبنى بالبطولات الفردية، بل بالمؤسسات القادرة على إنتاج أثر طويل الأمد.
أما التنمية الشكلية، مهما ارتفع صوتها إعلاميًا، فتبقى عاجزة عن إخفاء الحقائق على الأرض لفترة طويلة.




