الصحافي عبدالله الشريف اليماني
فجأة تقرر ان تغادر الى ابعد مسافة الى عالم مجهول أسماء المدن والشوارع والازقة والحارات وحتى سيارات الأجرة تختلف عن الأسماء عندنا حتى لا تعود ان تراني. تغادر بعد ان فشلت بالوفاء بعهدها ووعودها ، وحلفان ايمانها .
تغادر وطنا خلقت فيه ، ونشات وتربت على ترابه ، واكلت من خيرات ارضه ، وشربت من مياهه ،بفعل يديها ضاقت بها الأرض والعيش في الوطن ، واخذت تبحث عن وطن اخر ، وجيران ونساء اخريات ومكان لا يشبه هذا المكان ، رغم ان المكان الجديد محاط بالأخطار من كل صوب ، لا يوجد فيه لا امن، ولا امان ،ولا حياة سعيدة ،ولا أيام جميلة .
اليوم تقضي أياما تبقت من عمرها لان أيام العمر الأولى لن تعود ،فلن يعود ذاك الزمان وشقاوته وضحكته ومرحه وغلاته بين اخوتها .
والأدهى مما قررت ان تفعله انها تقبلت بأمر الرحيل مهما يكلفها الامر من تضحيات ، فبعد ان غادرت وطنها كي تعيش بعيدة عنه( حياةً جديدة)... عكس ايام الأولى من العمر فالحياة الأولى روعة بكل تفاصيلها مهما تضيق الأيام، ها هي تقضي بقيت عمرها لا تستطيع العودة إلى ، ما مضى من العمر لأنها ،اختفت وذهبت الى المجهول فلم تعد موجودًة .
العيش خارج الوطن الذي أحبته وعاشت فيه وهي تحمل بيدها جواز سفرها وعقد زواجها ، وتذكرة سفرها وحقيبة ملابسها الى حيث غربتها الجديدة وختم على جواز سفر ممنوع الرجوع الى الوطن . انها رحلة البحث عن زوج يقدر الحياة الزوجية رحلة فيها معاناة عذاب وشقاء وهي ترتدي ثوب جديد يزهو بجمالة تحت مسمى ثوب العرس .
، ورغم ما يقال عنه فرح الزواج الا ان الحزن يتسلل الى مكان كان يدخله حبها الأول قضي أياما ،انه قلبها ،غريب صمتها وسكوتها وموافقتها على خروجها من وطنها ، هل هذا جراء شرخ في قلبها ؟ ام لحظة عناد وإصرار على حرق قلب حبيبها ؟.
فالإنسان في لحظة ما يترك الشيطان يلعب فيه يسرة ويمنة لا يدرك ذلك الألم الا عندما يعيشه ، ويكون في بلاد الله الواسعة انها الغربة. تعيش في بلاد رائحة هواءها تختلف عن رائحة هواء المدينة التي ولدت فيها وحتى لهجه الكلام ومعاني الكلمات تختلف كثيرا عن كلماتها .وكذا تسمية الشوارع والمحال التجارية واحياء المدينة وبعض أسماء السيدات والرجال والأولاد والبنات والسهول والجبال كل شيء هنا يتخلف عما يوجد في مدينتها السابقة .
ويبقى السؤال يدور في قلبه ،هل تعود يومًا إلى وطنها؟
لكن هنا البيت القديم مسح من على وجه الأرض ، الأماكن التي فيها الذكريات مسحت ، وما بقي الا صدى الذكريات، كبر الأحباب وشابة الغزالة الصبية ،وتكشفت الحقيقة القاسية. ان ما ذهب لن يعود كما كان ،وان عقارب الساعة لن تعود الى الوراء ،ولن يتوقف الزمن ينتظر عودتها. ولكن يبقى الوطن يفتح قلبة لمن احبوه .
أصعب شيء في الحياة وفي الوطن عندما تبحث عن رفاق الزمن الصعب فلا تجدهم ، ربما ماتوا او اصابهم المرض ، وربما هم في الغربة ، غربة الحياة ،أنها صراع مع الحياة ، لقد علمتنا الحياة الكذب على انفسنا.
لم نعد نشتاق لمن هجر ديرته وداس على قلبه واحدث دمار هائلا لا يمكن ان يصلحه أي طبيب لم يعد يشتاق الى وجع تلك الأيام . بعد ان بكى بحرقة . وتعذب ليال طوال ولم يعرف النوم وطعم الراحة ولا السعادة.
لا في الأيام ولا في الافراح ،ولكني اكتفى بالمشاركة من باب المجاملة .ومن خلالها اخفي حزن وجع يقطن فؤادي .بعد ان جاء غريب ديار واخذ فرحي وسعادتي وسرقه مني في ليلة معتمة بعد ان استيقظ مبكرا صباحًا وقرر خطف حلمي ، وداس على مشاعري. وسلب املي .خلاص لن تعود كما كانت، غادرت الوطن تركته. وبقى القلب تائها معذبا معلّقًا مشنوقا بحبل الأوهام ، أضاع المفتاح واغلق الباب ،وتحولت الوعود الى ذكرى عفى عليها الزمن ،والى خداع. واليوم أصبحت جده.
هي التي تختار العروسة لابنها ، لتكون كنتها. وتفرض شروطها عليها ،وحق المهر وتوابعه واختيار اعداد المدعوين والمدعوات من النساء ، ويبقى اخيارها يذكرها كيف انها تزوجت ، من دون سابق معرفه وإقامة حفل زفاف يليق بها ، اما اختيار( كنه ) فانه يتاج منها الى فترة بحث وتروي وتدقيق وتمحيص وليس ،ما بين ليلة وضحاها تقرر اختيار من هي كنتها .ان طريق الكنه ليس سهلاً معها ، كونها عنيدة لا تأخذ ولا تعطي ولا تستجيب .متشبثة ومتمسكة في كلامها مهما كلفها من ثمن .



