قاسم الحجايا
لا يختلف اثنان على أن القضاء هو حصن العدالة الأول، والركيزة الأساسية التي يقوم عليها استقرار المجتمع وازدهار الدولة. وفي الأردن، لطالما شكلت السلطة القضائية نموذجاً في النزاهة والحياد، حاملةً على عاتقها أمانة الفصل في النزاعات، وحماية الحقوق، وتطبيق سيادة القانون في أصعب الظروف.
إن الحديث اليوم عن "مميزات" للقضاة ليس باباً للمطالبة بامتيازات ترفيهية، بل هو نقاشٌ جوهري حول "الاستحقاق" الوظيفي والمعنوي الذي يتناسب مع جسامة المسؤولية الملقاة على عاتقهم. فالقاضي في الأردن ليس مجرد موظف عام، بل هو رمزٌ لهيبة الدولة، ومؤتمنٌ على أرواح الناس وأموالهم وأعراضهم.
هيبة القضاء تبدأ من بيئة القاضي
إن تعزيز هيبة القاضي يبدأ بتوفير حياة كريمة تليق بمقامه الرفيع، وتُحصنه من ضغوط الحياة ومتطلباتها. وفي هذا السياق، تبرز مطالبات موضوعية تستحق التوقف عندها بجدية، منها زيادة الرواتب تماشيا مع معدلات التضخم وتصاعد اعباء المعيشة وتتاكل القيم الفعلية للرواتب الثابته والتأمين الصحي و تفعيل مزايا عملية كإعفاء سيارات القضاة من الرسوم الجمركية؛ فليس الهدف هنا هو الترفيه، بل تأمين وسيلة تنقل تليق بمكانة القاضي وتضمن أمنه وتحركاته، وتعكس صورة تليق بصرح العدالة الذي يمثله.
الاستثمار في الأجيال: مكرمة للأبناء
ولا يقل أهمية عن ذلك، النظر في ملف "مكرمة لأبناء القضاة" في التعليم الجامعي. إن القاضي الذي يكرس سنوات عمره في خدمة العدالة، بعيداً عن أي مصالح شخصية، يستحق أن تُوليه الدولة رعايةً خاصة لأبنائه. هذه المكرمة ليست منحةً، بل هي استثمار في جيلٍ يتربى في كنف قيم النزاهة والعدل، وتعبيرٌ عن تقدير المجتمع والدولة لهذه "المهنة المتاعب" التي تضحي بخصوصية القاضي وحياته الاجتماعية في سبيل ميزان الحق.
إننا في الأردن، إذ نعتز بنزاهة قضائنا، ندرك أن الاستثمار في الإنسان (القاضي) هو الاستثمار الأكثر ربحاً للوطن. إن توفير هذه المزايا هو رسالة واضحة لكل من يعتلي منصة القضاء بأن "الدولة معكم"، وأن ما تقدمونه من جهدٍ فكري وعصبي في سبيل إقامة العدل، مُقدر ومحفوظ.
القضاء ليس بحاجة لأن يطالب، بل الدولة مطالبةٌ بأن تلتفت لمكانة حماة القانون. إن هذه الحقوق هي أدوات تمكين، وليست مظاهر رفاهية، وهي خطوة ضرورية لترسيخ "دولة القانون" التي نطمح إليها جميعاً.



