شريط الأخبار
بودكاست مناظرات الدوحة يعود بموسمه الجديد لمناقشة أفكار ورؤى تسهم في صياغة عالمنا مشاركة متميزة للدكتور محمد بيان في قمة "The BellaVita Wellness & Beauty Summit 2026" بعمّان رأس المال يبحث عن الثقة... كيف يعزز الأردن جاذبيته الاستثمارية؟! خطاب ملكي وضع العالم أمام مرآته سوق أبوظبي للأوراق المالية وشركاته المدرجة يتواصلون مع المستثمرين الدوليين في "جولة ومؤتمر المستثمرين العالميين" بنيويورك مجموعة روشن تعزّز فرص تملك الأجانب للعقارات في المملكة العربية السعودية الدين العام الأردني... فاتورة اليوم وحماية الاقتصاد غدا شكر على تعاز و مواساة خطاب جلالة الملك أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة يمثل وثيقة تاريخية حاصرت إسرائيل الحجايا: لن نصمت عن مظالم التعيينات .. وملف لإنصاف أبناء البوادي والقرى بعد خطاب الملك .. " الصفدي يضرب بقوة " الأردن سيواصل فضح الفظائع الإسرائيلية وحشد استجابة دولية لوقفها الأردن يترأس اجتماعًا في الأمم المتحدة بشأن أطفال فلسطين التجارة الأوروبية: خطاب الملك يؤكد ثوابت الأردن تجاه القضية الفلسطينية كيف تناول الاعلام الدولي خطاب الملك في الامم المتحدة ؟ رئيسة جمعية الإخاء الأردنية العراقية : خطاب الملك جسّد المسؤولية التاريخية والإنسانية للأردن تجاه الشعب الفلسطيني الشيخ طراد الجازي الحويطات : حين دوّى صوت الأردن .. لم يعد للصمت مكان رئيس الديوان الملكي يتفقد مشاريع مبادرات ملكية في الزرقاء ويزور مبنى النادي القوقازي وزير الخارجية يعقد اجتماعا مع نظيره المصري في نيويورك الصفدي: إسرائيل ستواصل تقويض فرص السلام ما لم تواجه بردّ دولي رادع إشادات سياسية وشعبية واسعة بخطاب الملك في الأمم المتحدة

الدين العام الأردني... فاتورة اليوم وحماية الاقتصاد غدا

الدين العام الأردني... فاتورة اليوم وحماية الاقتصاد غدا
الدين العام الأردني... فاتورة اليوم وحماية الاقتصاد غدا

القلعة نيوز - بقلم: أستاذ مشارك محمد حرب بشير اللصاصمة ** عميد كلية اللغات وعلومها**

ليس الدين العام مجرد رقم يظهر في جدول مالي، ولا هو مجرد ملف تقني يخص وزارة المالية والخبراء والمؤسسات الاقتصادية؛ إنه، في جوهره، قرار يتصل بالحاضر والمستقبل معا. فكل اقتراض له تكلفة، وله أجل، وله فائدة، وله في المقابل غاية يجب أن تفهم وتقاس.
ومن هنا فإن السؤال الأدق ليس: «كم بلغ الدين؟» فقط، بل: لماذا اقترضنا؟ وبأي كلفة؟
وما الذي اشتريناه بهذا الاقتراض؟
وهل سيكون ما أنفقناه قادرا على توليد نمو يساعد على سداده غدا؟
هنا تبدأ القراءة المسؤولة لملف الدين العام في الأردن؛ قراءة لا تنكر حجم التحدي، ولا تحول الدين إلى فزاعة اقتصادية، بل تنظر إليه بمنظور الاستدامة: كيف نجعل المديونية أكثر قابلية للإدارة، وأقل كلفة، وارتباط بالنمو والاستثمار، دون أن ننقل أعباء الحاضر إلى الأجيال القادمة.
وتظهر البيانات الحديثة أن رصيد الدين العام الأردني ما زال في مستوى مرتفع. وبحسب بيانات نهاية حزيران 2026، بلغ إجمالي الدين نحو 49.676 مليار دينار، في حين بلغ الدين بعد استثناء ما يحمله صندوق استثمار أموال الضمان الاجتماعي نحو 37.69 مليار دينار.
وتنشر وزارة المالية تقريرا ربعيا مخصصا للدين العام عن الربع الثاني من عام 2026، في إطار نشر بيانات المديونية وإدارتها بصورة دورية.
ولكن مجرد النظر إلى الرقم الإجمالي قد يعطي صورة ناقصة.
فهناك فرق مهم بين حجم الدين الاسمي، ونسبته إلى حجم الاقتصاد، وكلفة خدمته، وهيكله، وآجال استحقاقه.
وقد تظهر سياسة إعادة التمويل أو الاستبدال بين مصادر الاقتراض أرقاما مرتفعة في حجم الدين، دون أن يعني ذلك أن المبلغ كله قد استخدم لإنفاق جديد؛ فجزء من الاقتراض قد يذهب إلى إعادة تمويل استحقاقات قديمة.
ولذلك، فإن القراءة العلمية للرقم تحتاج إلى قراءة ما وراءه.
ومع ذلك، تبقى كلفة الدين من أكثر الملفات التي تستحق الانتباه؛ لأن الفائدة التي تدفع لخدمة الدين لا تمنح المواطن مشروعا جديدا، ولا مدرسة، ولا مستشفى، ولا طريقا؛ إنها كلفة لتمويل الاقتراض الذي تم في سنوات سابقة.
وفي موازنة 2026، قدرت فوائد الدين العام بنحو 2.260 مليار دينار، بزيادة قدرها نحو 80 مليون دينار عن إعادة تقدير 2025.
وتقول وزارة المالية إنها تعمل على استبدال الديون مرتفعة الكلفة بقروض أيسر وذات أسعار فائدة أقل نسبيا لتخفيض عبء خدمة الدين.
وهنا يظهر السؤال الذي يجب أن يسبق أي نقاش حول الاقتراض: ماذا نفعل بالدين؟
فالاقتراض الذي يمول مشروعا إنتاجيا، أو بنية تحتية ترفع الإنتاجية، أو قطاعا قادرا على توسيع التصدير والتشغيل، يختلف اقتصاديا عن اقتراض يذهب إلى نفقات لا تولد قدرة جديدة للاقتصاد.
وهنا لا تكمن القضية في «دين جيد» و«دين سيئ» بصورة مطلقة، بل في عائد الدين وقدرته على تحويل المورد المقترض إلى قيمة اقتصادية أو اجتماعية تستحق ما دفع فيها.
ولذلك فإن العبارة الأدق ليست: «الاقتراض خطر»، ولا « الاقتراض حل»، بل: الاقتراض أداة؛ وقيمته تحدد بما يصنعه في الاقتصاد.
وفي هذا السياق، تكتسب نسبة الدين إلى الناتج المحلي أهمية كبيرة.
فحجم الاقتصاد وسرعة نموه يؤثران في قدرة الدولة على خدمة دينها.
وقد أعلنت الحكومة أن أحد أهداف السياسة المالية هو خفض نسبة الدين إلى الناتج المحلي إلى 80% بحلول عام 2028، بعد أن كانت تقديرات 2026 تسير نحو مسار تدريجي للخفض.
كما قدرت الموازنة نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بنحو 2.9% في 2026.
وهنا تظهر مسألة شديدة الأهمية: الاقتصاد الذي ينتظر خفض الدين من خلال النمو فقط قد يحتاج إلى نمو أكثر قوة واستدامة؛ أما الاقتصاد الذي يرفع النمو من خلال الاستثمار والإنتاج والتصدير والتشغيل، فهو يصنع موردا جديدا للسداد.
ومن هنا فإن ملف الدين لا ينفصل عن ملف التشغيل، ولا عن ملف الاستثمار، ولا عن ملف التعليم والمهارات.
فإذا كان الاقتصاد يستدين لينفق، ولا يستثمر بما يكفي لتوسيع قاعدة الإنتاج، فإن المسار سيبقى معلقا بين الاقتراض وإعادة الاقتراض.
أما إذا تحول جزء مهم من الإنفاق المقترض إلى رأس مال إنتاجي، فإن الاقتصاد يكسب قدرة مضافة على النمو والتشغيل وتوليد الإيرادات.
وهذا ما يجعل «جودة الإنفاق» أهم أحيانا من حجمه.
فقد تنفق ملايين الدنانير في مشروع لا يغير الطاقة الإنتاجية للاقتصاد، وقد ينفق مبلغ أقل في مشروع يحسن المياه أو النقل أو الطاقة أو البنية الرقمية، فيخفض كلفة الإنتاج ويرفع قدرة القطاع الخاص على التوسع.
ومن هنا فالحكم على الدين يجب أن يرتبط بالسؤال عن العائد الاقتصادي والاجتماعي للاقتراض.
ولا تقل أهمية هيكل الدين عن حجمه؛ فآجال الاستحقاق، ونسب الفوائد، ونوع العملة، وتنوع مصادر التمويل، ومخاطر إعادة التمويل، جميعها عناصر تحكم كلفة المديونية.
وتظهر بيانات البنك المركزي وجود إصدارات متعددة لسندات وأذونات خزينة خلال 2026 بآجال وأسعار فائدة متباينة، وهو ما يجعل إدارة هيكل الدين وتوقيت الاقتراض جزءا أساسيا من السياسة المالية.
ولكن المواطن لا ينظر إلى هذه التفاصيل الفنية بالطريقة نفسها التي ينظر بها الخبير الاقتصادي؛ إنه ينتقل مباشرة إلى سؤال أبسط: ما علاقة الدين بحياتي؟
والجواب أن الدين يظهر في حياة المواطن بطرق غير مباشرة؛ فكلما ارتفعت كلفة خدمة الدين، زادت حاجة الموازنة إلى توزيع مواردها بين الفوائد والنفقات الأخرى.
وكلما ضعفت قدرة الاقتصاد على توليد إيرادات جديدة، ضاق الحيز المالي المتاح للتوسع في الاستثمار والخدمات.
ومن هنا فإن إدارة الدين ليست قضية مالية فقط، بل قضية قدرة الدولة على صناعة الخيارات في المستقبل.
ومن أكثر الأخطاء التي ينبغي تجنبها أن نقع في طرفين متناقضين: طرف يقول إن الدين لا مشكلة فيه طالما أن الاقتصاد ينمو، وطرف آخر يتعامل مع كل اقتراض على أنه كارثة بذاته.
والحقيقة الاقتصادية أكثر تعقيدا؛ فالاقتراض يمكن أن يكون جزءا من إدارة مالية مشروعة، لكن استمرار الاقتراض من دون تحسين مواز في الإيرادات والإنتاجية والنمو يرفع الضغوط مستقبلا.
ولذلك فإن حماية الاقتصاد الأردني من أعباء المديونية لا تبدأ من شعار «خفض الدين» وحده، بل من بضعة مسارات مترابطة: زيادة النمو المنتج، وتوسيع قاعدة الاستثمار، ورفع الإنتاجية، ودعم الصادرات، وتوسيع فرص التشغيل، ورفع كفاءة النفقات العامة، وتحسين تحصيل الإيرادات من دون إرهاق النشاط الاقتصادي، والاستمرار في إعادة هيكلة الدين لخفض كلفته ومخاطره.
وهنا يكمن الفرق بين «إدارة الدين» و«الاعتماد على الدين».
الأولى تعني أن تدير الدولة المورد المقترض بكلفة معقولة وأجل مناسب وغاية واضحة وقدرة على السداد؛ أما الثاني فيعني أن يصير الاقتراض حلا متكررا لفجوة لم تعالج من جذورها.
ومن هنا أيضا تبرز أهمية دور البرلمان والمؤسسات الرقابية والاقتصادية في النقل من مناقشة أرقام الدين إلى مراقبة أثره. فالقضية ليست في مجرد الموافقة على مبلغ أو رفضه، بل في السؤال عن وجهة الاقتراض، وكلفته، وآجاله، والعائد المتوقع منه، ومدى اتساقه مع الأولويات الاقتصادية والاجتماعية.
إن المواطن لا يحتاج إلى تخويفه بالدين، ولا إلى تطمينه منه بصورة مطلقة؛ إنه يحتاج إلى الحقيقة كما هي: كم ندين؟ لمن؟ بأي كلفة؟ متى يستحق؟ فيم استخدم؟ وماذا أنتج؟ وما خطة الخفض؟
وما الذي سيضمن عدم تحول الاقتراض إلى دورة مغلقة من الديون المتعاقبة؟
وإذا كانت الحكومة قد وضعت هدفا لخفض نسبة الدين إلى الناتج إلى 80% في عام 2028، فإن أهم تحد سيكون هو التحول من «خفض النسبة» إلى «خفض كلفة الاقتراض على الاقتصاد».
فالاقتصاد لا يحتاج إلى رقم أفضل فقط، بل إلى حيز مالي أوسع، واستثمار أكثر، وإنفاق عام أعلى كفاءة، وقدرة أكبر على التعامل مع الصدمات المستقبلية.
وهذا هو المعنى الأعمق لعبارة «حماية الاقتصاد غدا»:
ألا ننظر إلى الدين على أنه فاتورة ندفعها اليوم فقط، بل على أنه التزام يجب أن نضمن ألا يقلص قدرة الأردن في المستقبل على الاستثمار والإنفاق والاستجابة لحاجات المواطنين.
فالمسألة، في نهاية المطاف، ليست «دينا أم لا دين»، بل أي دين، ولأي غرض، وبأي كلفة، وبأي عائد، وبأي قدرة على السداد؟
وهنا تكون الحكمة الاقتصادية في أن نجعل اقتراض اليوم سببا لقدرة أكبر غدا، لا سببا لفاتورة أثقل.
فالدين الذي يبني قدرة الاقتصاد على السداد قد يكون جزءا من حل؛ أما الدين الذي يزيد الالتزامات دون أن يزيد قدرة الاقتصاد، فإنه يحول فاتورة اليوم إلى عبء ينتظر الغد.
وبين هذا وذاك، تبقى المهمة الأساسية هي بناء اقتصاد ينتج أكثر مما يستهلك، ويستثمر أكثر مما يرحل، ويوسع فرص العمل، ويرفع الإنتاجية، ويجعل خفض الدين نتيجة لقوة الاقتصاد، لا مجرد هدف مالي منفصل عن حياة الناس.
فحماية الأردن من أعباء المديونية لا تعني أن نغلق باب الاقتراض، بل أن نفتح باب الإنتاج أولا؛ لكي يكون اقتراض اليوم استثمارا في قدرة الغد، لا قرضا على حساب الغد.