تحسين أحمد التل
ربما لا يعرف كثير من العرب ما الخطة التي قدمها إسحاق رابين وشيمون بيريز لقيام دولة منزوعة السلاح، كشرط للموافقة على قيامها، ودعمها من قبل الحكومات العربية والغربية، وكانت الاتفاقية أدت إلى مقتله بتحريض من نتنياهو، وذلك ما بين عامي (1993 و 1995)، حيث وافق عليها قدامى المحاربين اليهود، وهذا يعني أن المؤسسة العسكرية والأمنية كانت تقبل بالتعامل مع مثل هذه الاتفاقية.
بعد تحريضٍ ممنهج قاده نتنياهو، وبن غفير وجماعته، ومعسكر اليمين المتطرف - وهو التحريض الذي دفع أحد المتشددين إلى اغتيال رابين للتخلص من مشروع الدولة الذي جلب جزءاً بسيطاً ومؤقتاً من السلام للمنطقة، بإقامة سلطة فلسطينية ضعيفة، (ربما أوهن من بيت العنكبوت) - بدأ نتنياهو، فور تسلمه حكومته الأولى عام (1996 - 1999)، بتطبيق الشق الثاني من المؤامرة على الفلسطينيين ومعسكر السلام اليهودي معاً.
المقصود بمعسكر السلام هنا، هو ذلك التيار الذي وافق على قيام سلطة فلسطينية منزوعة السلاح والسيادة، تكون عاصمتها المقترحة على مساحة لا تتعدى واحداً بالمئة من القدس الشرقية، مع تأمين ممر للوصول إلى هذه العاصمة (أو الحارة)، وطريق آخر يمر عبر الأراضي الإسرائيلية؛ للوصول إلى قطاع غزة، مقابل تنازل الفلسطينيين عن أراضٍ في الضفة الغربية لصالح إسرائيل.
لنُعرّفَ القارئَ بخطةِ رابين، التي ظنّ العربُ أنها تُمهّدُ لقيام دولةٍ فلسطينيةٍ مكتملة الأركان.
الخطة تقول، أولاً: دولة فلسطينية دون القدس الشرقية بشكل شبه كامل، مع إعطاء الحكومة الفلسطينية حق السيطرة على المسجد الأقصى، وجزء بسيط لا يتعدى واحد بالمئة من شرق القدس.
ثانياً: بقاء المستوطنات ضمن السيادة الإسرائيلية، وضمها لتكون ضمن حدود الدولة الإسرائيلية، وتحديد مساحة الضفة الغربية وفق خرائط جديدة، وهذا يعني تغيير خارطة الضفة الغربية والقدس والقطاع الى حدود يتم ترسيمها بعد التوقيع على الإتفاقية، ويمكن أن تصل الى (18) بالمئة من مساحة فلسطين.
ثالثاً: حق العودة للفلسطينيين، لن يكون الى إسرائيل، أو ما كان يُعرف بفلسطين المحتلة عام (1948)، إنما يكون حق العودة الى أراضي الضفة الغربية وقطاع غزة فقط، دون القدس، وهذا شرط للاعتراف بحقوق الشعب الفلسطيني في قيام الدولة الفلسطينية.
رابعاً: الحدود: تشمل الجولان السوري المحتل، وخط نهر الأردن بالكامل حدود دولة إسرائيل، مع الحدود البحرية والبرية بين إسرائيل وجمهورية مصر العربية، وهذا يعني أنه لا يوجد حدود لدولة فلسطين المقترحة، بل تتداخل حدود إسرائيل داخل حدود الدولة الفلسطينية المقبلة.
بالرغم من أن خطة السلام، أو اتفاقية السلام الموقعة بين رابين ومعسكره، والسلطة الفلسطينية، لم تَرْقَ إلى الأمل، والحلم المطلوب لقيام الدولة الفلسطينية بالشكل الصحيح، إلا أن معسكر اليمين المتطرف اعتبر الاتفاقية تنازلاً عن الأراضي (اليهودية) للفلسطينيين، ومع التحريض المستمر من قبل الليكود أقدم عامير على قتل رابين، وأوقف مشروع الدولة الفلسطينية منزوع الدسم كلياً.
بقي أن نشير الى ما يُضحك ويبكي في ذات الآن، وجاء على لسان الدكتور النفيسي؛ عندما أكد خلال أحد لقاءاته السياسية على أن رئيس الوفد الإسرائيلي قال عن الوفد الفلسطيني المفاوض: لقد كنا نفاوض أنفسنا، وبعبارة ثانية قال: لقد كنا نتحدث مع أنفسنا، (we were talking to our selves) ولهذه الأسباب كانت إتفاقية أوسلو مقنعة لليهود، ولا تلبي الحد الأدنى من طموح الفلسطينيين، ومع ذلك رفضها المعسكر الإسرائيلي الإرهابي المتطرف ...




