القلعة نيوز- رثا من المهندس ثائر عايش مقدادي
"يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي"
بقلوبٍ ملؤها الإيمان بقدر الله، ونفوسٍ تملأها مرارة الفقد ولوعة الغياب، أخطُّ هذه الكلمات وفي الحلق غصة، وفي العين دمعة، وعلى القلب ثقلُ الجبال. ودعنا اليوم فارساً من فرسان الحق، وعلماً من أعلام النزاهة في وطننا، ابن العم الغالي سعادة القاضي موسى أحمد إبراهيم مقدادي، الذي فارق دنيانا الفانية، لكنه لم يفارق ذاكرتنا الحية ولا أثر مآثره الذي سيظل نبراساً يضيء طريق الأجيال.
لقد كان "أبو أحمد" -رحمه الله- مدرسةً في الأخلاق، ومثالاً فريداً في القضاء والعدالة. لم يكن منصبه القضائي مجرد وظيفةٍ يؤديها، بل كان التزاماً أخلاقياً وعهداً مع الله على إحقاق الحق. رأيناه في مسيرته الطويلة، قاضياً لا تهزه العواصف، ولا تستميله الأهواء، ولا ترهبه سطوة الأقوياء، بل كان دائماً يقفُ في خندق الحق، لا يخشى في الله لومة لائم. كان الميزان في يده دقيقاً كدقة ضميره، وكلمته في المحكمة كانت تنبع من قلبٍ مؤمنٍ وعقلٍ راجح.
لقد شهدنا اليوم في وداعك مشهداً مهيباً، حيث احتشدت الجموع الغفيرة التي جاءت من كل حدبٍ وصوب لتودعك الوداع الأخير. لم يكن هذا الحضور الكثيف مجرد واجبٍ اجتماعي، بل كان انعكاساً حقيقياً لما زرعته في قلوب الناس من محبة وتقدير. لقد رأينا في أعين الحاضرين صدق الوفاء لرجلٍ لم يغلق يوماً بابه في وجه محتاج، ولم يتردد لحظة في نصرة مظلوم أو إصلاح ذات البين. إن هذه الحشود التي تدافعت لتشييع جثمانك هي أصدق شهادة "بألسنة الخلق" على سيرتك العطرة، وعلى طيب أصلك، ونقاء سريرتك، فمن أحبه الناس في الدنيا فقد أحبه الله، وطوبى لمن سار في الأرض تاركاً خلفه هذا الأثر الطيب.
إننا، نحن أبناء العمومة، لا نفقدُ اليومَ فرداً من العائلة فحسب، بل نفقدُ ركناً من أركانِ بيتنا الكبير، وقامةً سامقةً كانت تبعث في نفوسنا الطمأنينة. لقد كان "أبو أحمد" بمثابة البوصلة التي نسترشد بها، والملجأ الذي نلوذ به حين تضيق بنا السبل وتشتد المعضلات. كان مجلسه مجلساً للوقار والحكمة، حيث الكلمةُ وزنٌ، والابتسامةُ أمان، والنصيحةُ غايةٌ في الصدقِ والإخلاص. لقد كان رجلاً في زمنٍ قلّ فيه الرجال، وعزيزاً في زمنِ التواضع، وشامخاً في زمن الانكسار.
يا ابن العم الغالي، لقد ترجلتَ عن صهوة الحياة في وقتٍ نحن أحوج ما نكون فيه إلى حكمتك ورجاحة عقلك، ولكنها إرادة الله التي لا رادّ لها. لقد رحلتَ جسداً، ولكن ذكراك ستبقى محفورة في سويداء قلوبنا، تُروى في مجالسنا، وتُعلم لأبنائنا كنموذجٍ للإنسان النبيل الذي عاش للحق ومات عليه. إنَّ السمعة الطيبة التي تركتها خلفك، والذكرى الحسنة التي تلهج بها ألسنة كل من عرفك، هي أصدق شاهدٍ على مسيرةٍ حافلة بالعطاء والنزاهة، وعلى رجلٍ نذر حياته ليصون كرامة الناس ويحفظ للعدل هيبته.
إنَّ رحيلك يا أبا أحمد يتركُ فراغاً لا يملؤه إلا الإيمان بالقضاء والقدر، ويحدثُ في النفس جرحاً لن يندمل إلا باليقين بلقائك في دارِ كرامة الله. لقد أديت الأمانة يا ابن العم، وبلغت الرسالة، وكنتَ نعم القاضي ونعم الرجل، فنم قرير العين، فقد تركتَ فينا من المبادئ والقيم ما سيظل حياً ما حيينا.
نسأل الله العلي القدير أن يتغمدك بواسع رحمته، وأن ينزل على قبرك شآبيب رحمته ورضوانه، وأن يجعلك في الفردوس الأعلى مع النبيين والصديقين والشهداء وحسن أولئك رفيقاً. اللهم أنزل على قلبنا الصبر والسلوان، واجبر كسرنا بمصابنا الجلل، واجعل ما قدمه في ميزان حسناته، واغفر له ذنوبه، واجعل عاقبته في الجنة.
لا نقولُ إلا ما يرضي ربنا، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
"إنا لله وإنا إليه راجعون".




