القلعة نيوز - بقلم: أستاذ مشارك محمد حرب بشير اللصاصمة
عميد كلية اللغات وعلومها
لَيْسَ مَجْلِسُ النُّوَّابِ الْأُرْدُنِيُّ مُجَرَّدَ مَبْنًى تَجْتَمِعُ تَحْتَ قُبَّتِهِ نُخْبَةٌ مُنْتَخَبَةٌ، وَلَا هُوَ مُجَرَّدَ جَلَسَاتٍ وَخُطَبٍ وَتَصْوِيتٍ عَلَى قَوَانِينِ وَقَرَارَاتٍ؛ إِنَّهُ فِي الْوَعْيِ الشَّعْبِيِّ مِرْآةٌ لِفِكْرَةِ التَّمْثِيلِ السِّيَاسِيِّ كُلِّهَا، وَمِيزَانٌ غَيْرُ مُبَاشِرٍ لِمَدَى قُرْبِ الْمُؤَسَّسَةِ السِّيَاسِيَّةِ مِنْ حَيَاةِ الْمُواطِنِ وَتَطَلُّعَاتِهِ وَمَخَاوِفِهِ.
وَمِنْ هُنَا، فَإِنَّ رَدَّةَ فِعْلِ الْمُواطِنِ تِجَاهَ الْمَجْلِسِ لَا يَنْبَغِي أَنْ تُفْهَمَ عَلَى أَنَّهَا تَقْيِيمٌ لِأَشْخَاصِ النُّوَّابِ فَقَطْ، بَلْ هِيَ، فِي جُزْءٍ كَبِيرٍ مِنْهَا، تَقْيِيمٌ لِقُدْرَةِ الْمَجْلِسِ عَلَى أَنْ يَكُونَ صَوْتًا حَقِيقِيًّا لِلنَّاسِ، وَمُؤَسَّسَةً فَاعِلَةً فِي صُنْعِ التَّشْرِيعِ وَالرَّقَابَةِ وَتَوْجِيهِ الْأَدَاءِ الْعَامِّ.
وَفِي النِّظَامِ الدُّسْتُورِيِّ الْأُرْدُنِيِّ، يَحْتَلُّ مَجْلِسُ النُّوَّابِ مَكَانَةً مَحْوَرِيَّةً فِي الْعَمَلِ التَّشْرِيعِيِّ وَالرَّقَابِيِّ، وَتَظْهَرُ قِيمَتُهُ الْحَقِيقِيَّةُ حِينَ يَتَحَوَّلُ هَذَا الِاخْتِصَاصُ مِنْ نُصُوصٍ دُسْتُورِيَّةٍ إِلَى مُمَارَسَةٍ يَشْعُرُ بِأَثَرِهَا الْمُواطِنُ فِي حَيَاتِهِ الْيَوْمِيَّةِ.
فَالْمُواطِنُ لَا يَقْرَأُ عَادَةً الْمَوَادَّ الدُّسْتُورِيَّةَ لِيُقَيِّمَ الْمَجْلِسَ، بَلْ يَرْصُدُ مَا يَرَاهُ وَيَسْمَعُهُ: كَيْفَ يُنَاقَشُ الْقَانُونُ؟
كَيْفَ تُطْرَحُ قَضَايَا الْمُجْتَمَعِ؟
كَيْفَ يَتَعَامَلُ النَّائِبُ مَعَ الْحُكُومَةِ؟
وَهَلْ يَمْلِكُ الْمَجْلِسُ الْقُدْرَةَ عَلَى مُسَاءَلَةٍ جَادَّةٍ، وَنِقَاشٍ عِلْمِيٍّ، وَمُقْتَرَحَاتٍ تَخْرُجُ مِنْ ضَجِيجِ الْكَلَامِ إِلَى أَرْضِ الْحُلُولِ؟
وَلَقَدْ دَخَلَتِ الْحَيَاةُ النِّيَابِيَّةُ الْأُرْدُنِيَّةُ مَرْحَلَةً جَدِيدَةً مَعَ انْتِخَابَاتِ 10 أَيْلُولَ 2024، الَّتِي جَرَتْ فِي ظِلِّ إِطَارٍ تَشْرِيعِيٍّ جَدِيدٍ لِلانْتِخَابِ وَالْأَحْزَابِ، وَهُوَ مَا جَعَلَ دَوْرَ الْمَجْلِسِ مُرْتَبِطًا بِسِيَاقٍ أَوْسَعَ مِنْ مُجَرَّدِ الْفَوْزِ بِالْمَقَاعِدِ؛ إِذْ يَرْتَبِطُ الْمَسَارُ الْجَدِيدُ بِزِيَادَةِ الْحُضُورِ الْحِزْبِيِّ وَتَعْزِيزِ الْعَمَلِ الْبَرْامَجِيِّ فِي الْحَيَاةِ النِّيَابِيَّةِ.
وَهُنَا تَبْدُو رَدَّةُ فِعْلِ الْمُواطِنِ أَكْثَرَ أَهَمِّيَّةً؛ لِأَنَّ الْمُجْتَمَعَ الْأُرْدُنِيَّ لَا يَنْتَظِرُ مِنَ الْمَجْلِسِ أَنْ يَكُونَ مُجَرَّدَ مَكَانٍ لِلْخِلَافِ السِّيَاسِيِّ، بَلْ يَنْتَظِرُ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ مَكَانًا لِإِنْتَاجِ الْحُلُولِ.
الْمُواطِنُ الْيَوْمَ أَكْثَرُ قُدْرَةً عَلَى الْمُقَارَنَةِ وَالْمُتَابَعَةِ وَإِبْدَاءِ الرَّأْيِ، وَأَقَلُّ اسْتِعْدَادًا لِتَقَبُّلِ الْخِطَابِ الْعَامِّ مِنْ دُونِ أَثَرٍ مَلْمُوسٍ.
وَلِذَلِكَ فَإِنَّ الْفَاصِلَ بَيْنَ النَّائِبِ وَمَنْتَخِبِهِ لَمْ يَعُدْ بَابَ الِانْتِخَابَاتِ وَحْدَهُ؛ فَهُوَ يَمُرُّ أَيْضًا عَبْرَ الْأَدَاءِ، وَالِاسْتِجَابَةِ، وَالْمُصَارَحَةِ، وَالْقُدْرَةِ عَلَى تَفْسِيرِ الْقَرَارِ وَتَحَمُّلِ مَسْؤُولِيَّتِهِ.
وَلَعَلَّ أَكْثَرَ مَا يُغَذِّي الْفَجْوَةَ بَيْنَ الْمُوَاطِنِ وَالْمَجْلِسِ هُوَ اخْتِلَافُ مَا يَعُدُّهُ كُلُّ طَرَفٍ «إِنْجَازًا».
فَقَدْ يَرَى النَّائِبُ أَنَّ حُضُورَهُ لِجَلْسَةٍ، أَوْ إِلْقَاءَهُ لِكَلِمَةٍ، أَوْ تَقْدِيمَهُ لِسُؤَالٍ، يُمَثِّلُ جُزْءًا مِنْ وَاجِبِهِ؛ وَهُوَ كَذَلِكَ مِنْ حَيْثُ الْمَبْدَأُ.
لَكِنَّ الْمُواطِنَ يَسْأَلُ سُؤَالًا آخَرَ: مَا النَّتِيجَةُ؟
مَاذَا تَغَيَّرَ؟
مَا الْمَشْكِلَةُ الَّتِي جَرَى حَلُّهَا؟
وَمَا الَّذِي أَصْبَحَ أَفْضَلَ بَعْدَ هَذَا النَّشَاطِ النِّيَابِيِّ؟
إِنَّهَا نُقْطَةُ الِانْتِقَالِ مِنْ «نَشَاطِ النَّائِبِ» إِلَى «أَثَرِ النَّائِبِ»؛ وَهِيَ مِنْ أَهَمِّ النُّقَاطِ الَّتِي سَتُحَدِّدُ مُسْتَقْبَلَ الْعَلَاقَةِ بَيْنَ مَجْلِسِ النُّوَّابِ وَالْمُجْتَمَعِ.
إِنَّ الْمُواطِنَ لَا يَطْلُبُ مِنَ النَّائِبِ أَنْ يَكُونَ صَاحِبَ إِجَابَةٍ لِكُلِّ مَشْكِلَةٍ؛ فَهَذَا دَوْرٌ لَا يَتَّفِقُ مَعَ مَنْطِقِ الدَّوْلَةِ وَمُؤَسَّسَاتِهَا.
وَلَكِنَّهُ يَطْلُبُ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ قَادِرًا عَلَى فَهْمِ الْمَشْكِلَةِ، وَتَحْدِيدِ مَسْؤُولِيَّةِ كُلِّ جِهَةٍ، وَمُتَابَعَةِ مَا يَتِمُّ بِشَأْنِهَا، وَإِطْلَاعِ النَّاسِ عَلَى مَا يَسْتَطِيعُ فِعْلَهُ وَمَا لَا يَسْتَطِيعُ.
فَالْوَعْدُ الِانْتِخَابِيُّ الَّذِي يَتَجَاوَزُ حُدُودَ الِاخْتِصَاصِ قَدْ يَصْنَعُ رِضًا لَحْظِيًّا، لَكِنَّهُ قَدْ يُنْتِجُ خَيْبَةً أَكْبَرَ عِنْدَ اكْتِشَافِ حُدُودِ الْإِمْكَانِ.
وَمِنْ هُنَا، فَإِنَّ الثِّقَةَ النِّيَابِيَّةَ لَا تُبْنَى بِكَثْرَةِ الْوُعُودِ، بَلْ بِوُضُوحِ الْمَوْقِفِ وَقَابِلِيَّةِ الْمُسَاءَلَةِ.
النَّائِبُ الَّذِي يَقُولُ لِمَنْتَخِبِهِ: «هَذَا مَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَفْعَلَهُ، وَهَذَا مَا يَتَجَاوَزُ صَلَاحِيَّتِي»، قَدْ يَبْدُو أَقَلَّ جَاذِبِيَّةً فِي لَحْظَةٍ مُعَيَّنَةٍ، وَلَكِنَّهُ يَبْنِي عَلاقَةً أَكْثَرَ صِدْقًا وَاسْتِدَامَةً.
أَمَّا النَّائِبُ الَّذِي يُحَوِّلُ كُلَّ مُطَالَبَةٍ إِلَى وَعْدٍ، فَقَدْ يَكْسِبُ لَحْظَةً وَيَخْسَرُ الثِّقَةَ عَلَى الْمَدَى الْأَبْعَدِ.
وَالْمُشْكِلَةُ لَا تَتَعَلَّقُ بِالنُّوَّابِ فَقَطْ؛ فَثَمَّةَ مَسْؤُولِيَّةٌ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَ الْمُؤَسَّسَةِ وَالْمُجْتَمَعِ.
فَمُوَاطِنٌ يَطْلُبُ مِنَ النَّائِبِ خِدْمَاتٍ فَرْدِيَّةً وَيُهْمِلُ السُّؤَالَ عَنْ السِّيَاسَاتِ الْعَامَّةِ، قَدْ يُسْهِمُ، مِنْ حَيْثُ لَا يَقْصِدُ، فِي إِضْعَافِ الْوَظِيفَةِ الْحَقِيقِيَّةِ لِلنِّيَابَةِ.
كَمَا أَنَّ نَائِبًا يَجْعَلُ الْمَطَالَبَ الْفَرْدِيَّةَ مِحْوَرَ عَمَلِهِ قَدْ يُعَزِّزُ هَذَا النَّمَطَ مِنَ الْعَلَاقَةِ.
وَهُنَا نَحْتَاجُ إِلَى تَغْيِيرِ الثَّقَافَةِ النِّيَابِيَّةِ فِي الطَّرَفَيْنِ: الْمُواطِنُ يَطْلُبُ سِيَاسَةً أَفْضَلَ، وَالنَّائِبُ يُقَدِّمُ تَشْرِيعًا وَرَقَابَةً أَفْضَلَ.
وَتَزْدَادُ أَهَمِّيَّةُ هَذَا الْمَسَارِ مَعَ تَعَزُّزِ الدَّوْرِ الْحِزْبِيِّ فِي الْحَيَاةِ النِّيَابِيَّةِ؛ فَقَدْ أُجْرِيَتِ انْتِخَابَاتُ 2024 فِي إِطَارِ قَانُونِ انْتِخَابٍ جَدِيدٍ وَمَسَارٍ يَسْعَى إِلَى زِيَادَةِ الْحُضُورِ الْحِزْبِيِّ تَدَرُّجِيًّا.
وَمَعَ هَذَا الِانْتِقَالِ، يُفْتَرَضُ أَنْ يُصْبِحَ التَّنَافُسُ النِّيَابِيُّ أَكْثَرَ ارْتِبَاطًا بِالْبَرَامِجِ وَالسِّيَاسَاتِ، وَأَقَلَّ ارْتِبَاطًا بِالْحُضُورِ الشَّخْصِيِّ وَالِاصْطِيَادِ الْمَوْسِمِيِّ لِلشَّعْبِيَّةِ.
وَهَذَا لَيْسَ تَغْيِيرًا فِي أَسْمَاءِ الْقَوَائِمِ فَقَطْ، بَلْ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ تَغْيِيرًا فِي مَنْطِقِ الْعَمَلِ نَفْسِهِ.
وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نَقْرَأَ رَدَّةَ فِعْلِ الْمُواطِنِ قِرَاءَةً أَكْثَرَ عُمْقًا، فَلَا بُدَّ أَنْ نَتَجَاوَزَ مَظَاهِرَ النَّقْدِ الْمُبَاشِرِ إِلَى أَسْبَابِهِ.
فَالْمُواطِنُ لَا يُقَيِّمُ الْمَجْلِسَ فِي فَرَاغٍ؛ إِنَّهُ يَنْظُرُ إِلَيْهِ مِنْ خِلَالِ مُشْكِلَاتِ الْمَعِيشَةِ، وَفُرَصِ الْعَمَلِ، وَكُلْفَةِ الْحَيَاةِ، وَجَوْدَةِ الْخَدَمَاتِ، وَمُسْتَوَى الْإِدَارَةِ الْعَامَّةِ، وَمَدَى شُعُورِهِ بِأَنَّ صَوْتَهُ لَهُ مَكَانٌ فِي النِّظَامِ السِّيَاسِيِّ.
وَلِذَلِكَ فَقَدْ يَكُونُ الْحُكْمُ عَلَى أَدَاءِ الْمَجْلِسِ مَحْكُومًا بِتَجْرِبَةٍ أَوْسَعَ مِنْ جَلْسَةٍ أَوْ قَانُونٍ وَاحِدٍ.
وَهُنَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَجْلِسُ النُّوَّابِ أَكْثَرَ قُرْبًا مِنَ الْمُجْتَمَعِ، لَا بِمَعْنَى الشُّعَارِ، بَلْ بِمَعْنَى الْمَعْلُومَةِ وَالِاسْتِمَاعِ وَالتَّفْسِيرِ.
فَالْمُؤَسَّسَةُ النِّيَابِيَّةُ الَّتِي تَتَوَاصَلُ مَعَ الْمُواطِنِ فَقَطْ عِنْدَ الِانْتِخَابَاتِ تَتْرُكُ فَرَاغًا تَمْلَؤُهُ الشَّائِعَاتُ وَالتَّأْوِيلَاتُ وَالِانْطِبَاعَاتُ.
أَمَّا الْمَجْلِسُ الَّذِي يَشْرَحُ مَاذَا فَعَلَ، وَلِمَاذَا فَعَلَ، وَمَا الَّذِي اسْتَطَاعَ أَنْ يَحْقِقَهُ، وَمَا الَّذِي تَعَذَّرَ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ يَصْنَعُ مَسَاحَةً أَوْسَعَ لِلثِّقَةِ وَالْمُسَاءَلَةِ فِي آنٍ وَاحِدٍ.
وَلَا شَكَّ أَنَّ الْعَصْرَ الرَّقْمِيَّ غَيَّرَ قَاعِدَةَ اللُّعْبَةِ السِّيَاسِيَّةِ؛ فَالْمُواطِنُ يَرَى الْجَلْسَةَ، وَيَسْمَعُ النِّقَاشَ، وَيُعَلِّقُ، وَيُقَارِنُ، وَيُعِيدُ نَشْرَ مَا يُنَاسِبُ تَصَوُّرَهُ.
لِذَلِكَ فَإِنَّ النَّائِبَ لَمْ يَعُدْ يَتَعَامَلُ مَعَ جُمْهُورٍ يَنْتَظِرُ مَا تَقُولُهُ الْمُؤَسَّسَةُ، بَلْ مَعَ جُمْهُورٍ يُنْتِجُ مَعَهَا الْحَدَثَ وَيُفَسِّرُهُ وَيَقِيسُهُ بِسُرْعَةٍ. وَهَذَا يُحَتِّمُ رَفْعَ مَسْتَوَى الْخِطَابِ النِّيَابِيِّ، وَالِاعْتِمَادَ أَكْثَرَ عَلَى الْحُجَّةِ وَالْبَيَانَاتِ وَالْحُلُولِ، وَالِابْتِعَادَ عَنْ الِانْفِعَالِ الَّذِي قَدْ يَمْنَحُ مَكَاسِبَ إِعْلَامِيَّةً سَرِيعَةً وَلَكِنَّهُ لَا يَبْنِي سِيَاسَةً عَامَّةً رَاشِدَةً.
إِنَّ الْمَطْلُوبَ، فِي الْمَرْحَلَةِ الْقَادِمَةِ، لَيْسَ مَجْلِسًا يُجْهِدُ نَفْسَهُ فِي مُحَاوَلَةِ إِرْضَاءِ كُلِّ رَدَّاتِ الْفِعْلِ، فَهَذَا مُسْتَحِيلٌ؛ بَلْ مَجْلِسٌ يَمْتَلِكُ الْقُدْرَةَ عَلَى تَفْسِيرِ قَرَارَاتِهِ وَالدِّفَاعِ عَنْهَا بِالْحُجَّةِ، وَالِاسْتِمَاعِ إِلَى النَّقْدِ، وَمُرَاجَعَةِ الْخَطَأِ حِينَ يَثْبُتُ، وَالتَّمَسُّكِ بِالْقَرَارِ حِينَ تَدْعَمُهُ الْمَصْلَحَةُ الْعَامَّةُ.
فَالْمَجْلِسُ الْقَوِيُّ لَا يُقَاسُ بِمَدَى شَعْبِيَّةِ كُلِّ مَوْقِفٍ، بَلْ بِمَدَى قُدْرَتِهِ عَلَى اتِّخَاذِ مَوْقِفٍ مَسْؤُولٍ وَشُرُوحِهِ وَتَحَمُّلِ تَبِعَاتِهِ.
وَفِي الْمُقَابِلِ، فَإِنَّ رَدَّةَ فِعْلِ الْمُواطِنِ يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ قُوَّةً لِلْمَجْلِسِ لَا عِبْئًا عَلَيْهِ؛ فَالنَّقْدُ الشَّعْبِيُّ، حِينَ يَكُونُ وَاعِيًا وَمُسْتَنِدًا إِلَى الْمَعْلُومَةِ، يُسَاعِدُ الْمُؤَسَّسَاتِ عَلَى اكْتِشَافِ مَوَاطِنِ الْخَلَلِ.
وَالْمُجْتَمَعُ الَّذِي يَرْفَعُ سَقْفَ تَوَقُّعَاتِهِ مِنْ نُوَّابِهِ لَا يَضْعُفُ بِذَلِكَ، بَلْ يُسْهِمُ فِي رَفْعِ سَقْفِ الْمُمَارَسَةِ السِّيَاسِيَّةِ نَفْسِهَا.
وَلَعَلَّ الْمَعْيَارَ الأَدَقَّ الَّذِي يَجِبُ أَنْ نَنْظُرَ مِنْ خِلَالِهِ إِلَى مَجْلِسِ النُّوَّابِ لَيْسَ «كَمْ قَانُونًا أَقَرَّ؟»
فَقَطْ، بَلْ «كَمْ قَانُونًا أَحْسَنَ؟»،
وَلَيْسَ «كَمْ خُطْبَةً أُلْقِيَتْ؟»
بَلْ «كَمْ قَضِيَّةً فُهِمَتْ وَعُولِجَتْ؟»،
وَلَيْسَ «كَمْ نَائِبًا ظَهَرَ؟»
بَلْ «كَمْ نَائِبًا تَرَكَ أَثَرًا؟».
هُنَا تَتَحَوَّلُ النِّيَابَةُ مِنْ مَشْهَدٍ سِيَاسِيٍّ إِلَى مَؤَسَّسَةٍ لِلإِنْتَاجِ الْعَامِّ، وَيَتَحَوَّلُ النَّائِبُ مِنْ وَاجِهَةٍ إِعْلَامِيَّةٍ إِلَى صَانِعٍ لِلسِّيَاسَةِ وَرَقِيبٍ عَلَى أَدَاءِ الدَّوْلَةِ، وَيَتَحَوَّلُ الْمُواطِنُ مِنْ مُجَرَّدِ نَاخِبٍ مَوْسِمِيٍّ إِلَى شَرِيكٍ فِي الْمُسَاءَلَةِ وَالتَّقْيِيمِ.
إِنَّ مَجْلِسَ النُّوَّابِ الْأُرْدُنِيَّ أَمَامَ فُرْصَةٍ تَارِيخِيَّةٍ لِإِعَادَةِ تَعْرِيفِ الْعَلَاقَةِ بَيْنَ النِّيَابَةِ وَالْمُواطِنِ فِي سِيَاقِ التَّحَوُّلِ السِّيَاسِيِّ وَالْحِزْبِيِّ الْجَارِي.
وَالنَّجَاحُ فِي هَذِهِ الْمَهَمَّةِ لَا يَتَحَقَّقُ بِكَثْرَةِ الْخِطَابِ، بَلْ بِقُوَّةِ الْأَثَرِ؛ وَلَا بِكَثْرَةِ الْوُعُودِ، بَلْ بِوُضُوحِ الْبَرَامِجِ؛ وَلَا بِمُطَارَدَةِ الرِّضَا اللَّحْظِيِّ، بَلْ بِبِنَاءِ الثِّقَةِ عَلَى الْمَدَى الطَّوِيلِ.
وَفِي النِّهَايَةِ، فَإِنَّ رَدَّةَ فِعْلِ الْمُواطِنِ لَيْسَتْ مُجَرَّدَ حُكْمٍ عَلَى مَجْلِسٍ أَوْ نَائِبٍ؛ إِنَّهَا رِسَالَةٌ سِيَاسِيَّةٌ يَجِبُ أَنْ تُقْرَأَ بِعُمقٍ.
فَحِينَ يَرَى الْمُواطِنُ نَائِبًا يَفْهَمُ قَضِيَّتَهُ، وَيَدْرُسُهَا، وَيُسَائِلُ عَنْهَا، وَيَقْدِمُ بَدِيلًا، وَيَعُودُ إِلَيْهِ بِالنَّتِيجَةِ، فَإِنَّ الثِّقَةَ تَنْشَأُ تَدْرِيجِيًّا.
وَحِينَ يَرَى خِطَابًا كَثِيرًا وَأَثَرًا قَلِيلًا، فَإِنَّ الْمَسَافَةَ تَتَّسِعُ وَلَوْ كَثُرَتِ الِاجْتِمَاعَاتُ وَالْخُطَبُ.
وَلِذَلِكَ، فَإِنَّ السُّؤَالَ الْأَكْبَرَ الَّذِي يَجِبُ أَنْ يَطْرَحَهُ مَجْلِسُ النُّوَّابِ عَلَى نَفْسِهِ لَيْسَ: كَيْفَ نُرْضِي الْمُواطِنَ؟
فَالرِّضَا لَيْسَ غَايَةً سِيَاسِيَّةً قَصِيرَةَ الْأَمَدِ.
السُّؤَالُ الْأَجْدَرُ هُوَ: كَيْفَ نَجْعَلُ الْمُواطِنَ يَثِقُ بِأَنَّ صَوْتَهُ لَهُ قِيمَةٌ، وَأَنَّ نَائِبَهُ يَعْمَلُ بِمَسْؤُولِيَّةٍ، وَأَنَّ الْمَجْلِسَ يَصْنَعُ فَرْقًا حَقِيقِيًّا فِي حَيَاةِ الدَّوْلَةِ وَالْمُجْتَمَعِ؟
عِنْدَهَا، وَحَدَهَا، تَنْتَقِلُ الْعَلَاقَةُ مِنْ «رَدَّةِ فِعْلٍ» تَنْشَأُ بَعْدَ كُلِّ حَدَثٍ، إِلَى ثِقَةٍ تُبْنَى كُلَّ يَوْمٍ بِالْأَدَاءِ وَالْإِنْجَازِ وَالْمَسْؤُولِيَّةِ.




