د. روان أبو زعنونة
يمثل خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني أمام الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة نصا سياسيا يستحق قراءة متأنية تتجاوز الحدث الآني إلى ما يحمله من دلالات في بنية الخطاب الدبلوماسي العربي المعاصر. فمنذ الجملة الافتتاحية، اختار جلالته أن يبني كلمته على مقاربة فكرية غير تقليدية، حين جعل من مفهوم الانتباه الإنساني، بوصفه موردا متراجعا في عصر تسارع المعلومات وتشتت الأولويات، مدخلا لفهم عجز المجتمع الدولي عن حسم أزمات ممتدة كالقضية الفلسطينية والحرب في السودان والنزاعات في لبنان واليمن.
هذا الاختيار المنهجي يكشف عمقا تحليليا نادرا في الخطاب السياسي الرسمي، إذ لا يكتفي بعرض الوقائع أو استجداء التعاطف الدولي، بل يفكك الآلية الكامنة وراء استمرار هذه الأزمات، ويضع المسؤولية على عاتق منظومة صنع القرار الدولي ذاتها، حين تختار أي القضايا تستحق الاهتمام المستدام وأيها يُترك ليتلاشى في هامش الأجندة العالمية.
ومن هذا الأساس الفكري، انتقل جلالته إلى تناول الملف الفلسطيني بلغة تحليلية دقيقة، مؤكدا أن استمرار هذا الصراع لعقود دون حل لم يكن نتيجة غياب الخيارات أمام المجتمع الدولي، وإنما نتيجة اختيار متكرر لاحتواء الأزمة بدلا من مواجهتها بجدية، وهو تحليل يعيد تعريف مسؤولية الأطراف الدولية الفاعلة بعيدا عن الخطاب المعتاد الذي يقتصر على إدانة الطرف المعتدي دون مساءلة من يسمح باستمرار الانتهاك عبر الصمت أو غض الطرف. وقد أضفى جلالته على هذا الطرح ثقلا معرفيا حين ربط بين ما يجري في غزة وما يجري في الضفة الغربية، مقدما قراءة استراتيجية شاملة تُظهر أن الحدثين ينتميان إلى نسق سياسي واحد يستهدف في جوهره إفراغ الأرض من سكانها الأصليين، وإحلال وقائع جديدة تجعل من قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة أمرا بالغ الصعوبة من الناحية العملية.
ويكتسب الخطاب طابعا أكاديميا إضافيا حين ينتقل جلالته من مستوى السرد إلى مستوى تفكيك الخطاب المضاد ذاته، عبر إعادة تعريف المصطلحات التي دأبت أطراف دولية على استخدامها لتخفيف وطأة الممارسات على الأرض.
فحين يُعاد وصف هدم المنازل بوصفه ترحيلا قسريا، والاستيلاء على الأراضي بوصفه ضما فعليا، ومنظومة الحواجز بوصفها أداة قمع لا ترتيبا أمنيا، فإن هذه العملية تتجاوز البلاغة إلى ما يشبه المراجعة المفاهيمية التي تسعى لإعادة اللغة إلى دقتها الأصلية، باعتبار أن أي مساءلة قانونية أو سياسية جادة لا يمكن أن تُبنى على مفردات مخففة تُبقي الانتهاك في منطقة الغموض.
وقد استكمل جلالته هذا التحليل بمراجعة نقدية لفاعلية أدوات المجتمع الدولي نفسه، من عقوبات وتجميد أصول وعزل دبلوماسي، مشيرا إلى أن توظيف هذه الأدوات ظل انتقائيا بشكل واضح، وهو ما أنتج في المحصلة شعورا لدى أطراف بعينها بالإفلات من المساءلة، وأسهم في ترسيخ نمط سلوكي يصعب كبحه لاحقا.
وفي سياق موازٍ، امتد التحليل الملكي إلى ملف الأمن الإقليمي الأوسع، حيث ربط جلالته بين الأطماع التوسعية غير المكبوحة وبين التهديدات المتصاعدة في جنوب سوريا، مستحضرا أبعادا استراتيجية تتعلق بالموارد المائية والحدود الجغرافية، وموضحا أن الأردن يتعامل مع هذا الملف من منطلق الأمن القومي المباشر لا من موقع المراقب الإقليمي.
هذا التموضع الفكري يعكس نضجا في قراءة التهديدات العابرة للحدود، ويقدم نموذجا لدولة تدرك أن استقرارها الداخلي مرتبط عضويا باستقرار محيطها الجغرافي، وأن أي تراخٍ دولي في مواجهة التمدد الإقليمي غير المشروع سينعكس حتما على أمن الدول المجاورة.
وتتكامل هذه الرؤية التحليلية مع الصورة التي رسمها جلالته للدور الأردني في المنطقة، بوصفه نموذجا لدولة تدير التوازن بين الاستجابة العاجلة للأزمات الإنسانية المتلاحقة وبين الاستثمار طويل المدى في موقعها كمركز إقليمي للتجارة والصناعة والتكنولوجيا، وهو توازن يصعب تحقيقه في بيئة إقليمية شديدة التقلب، ويعكس قدرة مؤسسية متراكمة على إدارة ملفات متعددة المستويات في آن واحد.
كما جدد جلالته التأكيد على استمرار حمل الأردن لأمانة الوصاية الهاشمية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس، بوصفها ثابتا تاريخيا وقانونيا يمنح الموقف الأردني عمقا رمزيا يتجاوز حدود التوظيف السياسي الآني.
ويُختتم الخطاب بطرح فكري يعيد التأكيد على محدودية القوة العسكرية في إنتاج حلول مستدامة، مقابل الحاجة الملحة لاستعادة الثقة بين الدول وبمنظومة الشرعية الدولية ذاتها، وهو ختام ينقل الخطاب من مستوى النقد إلى مستوى الطرح البنّاء، إذ يضع أمام الجمعية العامة سؤالا جوهريا حول مستقبل النظام الدولي القائم على القانون، لا بوصفه شعارا، بل بوصفه شرطا لازما لاستقرار العالم بأسره.
وبهذا، يمثل الخطاب في مجمله نموذجا متقدما للدبلوماسية الفكرية الأردنية، القادرة على الجمع بين الصرامة التحليلية والوضوح السياسي والعمق الأخلاقي، في وقت تحتاج فيه المحافل الدولية إلى خطاب يقرأ الأزمات بعمق بدل أن يكتفي بتوصيفها على السطح.




