القلعة نيوز:
بقلم: فواز أرفيفان خالد الخريشا
ليس كل ما يُنشر حقيقة، وليس كل ما يُتداول عبر منصات التواصل الاجتماعي يستحق التصديق، وليس كل خريطة تظهر أمامنا وثيقةً رسمية أو واقعًا قائمًا. ففي زمنٍ أصبحت فيه المعلومة تنتشر خلال ثوانٍ، أصبحت الإشاعة قادرةً على عبور الحدود والتغلغل في المجتمع قبل أن تصل الحقيقة إلى الناس.
وحين تتعلق الإشاعة بأرض الأردن وحدوده وسيادته، فإنها تتجاوز كونها منشورًا عابرًا؛ لأنها تلامس وجدان المواطن وتمس ثوابت الدولة. وما نشهده من خرائط مجهولة المصدر وروايات تتحدث عن اقتطاع أراضٍ أردنية أو ممرات مزعومة أو تغييرات في الحدود، يستوجب موقفًا رسميًا واضحًا لا يحتمل التأجيل.
هنا يجب أن تتقدم الحكومة، وأن يخرج الناطق الرسمي باسمها إلى الأردنيين بكلمة دولة واضحة وحاسمة، تضع الحقيقة أمام الرأي العام، وتصل بها إلى القاصي والداني، وتقطع الطريق على المغرضين والمروجين. فإذا كانت هذه الخرائط والادعاءات لا أساس لها، فلتقل الحكومة ذلك صراحة، وليصدر النفي الرسمي بلا مواربة؛ لأن القضايا التي تمس الأرض والسيادة لا تحتمل أن تترك للروايات المتداولة.
فالناطق الرسمي ليس مجرد ناقلٍ لخبر الحكومة، بل هو صوت الدولة عندما يحتاج الناس إلى اليقين. وعندما تتعدد الروايات وتغيب المعلومة الموثوقة، تصبح الكلمة الرسمية مسؤولية وطنية؛ لأنها تمنع الفراغ الذي تتسلل منه الشائعة.
الدولة لا ينبغي أن تترك الحقيقة وحيدة في مواجهة الضجيج.
الأردن دولة ذات سيادة، وأرضه خط أحمر. وهذه الأرض ليست خطوطًا على شاشة أو أرقامًا في خريطة؛ إنها وطنٌ حمل أبناؤه مسؤولية الدفاع عنه، ووقف رجاله في وجه الأخطار، وسقط شهداء على ثراه، وحملت الأجيال أمانته جيلاً بعد جيل.
الأرض التي حُفظت بالدم لا يجوز أن تُستباح بالإشاعة، والوطن الذي صانه الرجال لا يملك مجهولٌ خلف شاشة أن يعيد رسمه.
ومن يظن أن تكرار رواية كاذبة يجعلها حقيقة، أو أن تداول خريطة مجهولة يمنحها صفة الوثيقة، فهو واهم. فالواقع لا يتغير بعدد المشاركات، والسيادة لا تُمنح بضغطة زر، والحدود لا تُرسم في فضاء إلكتروني.
ومن هنا، يجب أن يكون للجهات المختصة بمكافحة الجرائم الإلكترونية دور فاعل في رصد مصادر التضليل، وتتبع الحسابات التي تتعمد اختلاق المعلومات أو تزييفها، وكشف الحملات المنظمة، وملاحقة من يثبت قانونيًا تعمده الإساءة إلى الوطن أو إثارة البلبلة حول أمنه وسيادته.
لكن الحزم لا يعني الفوضى في استخدام القانون؛ فالنقد حق، والسؤال حق، والاختلاف لا يعني العداء. هناك فرق بين من يبحث عن الحقيقة، وبين من يصنع الكذبة ويعرف زيفها ثم يدفع بها إلى الناس. المحاسبة يجب أن تستند إلى دليل وفعل ثابت، لا إلى الظن والانطباع.
أما المواطن، فعليه أن يعرف أن إعادة النشر ليست فعلًا بلا مسؤولية. قد تحتاج إلى ثانية واحدة لتضغط زر المشاركة، لكنك قد تمنح رواية مجهولة آلاف القراءات، وتساعد دون قصد في نقلها من شاشة إلى عقل، ومن عقل إلى مجتمع.
لذلك، قبل أن تنشر، اسأل: من المصدر؟ أين الدليل؟ هل صدرت المعلومة عن جهة رسمية؟ ومن المستفيد من انتشارها؟
العقل الواعي لا يصدق كل ما يرى، ولا يرفض كل ما يسمع؛ بل يبحث عن الحقيقة قبل أن يصدر حكمه.
إن مواجهة هذه الظاهرة مسؤولية مشتركة، لكن المبادرة يجب أن تبدأ من الدولة: حكومة حاضرة، وناطق رسمي واضح، ومؤسسات مختصة تتابع وفق القانون، ومواطن يعرف أن حماية الوطن تبدأ أحيانًا من الامتناع عن نشر ما لا يعرف حقيقته.
فالصمت حين تتضخم الإشاعة قد يترك لها مجالًا أوسع، أما الحقيقة إذا قيلت في وقتها فتغلق أبوابًا كثيرة قبل أن تُفتح.
نريد من الحكومة أن تكون أسرع من الإشاعة، ومن الناطق الرسمي أن يكون صوت الحقيقة قبل أن يصبح الغموض مادةً للتأويل، ومن المؤسسات أن تضع حدًا قانونيًا لمن يتعمد التضليل، ومن المواطن أن يحرس وعيه قبل أن يضغط زر المشاركة.
ولا يجوز أن نسمح لمن يصنع الإشاعة خارج الوطن أن يجد داخل الوطن من يمنحها المنبر والانتشار. فالأردن ليس ساحةً مباحة لكل رواية، ولا أرضه موضوعًا للمزايدات، ولا سيادته مادةً للعبث الإلكتروني.
هذا وطنٌ له دولة، وله حدود، وله سيادة، وله رجال يحرسونه. ومن يتطاول عليه أو يتعمد الإساءة إليه أو يروّج ما يمس أمنه واستقراره، فعليه أن يدرك أن القانون فوق الجميع.
وفي مقدمة حماة الأردن يقف جيشنا العربي وأجهزتنا الأمنية، درع الوطن وحصنه المنيع؛ رجالٌ نذروا أنفسهم لحماية أمنه واستقراره، وصون حدوده، والذود عن ترابه، فكانوا وما زالوا عنوانًا للوفاء والانضباط والتضحية.
حمى الله الأردن، وحفظ ترابه وسيادته وأمنه واستقراره، وأدام على وطننا عزه ومنعته، في ظل مولاي جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين المعظم، وولي عهده الأمين.
بقلم: فواز أرفيفان خالد الخريشا




