شريط الأخبار
الملك يؤكد لـ عون أهمية دعم الجيش اللبناني الملك وماكرون يبحثان في باريس سبل تعزيز العلاقات الثنائية ( صور ) نظام معدل لإعفاء مصادر الطاقة المتجددة وترشيد استهلاك الطاقة الاحتلال يستكمل طرح 3401 وحدة استيطانية جديدة في مشروع "E1" بالقدس فاعليات عجلونية: توجيهات ولي العهد تعزز أولوية تحسين الخدمات والتنمية إجتماع ثلاثي يجمع الملك وعون وماكرون في باريس إدارة مكافحة المخدرات توقع ثلاث شبكات كبيرة لترويج المخدرات في العاصمة وإربد 2.97 مليار دولار حوالات المغتربين الأردنيين خلال 7 اشهر عاجل / الملك يعلن عن توقيع اتفاقية تعاون دفاعي مع فرنسا المحارمة: الحسين يرسم ملامح أردن المستقبل… والمواطن هو البوصلة جنى الحرباوي من عمان الأهلية تحصد المركز الثاني عالمياً في مبادرة دولية للسرد البصري عمان الأهلية تشارك في فعالية متخصصة حول استدامة نخيل التمر في الأردن البنك المركزي يحذر من جهات غير مرخصة تستدرج المواطنين بوعود التمويل حين يختار قادة التكنولوجيا سامسونج لتجربة تتجاوز حدود الهاتف التقليدي الحكومة تجدّد تعيين الشركس محافظا للبنك المركزي لمدة 5 سنوات سوزان مصطفى ممثلًا للضمان في إدارة الأسواق الحرة زين كاش راعٍ ماسي للمؤتمر الوطني الأول للتعليم التقني والتطبيقي (على خطى الحسين) "الفوسفات" تدعم مستشفى الكرك الحكومي والقطاع الصحي في المحافظة شكر وتقدير MiroFish: منصة ذكاء اصطناعي لمحاكاة السيناريوهات واتخاذ القرار

من حكمة الخوارزمي إلى رؤية الحسين.. الأردن يكتب خوارزمية المستقبل

من حكمة الخوارزمي إلى رؤية الحسين.. الأردن يكتب خوارزمية المستقبل
الأستاذ الدكتور أمجد الفاهوم

قبل أكثر من ألف عام، كان الخوارزمي يعمل في بيت الحكمة في بغداد، في زمن أدرك فيه المسلمون أن قوة الأمم لا تقوم على ما تملكه من معرفة فحسب، بل على قدرتها على تحويل هذه المعرفة إلى أدوات تغير حياة الناس. لم يكن الخوارزمي يعرف أن اسمه سيعبر القرون ليصبح أصلاً لكلمة Algorithm، وأن الخوارزميات التي أسهم في تأسيس منهجها ستصبح بعد قرون في قلب الحوسبة والذكاء الاصطناعي. ولم يكن ابن الهيثم، وهو يؤسس منهجاً يقوم على الملاحظة والتجربة والبرهان، يتخيل عالماً تستطيع فيه الآلة معالجة مليارات البيانات والتعلم منها. لكن الرجلين أدركا مبكراً حقيقة ما زالت تحكم التقدم حتى اليوم: العلم الذي لا يتحول إلى عمل يبقى ناقص الأثر.

ولعل هذه الحقيقة هي أفضل مدخل لفهم ما نشهده اليوم في الأردن. فحين يتابع سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، ولي العهد، ملفات تكنولوجيا المستقبل والذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي، ويوجه باستمرار نحو تسريع الإنجاز وبناء القدرات الوطنية وربط التكنولوجيا بالاقتصاد والخدمات وفرص الشباب، فإننا أمام رؤية تتعامل مع التكنولوجيا باعتبارها أداة للإنتاج والتنمية، لا موضوعاً للحديث عن المستقبل.

ومن هنا تأتي أهمية المتابعة الحثيثة التي يوليها سموه لأعمال المجلس الوطني لتكنولوجيا المستقبل. فالأفكار مهما كانت طموحة تحتاج إلى من يحولها إلى أولويات، والأولويات تحتاج إلى مؤسسات تتبناها، والمؤسسات تحتاج إلى متابعة تدفعها نحو الإنجاز. وما يلفت الانتباه في هذا المسار أن الزمن بين الفكرة والتطبيق بدأ يقصر، وأن بعض النتائج أصبحت تظهر في مشاريع يمكن رؤيتها وقياس أثرها.

ومن أبرز الأمثلة ما أعلنته مدينة العقبة الرقمية عن بدء استضافة وتشغيل منصة Klstrai المتخصصة في توفير قدرات حوسبة الذكاء الاصطناعي محلياً، بما يتيح للمؤسسات والشركات والمطورين تطوير التطبيقات وتشغيلها ومعالجة البيانات من داخل المملكة. وهذا التطور يأتي بعد أن افتتح سمو ولي العهد في تشرين الأول 2025 مدينة العقبة الرقمية، التي تضم أكبر مركز بيانات في الأردن بمساحة تقارب 17 ألف متر مربع وقدرة تشغيلية تصل إلى 12 ميغاواط، ومهيأة لاستضافة تقنيات الذكاء الاصطناعي.

وبذلك يصبح الربط بين الرؤية والبنية التحتية والتطبيق أكثر وضوحاً. فسمو الأمير الحسين يضع تكنولوجيا المستقبل في مقدمة الملفات التي يتابعها، والأردن يبني بنية رقمية متقدمة، واليوم تبدأ هذه البنية باستضافة قدرات حوسبة يمكن استخدامها فعلياً في تطوير تطبيقات الذكاء الاصطناعي. وهذه السرعة مهمة، لأن الدول في سباق التكنولوجيا لا تقاس فقط بما تمتلكه، بل بالوقت الذي تحتاجه لتحويل ما تمتلكه إلى قيمة اقتصادية.

ولنا أن نتخيل أثر ذلك على شاب أردني يمتلك فكرة لتطبيق يعتمد على الذكاء الاصطناعي، أو باحث يريد تدريب نموذج متقدم، أو شركة ناشئة تحتاج إلى قدرات معالجة مرتفعة دون أن تتحمل كلفة إنشاء بنية حاسوبية خاصة بها. عندما تتوفر هذه الإمكانات داخل المملكة، تصبح المسافة بين الفكرة والتجربة أقصر، وبين البحث والتطبيق أقرب، وبين الابتكار والسوق أكثر قابلية للاختصار.

وهنا يعود درس بيت الحكمة من جديد. فالخوارزمي لم يصنع أثره في فراغ، بل وجد بيئة احتضنت العلم والترجمة والحساب والفلك، وجمعت العلماء ووفرت لهم مساحة للعمل. وكذلك ابن الهيثم لم يترك أثراً لأنه امتلك المعرفة وحدها، وإنما لأنه تعامل معها بمنهج يقوم على السؤال والتجربة والتحقق. واليوم تغيرت الأدوات، لكن قاعدة التقدم لم تتغير كثيراً: موهبة تحتاج إلى فرصة، وعلم يحتاج إلى مؤسسة، وفكرة تحتاج إلى بيئة تسمح لها بأن تصبح منتجاً.

وهذا تحديداً ما يجعل التعليم التقني جزءاً أصيلاً من رؤية المستقبل التي يدفع سمو الأمير الحسين باتجاهها. فلا قيمة لمركز بيانات متقدم دون مهندسين وفنيين قادرين على تشغيله، ولا قيمة لقدرات حوسبة الذكاء الاصطناعي دون مطورين ومحللي بيانات ومختصي أمن سيبراني وحوسبة سحابية، ولا يمكن بناء اقتصاد رقمي مستدام إذا بقيت جامعاتنا تدرس التكنولوجيا أسرع مما تطبقها.

لذلك فإن مسؤولية الجامعات والكليات التقنية أصبحت أكبر. علينا أن ننتقل بالطالب من معرفة الذكاء الاصطناعي إلى استخدامه، ومن دراسة البيانات إلى تحليلها، ومن تعلم البرمجة إلى بناء الحلول، ومن مشروع التخرج الذي ينتهي على رف إلى مشروع يحل مشكلة في مصنع أو مستشفى أو مؤسسة أو شركة. فالاستثمار الحقيقي في التكنولوجيا يبدأ حين تتحول المعرفة إلى قدرة على الإنتاج.

وربما هنا يلتقي التاريخ بالمستقبل بطريقة لم يكن الخوارزمي نفسه يتصورها. فالخوارزمية التي بدأت مفهوماً رياضياً قبل قرون أصبحت اليوم تحرك اقتصاداً عالمياً، ومدينة العقبة التي عرفناها بوابة بحرية للأردن أصبحت تمتلك اليوم بوابة رقمية تمر عبرها البيانات وقدرات الحوسبة والذكاء الاصطناعي.

وبين بيت الحكمة ومدينة العقبة الرقمية قرون طويلة تغيرت فيها الأدوات، لكن فكرة واحدة بقيت حاضرة: الأمم التي تمنح العلم مكانه، وتبني له مؤسساته، وتتابع تحويله إلى عمل، هي التي تستطيع أن تحجز موقعها في المستقبل.

وفي الأردن اليوم، يدفع سمو الأمير الحسين بهذا الاتجاه من خلال متابعة متواصلة لتكنولوجيا المستقبل، وتركيز واضح على الشباب والذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي والإنجاز. وما نشهده من تطورات متسارعة يضع أمام مؤسساتنا مسؤولية أن تتحرك بالسرعة ذاتها.

لقد ترك لنا الخوارزمي الخوارزمية، وترك ابن الهيثم منهج التجربة والبرهان، أما جيلنا فقد أصبحت بين يديه أدوات لم تكن متاحة لأي جيل قبله.

والسؤال الذي سيحكم ما سيكتبه التاريخ عنا ليس ماذا وصل إلينا من المستقبل، بل ماذا صنعنا نحن به للأردن.