خليل قطيشات
يقدم مشهد التعليم العالي الأردني في قراءته الأخيرة للتصنيفات العالمية نموذجًا لافتًا يتأرجح بين الاستقرار المؤسسي المقدر والمبادرات الفردية الطموحة التي أثمرت قفزات نوعية؛ إذ تشير المعطيات الموثقة إلى أن الحضور الأردني لم يكن وليد المصادفة، بل جاء نتيجة تراكمية تتفاوت فيها القدرات والإمكانيات بين المؤسسات الأكاديمية المختلفة. وتتضح أهمية هذه النتائج بالنظر إلى المنهجية الصلبة التي تعتمدها المؤسسات العالمية المعنية بالتصنيف، والتي تزن الأداء الأكاديمي والبحثي بمعايير دقيقة تشمل السمعة لدى أصحاب العمل، وحجم الاستشهادات البحثية لكل عضو هيئة تدريس، ومدى الانفتاح الدولي والشبكات البحثية المتشعبة، فضلاً عن المخرجات التوظيفية ومؤشرات الاستدامة، مما يجعل من التقدم أو الثبات انعكاسًا واقعيًا لجهود مؤسسية ملموسة بعيدًا عن التقييمات الانطباعية.
وفي هذا السياق، برزت مجموعة من الجامعات الأردنية التي استطاعت أن تسجل تميزًا لافتًا وتقدمًا صريحًا في سلّم الترتيب، حيث واصلت جامعة العلوم والتكنولوجيا الأردنية مسارها الصاعد بثبات لتعزز موقعها المتقدم بين أفضل خمسمائة جامعة على مستوى العالم، وهو امتداد طبيعي لاستراتيجية بحثية وأكاديمية متكاملة نجحت في رفع القيمة العلمية لمخرجاتها عبر السنوات الأخيرة. ولم تقتصر حركة التقدم على المؤسسات الحكومية، بل شهد القطاع الخاص قفزات نوعية تمثلت في الصعود الكبير لجامعة عمّان الأهلية التي انتقلت إلى مراكز أكثر تقدمًا بفارق شاسع، إلى جانب التحسن الملحوظ في أداء جامعة العلوم التطبيقية الخاصة، والجامعة الألمانية الأردنية، وجامعة عمّان العربية، بالإضافة إلى نجاح جامعة جدارا في الانتقال إلى فئة تصنيفية أعلى وأكثر تحديدًا، مما يؤكد أن التركيز على جودة المخرجات والربط مع متطلبات سوق العمل قادر على صناعة فارق حقيقي بصرف النظر عن حجم المؤسسة أو عمرها الزمني.
وعلى الضفة الأخرى، أظهرت عدة جامعات قدرة عالية على الصمود والاستقرار في مواقعها التصنيفية، متجاوزة حدة المنافسة العالمية المتزايدة؛ حيث حافظت جامعات الشرق الأوسط، ومؤتة، والهاشمية على حضورها الثابت ضمن فئاتها المحددة، بينما استقرت جامعة البلقاء التطبيقية في موقعها دون تراجع. ويعكس هذا الثبات قدرة هذه المؤسسات على موازنة معايير الأداء والاحتفاظ بمكتسباتها الأكاديمية والبحثية، إذ إن البقاء في الموقع نفسه وسط بيئة تنافسية عالمية تتطور باستمرار يعد إنجازًا يعبر عن استدامة العمل الداخلي وكفاءة إدارة الموارد.
إن هذه القراءة المؤطرة بين التقدم والتحسن من جهة، والثبات والاستقرار من جهة أخرى، تؤكد أن الاستثمار الحقيقي في جودة البيئة التعليمية والإنتاج البحثي عالي التأثير هو المحرك الأساسي لأي تواجد دولي مشرف. وتبقى هذه الأرقام والنتائج بمثابة مرآة تشخيصية تضع الإدارات الجامعية وصناع القرار أمام مسؤولية مواصلة التطوير التراكمي، واستغلال نقاط القوة للارتقاء بالتعليم العالي الأردني وترسيخ مكانته إقليميًا ودوليًا.




