القلعة نيوز - من روبوت "سوبرمان" الذي تقول شركة Unitree إنه تجاوز سرعة يوسين بولت، إلى عشرات مراكز التدريب التي تنتشر في أنحاء الصين.. سباق الروبوتات البشرية يدخل مرحلة جديدة، لكن السؤال الأصعب لم يعد: هل تستطيع الآلة أن تتحرك؟ بل: هل تستطيع أن تتعلم وتنجز عملاً مفيداً؟
لم تعد الصين تكتفي بصناعة الروبوتات البشرية واستعراض قدرتها على الجري والقفز والرقص، بل بدأت في بناء ما يشبه "مدارس ومصانع تدريب" للآلات، في محاولة لمعالجة واحدة من أكبر مشكلات الذكاء الاصطناعي المتجسد: نقص البيانات التي يحتاجها الروبوت كي يتعلم التعامل مع العالم الحقيقي.
وفي الوقت الذي تتسابق فيه الشركات الصينية على تطوير روبوتات أكثر سرعة وقوة، تتسابق الحكومات المحلية ومراكز الأبحاث على إنشاء بيئات حقيقية تتعلم فيها هذه الآلات كيف تلتقط الأشياء، وتفتح الأبواب، وتنقل الطرود، وتتعامل مع الأدوات والآلات.
لكن خلف هذه الصورة الطموحة، تظهر مفارقة لافتة: الصين تبدو متقدمة جداً في تصنيع جسم الروبوت، لكنها لا تزال تواجه تحدياً أكثر تعقيداً في بناء "عقل" يستطيع استخدام هذا الجسم بكفاءة.
في أغسطس/آب الجاري، كشفت شركة Unitree الصينية عن روبوت بشري يحمل اسم "Superman"، وقالت إن النموذج الأولي تمكن من الوصول إلى سرعة 12.66 متر في الثانية، أي نحو 45.6 كيلومتر في الساعة، وهي سرعة تتجاوز الرقم الشائع لأعلى سرعة لحظية حققها العداء الجامايكي يوسين بولت، والتي تقدر بنحو 12.42 متر في الثانية خلال سباقه القياسي في برلين عام 2009.
لكن مهنياً، يجب وضع هذه المقارنة في سياقها الصحيح: رقم الروبوت هو ادعاء صادر عن الشركة، وليس رقماً قياسياً مستقلاً معتمداً.
ومع ذلك، فإن الفيديو والقدرات الحركية التي تستعرضها شركات الروبوتات الصينية تكشف مدى السرعة التي تطورت بها تقنيات الحركة الآلية خلال السنوات الأخيرة.
والأكثر إثارة أن هذا الاستعراض جاء قبل أيام قليلة من إدراج "Unitree" في بورصة شنغهاي، حيث كانت النتيجة لافتة للغاية.
فقد قفز سهم الشركة في أول جلسة تداول بنحو 460%، بعدما ارتفع خلال الجلسة بما يصل إلى 629% قبل أن يغلق عند مستوى 845 يواناً.
وأصبحت "Unitree" بذلك واحدة من أبرز قصص المضاربة والاستثمار في قطاع الروبوتات البشرية الصيني.
لكن السوق نفسها قدمت لاحقاً تذكيراً بأن ارتفاع الأسهم لا يعني بالضرورة أن التكنولوجيا وصلت إلى مرحلة النضج التجاري؛ إذ تراجع السهم لاحقاً بنحو 30% عن ذروته، وفق "رويترز".
وهنا تبدأ القصة الحقيقية. المشكلة ليست في أن الروبوت يمشي.. بل في أن يفهم.
ويمكن للروبوت أن يمشي ويركض ويقفز ويؤدي حركات تبدو مذهلة أمام الكاميرات، لكن وضعه داخل مصنع أو مستودع أو منزل يغير المعادلة بالكامل.
ففي العالم الحقيقي، لا يكفي أن يعرف الروبوت كيف يتحرك؛ عليه أن يعرف ماذا يفعل، ولماذا يفعله، وكيف يتعامل مع الأشياء عندما لا تسير الأمور كما هو متوقع، فالتقاط كوب مثلاً ليس مجرد تحريك ذراع من نقطة إلى أخرى.
على الروبوت أن يحدد مكان الكوب، ووزنه وشكله، ومدى قوة قبضته، وأن يتعامل مع احتمال أن يكون الكوب ممتلئاً، وأن يحافظ على توازنه أثناء الحركة، ثم يصب السائل من دون أن يسقط الكوب أو يسكب محتواه، وهذه التفاصيل الصغيرة بالنسبة للإنسان تمثل تحدياً هائلاً للآلة.
ولهذا باتت البيانات والتدريب إحدى أهم ساحات المنافسة العالمية في مجال الروبوتات.
وتتحرك الصين في هذا المجال على نطاق واسع. فبحسب تقرير صادر عن الأكاديمية الصينية لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات، كان هناك أكثر من 70 مركزاً ومنشأة لتدريب الذكاء المتجسد قيد التشغيل بنهاية يونيو/ حزيران 2026، بينما كانت 46 منشأة أخرى قيد الإنشاء أو التخطيط. وتنتشر هذه المنشآت في 18 منطقة على مستوى المقاطعات.
وهذه المراكز ليست مجرد مختبرات أبحاث، إنها بيئات تحاكي أماكن العمل والحياة اليومية، حيث تتدرب الروبوتات على مهام حقيقية.
في أحد مراكز التدريب، على سبيل المثال، تتدرب الروبوتات على التقاط مفتاح وإدخاله في قفل وتدويره، بينما تحاكي منشآت أخرى متاجر ومخازن ومراكز لوجستية ومصانع.
وفي مركز بمدينة جينان، تُدرّب الروبوتات على مجموعة من السيناريوهات الواقعية، من الفرز الصناعي إلى المهام المنزلية، باستخدام تقنيات تسجل حركات الإنسان وتحولها إلى بيانات يمكن للروبوتات الاستفادة منها.
بمعنى آخر، الصين لا تبني الروبوت فقط، إنها تبني البيئة التي سيتعلم فيها الروبوت كيف يكون روبوتاً مفيداً.
وتحتاج الروبوتات هذه البيانات لأن الذكاء الذي يجعل الإنسان يتعامل مع الأشياء بصورة طبيعية لا يأتي من كتاب تعليمات بسيط.
فالإنسان يتعلم من ملايين التجارب الحسية والحركية منذ الطفولة: يرى، يلمس، يرفع، يسقط، يخطئ، ويكرر المحاولة، أما الروبوت، فيحتاج إلى تحويل هذه التجارب إلى بيانات قابلة للتعلم.
وتزداد المشكلة تعقيداً لأن بيانات العالم الحقيقي ليست موجودة ببساطة على الإنترنت مثل النصوص والصور.
فالروبوت يحتاج إلى بيانات عن الحركة والرؤية واللمس وعزم المفاصل والتفاعل مع البيئة، وهي بيانات لا يمكن الحصول عليها بالطريقة التقليدية نفسها التي تُجمع بها بيانات نماذج الذكاء الاصطناعي النصية، وهنا تكمن أهمية مراكز التدريب الصينية.
وتحاول الصين تحويل عملية تعليم الروبوت من نشاط مختبري محدود إلى صناعة متكاملة لإنتاج البيانات.
من يملك البيانات قد يملك الروبوتات
هذه النقطة ربما تكون أهم من قدرة أي روبوت منفرد على الركض أو القفز. فالسباق الحقيقي في الذكاء المتجسد قد لا يكون فقط حول من يصنع أفضل محرك أو أخف هيكل أو أقوى بطارية، بل حول من يستطيع جمع أكبر كمية من البيانات عالية الجودة؟، ومن يستطيع تحويلها إلى نماذج تجعل الروبوت قادراً على الانتقال من تنفيذ حركة مبرمجة مسبقاً إلى فهم مهمة جديدة والتكيف معها؟
وتشير البيانات الصينية إلى أن هذا الأمر يتحول بالفعل إلى بنية تحتية وطنية.
وتتركز منشآت التدريب في ثلاث مناطق صناعية رئيسية، هي دلتا نهر اليانغتسي، ومنطقة بكين-تيانجين-خبي، ودلتا نهر اللؤلؤ، بما يعكس ارتباط سباق الروبوتات بمراكز التصنيع والتكنولوجيا الصينية الكبرى.
لكن أين السوق؟
هنا تظهر المفارقة الأكبر. فالصين تستطيع إنتاج الروبوتات بأعداد كبيرة، وتستطيع بناء مراكز تدريب لها، وتستطيع جذب الاستثمارات إليها. لكن السؤال الاقتصادي يبقى: من سيشتري هذه الروبوتات؟ وماذا ستفعل فعلياً؟
تقول "رويترز" إن أكثر من 150 شركة صينية تتنافس في قطاع الروبوتات البشرية، في وقت لا تزال فيه التكنولوجيا تواجه تحديات تتعلق بالذكاء، والدقة، والتكلفة، والقدرة على تنفيذ مهام حقيقية بصورة موثوقة. كما أن كثيراً من عروض الروبوتات الحالية تبدو أكثر إبهاراً على المسرح منها في خطوط الإنتاج الفعلية.
وهذا يخلق مشكلة اقتصادية كلاسيكية: الإنتاج يسبق الطلب. فإذا أنتجت عشرات الشركات آلاف الروبوتات قبل أن تصبح هناك حاجة اقتصادية حقيقية إليها، فقد تجد الصناعة نفسها أمام فائض في الطاقة الإنتاجية، وانخفاض في الأسعار، وضغط على الأرباح، ثم عمليات اندماج واستحواذ وخروج للشركات الأضعف.
ولا تعتبر هذه الظاهرة غريبة على الاقتصاد الصيني، الذي شهد في قطاعات أخرى مثل السيارات الكهربائية والطاقة الشمسية موجات توسع هائلة أعقبها اشتداد المنافسة والضغط على الأسعار.
هل Unitree قصة نجاح أم إنذار مبكر؟
قصة "Unitree" تلخص التناقض كله. فمن ناحية، الشركة تملك منتجات حقيقية، وتطور روبوتات قادرة على الحركة والركض، وتمكنت من جذب اهتمام المستثمرين.
ومن ناحية أخرى، جاء صعود سهمها بصورة تفوق بكثير ما يمكن أن تبرره المؤشرات التجارية الحالية وحدها، ما دفع محللين إلى التحذير من انفصال التقييمات عن الاستخدامات التجارية الفعلية.
وبحسب "فايننشال تايمز"، بلغت قيمة الشركة السوقية بعد الإدراج مستويات ضخمة مقارنة بإيراداتها المتوقعة، في مؤشر على أن المستثمرين لا يشترون بالضرورة أرباح اليوم، وإنما يراهنون على حجم سوق الروبوتات في المستقبل.
وهذا هو الفارق بين الثورة والفقاعة. الثورة تعني أن التكنولوجيا تبدأ في خلق قيمة اقتصادية حقيقية. أما الفقاعة فتعني أن التوقعات ترتفع أسرع من قدرة التكنولوجيا على إنتاج تلك القيمة.
الصين لا تراهن على الحاضر فقط
ومع ذلك، سيكون من الخطأ اختزال ما يحدث في الصين باعتباره مجرد مضاربة. فالحكومة الصينية تنظر إلى الروبوتات البشرية والذكاء المتجسد باعتبارهما جزءاً من سباق صناعي واستراتيجي طويل الأجل، خصوصاً في ظل شيخوخة السكان وتراجع حجم القوى العاملة في المستقبل.
وتراهن بكين على الجمع بين ثلاث نقاط قوة: (التصنيع واسع النطاق + الذكاء الاصطناعي + البيانات الميدانية).
وقد هذا المزيج شديد القوة إذا نجحت الصين في تحويل كثافة الإنتاج والتجارب إلى روبوتات تستطيع فعلاً القيام بوظائف اقتصادية بتكلفة أقل من الإنسان.
وتشير تقارير حديثة إلى أن المهام الصناعية المتكررة والقابلة للتوحيد، مثل التجميع ونقل المكونات والمواد، قد تكون من أوائل المجالات التي تصل فيها الروبوتات البشرية إلى تطبيق تجاري عملي.
هل تصنع الصين ثورة أم مقبرة مليارية؟
بما تكون الإجابة: كلاهما ممكن في الوقت نفسه، فقد تفشل عشرات الشركات الصينية في تحقيق الأرباح، وقد تنهار تقييمات بعض شركات الروبوتات بعد موجة المضاربة الحالية. لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن استراتيجية الصين فشلت.
ففي الصناعات التكنولوجية الكبرى، لا تحتاج الدولة إلى نجاح كل شركة حتى تحقق تقدماً استراتيجياً.
وقد تسقط الشركات الأضعف، وتنخفض الأسعار، وتندمج الشركات، وتختفي أسماء كثيرة، بينما تبقى التكنولوجيا نفسها وتتقدم.
وهذا يعني أن "المقبرة المليارية" قد تكون، paradoxically، جزءاً من الطريق إلى الثورة، فالسؤال ليس ما إذا كانت كل شركات الروبوتات الصينية ستنجح، ولكن السؤال الحقيقي هو: هل ستتمكن الصين من تحويل هذه الاستثمارات الضخمة، ومراكز التدريب، وآلاف التجارب، وملايين البيانات، إلى روبوتات تستطيع القيام بأعمال حقيقية بكفاءة واقتصاد؟
وإذا حدث ذلك، فقد تكون الصين لا تبني مجرد صناعة جديدة، بل بنية تحتية لاقتصاد آلي بالكامل.
أما إذا بقيت الروبوتات ممتازة في الرقص والقفز والركض، وعاجزة عن إنجاز المهام اليومية المعقدة بتكلفة تنافسية، فقد ينظر العالم بعد سنوات إلى هذه المرحلة باعتبارها واحدة من أكبر موجات المضاربة التكنولوجية في القرن.
وفي الحالتين، هناك حقيقة بدأت تتضح: المعركة لم تعد حول من يستطيع صناعة روبوت يمشي، بل المعركة الآن حول من يستطيع تعليم الروبوت لماذا يمشي، وإلى أين يذهب، وماذا يفعل عندما يصل. وهنا تحديداً قد تكون الصين قد بدأت واحدة من أكثر التجارب الصناعية طموحاً في القرن الحادي والعشرين.
العربية
لم تعد الصين تكتفي بصناعة الروبوتات البشرية واستعراض قدرتها على الجري والقفز والرقص، بل بدأت في بناء ما يشبه "مدارس ومصانع تدريب" للآلات، في محاولة لمعالجة واحدة من أكبر مشكلات الذكاء الاصطناعي المتجسد: نقص البيانات التي يحتاجها الروبوت كي يتعلم التعامل مع العالم الحقيقي.
وفي الوقت الذي تتسابق فيه الشركات الصينية على تطوير روبوتات أكثر سرعة وقوة، تتسابق الحكومات المحلية ومراكز الأبحاث على إنشاء بيئات حقيقية تتعلم فيها هذه الآلات كيف تلتقط الأشياء، وتفتح الأبواب، وتنقل الطرود، وتتعامل مع الأدوات والآلات.
لكن خلف هذه الصورة الطموحة، تظهر مفارقة لافتة: الصين تبدو متقدمة جداً في تصنيع جسم الروبوت، لكنها لا تزال تواجه تحدياً أكثر تعقيداً في بناء "عقل" يستطيع استخدام هذا الجسم بكفاءة.
في أغسطس/آب الجاري، كشفت شركة Unitree الصينية عن روبوت بشري يحمل اسم "Superman"، وقالت إن النموذج الأولي تمكن من الوصول إلى سرعة 12.66 متر في الثانية، أي نحو 45.6 كيلومتر في الساعة، وهي سرعة تتجاوز الرقم الشائع لأعلى سرعة لحظية حققها العداء الجامايكي يوسين بولت، والتي تقدر بنحو 12.42 متر في الثانية خلال سباقه القياسي في برلين عام 2009.
لكن مهنياً، يجب وضع هذه المقارنة في سياقها الصحيح: رقم الروبوت هو ادعاء صادر عن الشركة، وليس رقماً قياسياً مستقلاً معتمداً.
ومع ذلك، فإن الفيديو والقدرات الحركية التي تستعرضها شركات الروبوتات الصينية تكشف مدى السرعة التي تطورت بها تقنيات الحركة الآلية خلال السنوات الأخيرة.
والأكثر إثارة أن هذا الاستعراض جاء قبل أيام قليلة من إدراج "Unitree" في بورصة شنغهاي، حيث كانت النتيجة لافتة للغاية.
فقد قفز سهم الشركة في أول جلسة تداول بنحو 460%، بعدما ارتفع خلال الجلسة بما يصل إلى 629% قبل أن يغلق عند مستوى 845 يواناً.
وأصبحت "Unitree" بذلك واحدة من أبرز قصص المضاربة والاستثمار في قطاع الروبوتات البشرية الصيني.
لكن السوق نفسها قدمت لاحقاً تذكيراً بأن ارتفاع الأسهم لا يعني بالضرورة أن التكنولوجيا وصلت إلى مرحلة النضج التجاري؛ إذ تراجع السهم لاحقاً بنحو 30% عن ذروته، وفق "رويترز".
وهنا تبدأ القصة الحقيقية. المشكلة ليست في أن الروبوت يمشي.. بل في أن يفهم.
ويمكن للروبوت أن يمشي ويركض ويقفز ويؤدي حركات تبدو مذهلة أمام الكاميرات، لكن وضعه داخل مصنع أو مستودع أو منزل يغير المعادلة بالكامل.
ففي العالم الحقيقي، لا يكفي أن يعرف الروبوت كيف يتحرك؛ عليه أن يعرف ماذا يفعل، ولماذا يفعله، وكيف يتعامل مع الأشياء عندما لا تسير الأمور كما هو متوقع، فالتقاط كوب مثلاً ليس مجرد تحريك ذراع من نقطة إلى أخرى.
على الروبوت أن يحدد مكان الكوب، ووزنه وشكله، ومدى قوة قبضته، وأن يتعامل مع احتمال أن يكون الكوب ممتلئاً، وأن يحافظ على توازنه أثناء الحركة، ثم يصب السائل من دون أن يسقط الكوب أو يسكب محتواه، وهذه التفاصيل الصغيرة بالنسبة للإنسان تمثل تحدياً هائلاً للآلة.
ولهذا باتت البيانات والتدريب إحدى أهم ساحات المنافسة العالمية في مجال الروبوتات.
وتتحرك الصين في هذا المجال على نطاق واسع. فبحسب تقرير صادر عن الأكاديمية الصينية لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات، كان هناك أكثر من 70 مركزاً ومنشأة لتدريب الذكاء المتجسد قيد التشغيل بنهاية يونيو/ حزيران 2026، بينما كانت 46 منشأة أخرى قيد الإنشاء أو التخطيط. وتنتشر هذه المنشآت في 18 منطقة على مستوى المقاطعات.
وهذه المراكز ليست مجرد مختبرات أبحاث، إنها بيئات تحاكي أماكن العمل والحياة اليومية، حيث تتدرب الروبوتات على مهام حقيقية.
في أحد مراكز التدريب، على سبيل المثال، تتدرب الروبوتات على التقاط مفتاح وإدخاله في قفل وتدويره، بينما تحاكي منشآت أخرى متاجر ومخازن ومراكز لوجستية ومصانع.
وفي مركز بمدينة جينان، تُدرّب الروبوتات على مجموعة من السيناريوهات الواقعية، من الفرز الصناعي إلى المهام المنزلية، باستخدام تقنيات تسجل حركات الإنسان وتحولها إلى بيانات يمكن للروبوتات الاستفادة منها.
بمعنى آخر، الصين لا تبني الروبوت فقط، إنها تبني البيئة التي سيتعلم فيها الروبوت كيف يكون روبوتاً مفيداً.
وتحتاج الروبوتات هذه البيانات لأن الذكاء الذي يجعل الإنسان يتعامل مع الأشياء بصورة طبيعية لا يأتي من كتاب تعليمات بسيط.
فالإنسان يتعلم من ملايين التجارب الحسية والحركية منذ الطفولة: يرى، يلمس، يرفع، يسقط، يخطئ، ويكرر المحاولة، أما الروبوت، فيحتاج إلى تحويل هذه التجارب إلى بيانات قابلة للتعلم.
وتزداد المشكلة تعقيداً لأن بيانات العالم الحقيقي ليست موجودة ببساطة على الإنترنت مثل النصوص والصور.
فالروبوت يحتاج إلى بيانات عن الحركة والرؤية واللمس وعزم المفاصل والتفاعل مع البيئة، وهي بيانات لا يمكن الحصول عليها بالطريقة التقليدية نفسها التي تُجمع بها بيانات نماذج الذكاء الاصطناعي النصية، وهنا تكمن أهمية مراكز التدريب الصينية.
وتحاول الصين تحويل عملية تعليم الروبوت من نشاط مختبري محدود إلى صناعة متكاملة لإنتاج البيانات.
من يملك البيانات قد يملك الروبوتات
هذه النقطة ربما تكون أهم من قدرة أي روبوت منفرد على الركض أو القفز. فالسباق الحقيقي في الذكاء المتجسد قد لا يكون فقط حول من يصنع أفضل محرك أو أخف هيكل أو أقوى بطارية، بل حول من يستطيع جمع أكبر كمية من البيانات عالية الجودة؟، ومن يستطيع تحويلها إلى نماذج تجعل الروبوت قادراً على الانتقال من تنفيذ حركة مبرمجة مسبقاً إلى فهم مهمة جديدة والتكيف معها؟
وتشير البيانات الصينية إلى أن هذا الأمر يتحول بالفعل إلى بنية تحتية وطنية.
وتتركز منشآت التدريب في ثلاث مناطق صناعية رئيسية، هي دلتا نهر اليانغتسي، ومنطقة بكين-تيانجين-خبي، ودلتا نهر اللؤلؤ، بما يعكس ارتباط سباق الروبوتات بمراكز التصنيع والتكنولوجيا الصينية الكبرى.
لكن أين السوق؟
هنا تظهر المفارقة الأكبر. فالصين تستطيع إنتاج الروبوتات بأعداد كبيرة، وتستطيع بناء مراكز تدريب لها، وتستطيع جذب الاستثمارات إليها. لكن السؤال الاقتصادي يبقى: من سيشتري هذه الروبوتات؟ وماذا ستفعل فعلياً؟
تقول "رويترز" إن أكثر من 150 شركة صينية تتنافس في قطاع الروبوتات البشرية، في وقت لا تزال فيه التكنولوجيا تواجه تحديات تتعلق بالذكاء، والدقة، والتكلفة، والقدرة على تنفيذ مهام حقيقية بصورة موثوقة. كما أن كثيراً من عروض الروبوتات الحالية تبدو أكثر إبهاراً على المسرح منها في خطوط الإنتاج الفعلية.
وهذا يخلق مشكلة اقتصادية كلاسيكية: الإنتاج يسبق الطلب. فإذا أنتجت عشرات الشركات آلاف الروبوتات قبل أن تصبح هناك حاجة اقتصادية حقيقية إليها، فقد تجد الصناعة نفسها أمام فائض في الطاقة الإنتاجية، وانخفاض في الأسعار، وضغط على الأرباح، ثم عمليات اندماج واستحواذ وخروج للشركات الأضعف.
ولا تعتبر هذه الظاهرة غريبة على الاقتصاد الصيني، الذي شهد في قطاعات أخرى مثل السيارات الكهربائية والطاقة الشمسية موجات توسع هائلة أعقبها اشتداد المنافسة والضغط على الأسعار.
هل Unitree قصة نجاح أم إنذار مبكر؟
قصة "Unitree" تلخص التناقض كله. فمن ناحية، الشركة تملك منتجات حقيقية، وتطور روبوتات قادرة على الحركة والركض، وتمكنت من جذب اهتمام المستثمرين.
ومن ناحية أخرى، جاء صعود سهمها بصورة تفوق بكثير ما يمكن أن تبرره المؤشرات التجارية الحالية وحدها، ما دفع محللين إلى التحذير من انفصال التقييمات عن الاستخدامات التجارية الفعلية.
وبحسب "فايننشال تايمز"، بلغت قيمة الشركة السوقية بعد الإدراج مستويات ضخمة مقارنة بإيراداتها المتوقعة، في مؤشر على أن المستثمرين لا يشترون بالضرورة أرباح اليوم، وإنما يراهنون على حجم سوق الروبوتات في المستقبل.
وهذا هو الفارق بين الثورة والفقاعة. الثورة تعني أن التكنولوجيا تبدأ في خلق قيمة اقتصادية حقيقية. أما الفقاعة فتعني أن التوقعات ترتفع أسرع من قدرة التكنولوجيا على إنتاج تلك القيمة.
الصين لا تراهن على الحاضر فقط
ومع ذلك، سيكون من الخطأ اختزال ما يحدث في الصين باعتباره مجرد مضاربة. فالحكومة الصينية تنظر إلى الروبوتات البشرية والذكاء المتجسد باعتبارهما جزءاً من سباق صناعي واستراتيجي طويل الأجل، خصوصاً في ظل شيخوخة السكان وتراجع حجم القوى العاملة في المستقبل.
وتراهن بكين على الجمع بين ثلاث نقاط قوة: (التصنيع واسع النطاق + الذكاء الاصطناعي + البيانات الميدانية).
وقد هذا المزيج شديد القوة إذا نجحت الصين في تحويل كثافة الإنتاج والتجارب إلى روبوتات تستطيع فعلاً القيام بوظائف اقتصادية بتكلفة أقل من الإنسان.
وتشير تقارير حديثة إلى أن المهام الصناعية المتكررة والقابلة للتوحيد، مثل التجميع ونقل المكونات والمواد، قد تكون من أوائل المجالات التي تصل فيها الروبوتات البشرية إلى تطبيق تجاري عملي.
هل تصنع الصين ثورة أم مقبرة مليارية؟
بما تكون الإجابة: كلاهما ممكن في الوقت نفسه، فقد تفشل عشرات الشركات الصينية في تحقيق الأرباح، وقد تنهار تقييمات بعض شركات الروبوتات بعد موجة المضاربة الحالية. لكن ذلك لا يعني بالضرورة أن استراتيجية الصين فشلت.
ففي الصناعات التكنولوجية الكبرى، لا تحتاج الدولة إلى نجاح كل شركة حتى تحقق تقدماً استراتيجياً.
وقد تسقط الشركات الأضعف، وتنخفض الأسعار، وتندمج الشركات، وتختفي أسماء كثيرة، بينما تبقى التكنولوجيا نفسها وتتقدم.
وهذا يعني أن "المقبرة المليارية" قد تكون، paradoxically، جزءاً من الطريق إلى الثورة، فالسؤال ليس ما إذا كانت كل شركات الروبوتات الصينية ستنجح، ولكن السؤال الحقيقي هو: هل ستتمكن الصين من تحويل هذه الاستثمارات الضخمة، ومراكز التدريب، وآلاف التجارب، وملايين البيانات، إلى روبوتات تستطيع القيام بأعمال حقيقية بكفاءة واقتصاد؟
وإذا حدث ذلك، فقد تكون الصين لا تبني مجرد صناعة جديدة، بل بنية تحتية لاقتصاد آلي بالكامل.
أما إذا بقيت الروبوتات ممتازة في الرقص والقفز والركض، وعاجزة عن إنجاز المهام اليومية المعقدة بتكلفة تنافسية، فقد ينظر العالم بعد سنوات إلى هذه المرحلة باعتبارها واحدة من أكبر موجات المضاربة التكنولوجية في القرن.
وفي الحالتين، هناك حقيقة بدأت تتضح: المعركة لم تعد حول من يستطيع صناعة روبوت يمشي، بل المعركة الآن حول من يستطيع تعليم الروبوت لماذا يمشي، وإلى أين يذهب، وماذا يفعل عندما يصل. وهنا تحديداً قد تكون الصين قد بدأت واحدة من أكثر التجارب الصناعية طموحاً في القرن الحادي والعشرين.
العربية




