شريط الأخبار
محللو "دائرة المونديال": رفع العلم الأردني بافتتاح المونديال لحظة تاريخية إيران ترجئ مراسم جنازة المرشد الراحل علي خامنئي ترامب يكشف عن أكثر نقطة مهمة له وافقت عليها إيران علم الأردن يرفرف في افتتاح بطولة كأس العالم 2026 وكالة "فارس": ترامب يحاول خلق رواية استسلام إيران أمام القصف بتصعيد لهجته التهديدية الأمن السيبراني يحذر من تصاعد الاحتيال الإلكتروني بالتزامن مع كأس العالم وزير الشباب: خطة شاملة لتمكين المواطنين من متابعة كأس العالم 2026 ترامب: توصلنا لتسوية تنهي الحرب مع إيران والتوقيع سيكون في أوروبا السواعير: تضرر 22 فندقًا سياحيًا في البترا فارس: إيران لم توافق على أي نص لمذكرة تفاهم أولية مع واشنطن بَطريرك الإسكندرية وسائر إفريقيا يدعو العالم أجمع إلى زيارة الأردن انطلاق فعاليات افتتاح كأس العالم 2026 رسالة إلى الحكومة الموقرة بشأن عدالة رواتب المتقاعدين مستشار قائد الحرس الثوري: إيران على أعتاب تحقيق نصر كبير وزارة الدفاع الإيرانية: أي هجوم يستهدف سلامة الأراضي الإيرانية سيُقابل برد حاسم ترامب: ألغيت عمليات القصف المقررة على إيران الليلة موكب النشامى" ينطلق في الولايات المتحدة 16 حزيران دعماً للمنتخب الوطني البلبيسي: الذكاء الاصطناعي سيغير دور الحكومة إجلاء موظفين في البنتاغون وإغلاق بسبب مواد خطرة تحرك نيابي رسمي لزيادة رواتب متقاعدي المبكر في الأردن (وثيقة)

النقرش يكتب : ترجّل أحمد عبيدات… ورحل الصوت الحر الوطني

النقرش يكتب : ترجّل أحمد عبيدات… ورحل الصوت الحر الوطني
د . إبراهيم النقرش
رحم الله دولة أحمد عبيدات، ورحم معه مرحلةً نادرة من تاريخ الرجال حين كانت المناصب امتحانًا للأخلاق لا غنيمة، وحين كان الوطن أعلى من الكراسي، والحق أثقل من كل الحسابات.
ترجّل عن صهوة الدنيا رجلٌ من طرازٍ نادر، رجلٌ دخل الدولة في أعقد مراحلها وخرج منها كما دخلها: نظيف الكف، مستقيم الضمير، عالي الرأس. رحل دولة أحمد عبيدات، لا كاسمٍ في سجل المناصب، بل كقيمةٍ وطنية وأخلاقية ستظل عصيّة على النسيان.
تسلّم أعلى مراكز الدولة في أوقاتٍ بالغة الحساسية، فكان حضوره حضور العقل الهادئ والضمير اليقظ. أشرف على إنشاء دائرة المخابرات العامة، لا بوصفها أداة قمع، بل كمؤسسة دولة حاول ما استطاع أن يجنّبها الظلم، وأن يبسّط الإجراءات، وأن يضع لها إطارًا وطنيًا يحمي الدولة ولا يفتك بالمجتمع. ثم تولّى رئاسة الوزراء، فكان الرجل العفيف في فكره ويده، الزاهد في الامتيازات، الصريح في مواقفه.
كان صاحب المقولة الجريئة: «أنّى لك هذا؟»، تلك العبارة التي سبقت زمانها ولم يُقدَّر لها أن ترى النور، لكنها بقيت شاهدًا على عقلٍ نظيف كان يرى في النزاهة أساس الحكم، لا شعارًا للاستهلاك الإعلامي. لم يعرف عنه تكديس مال، ولا استغلال منصب، ولا مدّ يدٍ للمال العام. تقاعد، وعاش من راتبه، ثم من عمل يده في المحاماة، كما يفعل أي مواطن شريف.
وفي زمنٍ كثرت فيه المساومات، ثبت أحمد عبيدات على موقفٍ وطني وأخلاقي واضح: رفض، وبقوة، أن يمد يده للصهاينة تحت أي مسمى أو ضغط أو تبرير. رآهم محتلين للأرض، مختلين في عقيدة القتل وسحق العرب والمسلمين، فرفض أن يكون مفاوضًا أو موقّعًا أو شاهد زور. اختار أن يبقى بريئًا أمام الله والتاريخ، غير ملوّثٍ بعار المصافحة ولا بخطيئة التنازل.
رحل وهو يحمل في قلبه حب الله، وحب الأردن، ووجع فلسطين، مدركًا ما يُحاك لها من خيانات ومؤامرات. كان صوتًا حرًا لا تعلو عليه مصالح الدنيا، ولا تُسكته إغراءات السلطة ولا ضغوطها. لم ينافق وطنه، ولم يُسَحِّج لباطل، ولم يساوم على كرامة أو مبدأ.
دخل الدولة مسؤولًا، وخرج منها مواطنًا بسيطًا متواضعًا، لم يتعالَ على أحد، ولم يترك وراءه إلا سيرةً طيبة وأثرًا نظيفًا. صدق فيه قول الله تعالى:
﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ﴾
﴿وَتِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا﴾
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾
ولعل أصدق ما يُقال في وداعه ما قاله الشعراء في أمثال هذه القامات:
إذا مـاتَ مثـلُك ماتَ الضميرُ
وباتَ الزمانُ يتيمَ الوفاءِ
نظيفُ اليدينِ إذا قِيسَ بالناسِ
بانَ الكبارُ صغارَ الرِّداء
يموتُ الرجالُ وتبقى المواقفُ
وتبقى السجايا إذا غابَ جسمُ
فمن عاشَ حرًّا وماتَ نقيًّا
فذاك الخلودُ… وذاكَ الاسمُ
برحيل أحمد عبيدات، يخسر الأردن قامةً وطنية صادقة، ويخسر جيلٌ كامل نموذجًا لرجل الدولة الذي لا يبيع، ولا يساوم، ولا يبدّل. لكنه يكسب دعاء الصالحين، واحترام الأحرار، وسيرةً ستظل تُروى كلما سُئل: كيف يكون الرجال حين يكون الوطن؟
رحمك الله يا دولة أحمد عبيدات، رحلتَ نظيفًا كما عشت، وخرجتَ من الدنيا خفيف الحمل، ثقيل الأثر.