القلعة نيوز -بقلم: أستاذ مشارك محمد حرب بشير اللصاصمة
عميد كلية اللغات وعلومها
لا يبحث رأس المال عن إعلان جذاب بقدر ما يبحث عن بيئة تمنحه الثقة والوضوح والاستقرار.
فالمستثمر حين يضع أمواله في دولة لا يقيم الفرص من زاوية العائد وحده، بل ينظر إلى منظومة متكاملة تبدأ من وضوح التشريعات وسهولة الإجراءات، ولا تنتهي عند سرعة الخدمات واستقرار السياسات وقدرة المؤسسات على حماية الاستثمار ومتابعة احتياجاته بعد قيامه.
ومن هنا فإن سؤال جذب الاستثمارات إلى الأردن لا ينبغي أن يختزل في عدد المشاريع التي تدخل البلاد، بل في مدى قدرة البيئة الاستثمارية على تحويل الاهتمام إلى قرارات استثمارية مستدامة، وتحويل المشاريع إلى قيمة مضافة وفرص عمل ونمو اقتصادي حقيقي.
لقد شهد الإطار التشريعي للاستثمار في الأردن تطورا مهما مع قانون البيئة الاستثمارية رقم 21 لسنة 2022، ثم جاءت تعديلات نظام البيئة الاستثمارية خلال عام 2026 في اتجاه تبسيط الإجراءات وتقليص مدد التراخيص والموافقات وتوسيع نطاق الحوافز.
وهذه الخطوات تعكس توجها نحو بناء بيئة أكثر مرونة واستجابة لاحتياجات المستثمر، لكن نجاحها الفعلي يقاس بمدى انعكاسها على تجربة المستثمر اليومية، وسرعة إنجاز معاملاته، ووضوح المسار الذي يسلكه منذ لحظة التفكير بالاستثمار وحتى التشغيل والتوسع.
وتشير مؤشرات النصف الأول من عام 2026 إلى استفادة 327 مشروعا من الحوافز الاستثمارية، مع توقع استثمارات مستقبلية تقارب 711.2 مليون دينار.
كما ارتفع حجم الاستثمارات في المناطق التنموية إلى نحو 6.9 مليار دينار، بزيادة بلغت 18.79 بالمئة، في حين ارتفع عدد العاملين فيها إلى نحو 123 ألف عامل مقارنة بنحو 117 ألفا في الفترة السابقة.
وشهدت هذه المناطق أيضا دخول 46 مشروعا جديدا باستثمارات متوقعة تقارب 402 مليون دينار.
وتقدم هذه الأرقام مؤشرا على وجود نشاط استثماري، إلا أن الأهم يبقى في نوعية هذه الاستثمارات، ومدى ارتباطها بالقطاعات الإنتاجية والتصديرية والتكنولوجية، وقدرتها على خلق وظائف نوعية ومستدامة.
وفي جانب آخر، تعمل وزارة الاستثمار على إعادة هندسة الخدمات الاستثمارية، بعد تحليل 121 خدمة بهدف دمجها وتقليصها إلى 94 خدمة، مع التوسع في الرقمنة وربط الإجراءات بالأنظمة الضريبية والجمركية وتطوير أدوات إلكترونية تساعد المستثمر في معرفة الكلف والحوافز والإجراءات المطلوبة.
كما شهدت منصة "Invest Jordan" توسعا ملحوظا في عرض الفرص الاستثمارية، إذ ارتفع عدد الفرص المعروضة من 44 فرصة في النصف الأول من عام 2025 إلى نحو 120 فرصة في النصف الأول من عام 2026، إلى جانب توفير خرائط للفرص ومعلومات عن اتفاقيات التجارة الحرة ومساعد افتراضي يعتمد على الذكاء الاصطناعي.
غير أن الجاذبية الاستثمارية لا تبدأ من المنصة ولا تنتهي عند توقيع الاتفاقية.
فالمستثمر يريد أن يعرف ماذا يحدث بعد دخوله السوق، ومن يتابع التحديات التي تواجه مشروعه، ومدى سرعة معالجة العوائق التي قد تعترض التوسع أو التشغيل أو التصدير.
ولذلك فإن خدمات ما بعد الاستثمار تمثل عنصرا أساسيا في بناء الثقة، وقد شهد النصف الأول من عام 2026 تنفيذ أكثر من 3153 معاملة متابعة و3801 معاملة تسهيل، بما يعكس أهمية الانتقال من مفهوم استقطاب المستثمر إلى مفهوم المحافظة عليه وتوسيع استثماراته.
وتبرز كذلك الشراكة بين القطاعين العام والخاص كمسار مهم لتوسيع قاعدة الاستثمار، خصوصا في مشاريع النقل والطاقة والمياه والتعليم والصحة والخدمات اللوجستية.
وقد ارتفعت محفظة الشراكة بين القطاعين العام والخاص إلى 11 مشروعا مقارنة بثمانية مشاريع في عام 2025. وهذه الشراكات يمكن أن تسهم في تخفيف الأعباء التمويلية عن الدولة، وتطوير البنية التحتية، وفتح المجال أمام رأس المال المحلي والأجنبي للدخول في مشروعات ذات أثر اقتصادي وتنموي.
لكن التحدي الحقيقي لا يزال أعمق من الإجراءات والحوافز. فالمستثمر يقارن الأردن ببدائل إقليمية ودولية، ويبحث عن عناصر متكاملة تتعلق بكلفة ممارسة الأعمال، وسهولة الحصول على التراخيص، وكفاءة الخدمات، واستقرار التشريعات، وتوفر الكفاءات، والقدرة على النفاذ إلى الأسواق، والوضوح الضريبي والجمركي، وجودة البنية التحتية الرقمية واللوجستية.
وكلما تقلصت الفجوة بين ما تعد به البيئة الاستثمارية وما يعيشه المستثمر فعليا، ارتفعت مستويات الثقة وتحولت الفرص المعلنة إلى مشاريع قائمة.
ومن هنا فإن الاستثمار لا يصنعه القانون وحده، ولا الحوافز وحدها، ولا الحملات الترويجية وحدها. الاستثمار يصنعه تراكم الثقة. والثقة في عالم الأعمال ليست شعارا تسويقيا، بل تجربة يومية يختبرها المستثمر في سرعة الخدمة، ووضوح القرار، وثبات القواعد، ونزاهة الإجراءات، واستجابة المؤسسات للمشكلة، وقدرة الاقتصاد على منح المشروع فرصة حقيقية للنمو.
كما أن جذب الاستثمار يجب أن يرتبط بأولويات الاقتصاد الوطني، فلا يكون الهدف مجرد زيادة التدفقات المالية، وإنما توجيه الاستثمار نحو القطاعات التي ترفع الإنتاجية، وتوسع الصادرات، وتولد فرص العمل، وتنقل التكنولوجيا، وتطور المهارات، وتدعم المحافظات والمناطق الأقل حظا.
فالمشروع الذي يحقق عائدا ماليا فقط قد يكون مهما، لكن المشروع الذي يضيف إلى الاقتصاد معرفة وفرصا وسلاسل توريد وأسواقا جديدة يترك أثرا أوسع وأكثر استدامة.
إن الأردن يمتلك موقعا استراتيجيا وشبكة من الاتفاقيات التجارية وفرصا في قطاعات متعددة، لكن تحويل هذه المزايا إلى تدفقات استثمارية مستدامة يتطلب استمرار العمل على تقليص البيروقراطية، وتعزيز الرقمنة، وتحقيق التكامل بين المؤسسات، وتوفير بيانات استثمارية دقيقة ومحدثة، وإعطاء المستثمر صورة واضحة عن الفرصة منذ البداية وحتى التشغيل والتوسع.
وفي المحصلة، فإن معركة جذب الاستثمار ليست معركة إعلانات، بل معركة ثقة.
والمستثمر لا يسأل فقط: ماذا ستمنحني الدولة؟
بل يسأل أيضا: ماذا ستضمن لي البيئة الاقتصادية والتشريعية والإدارية كي أستمر وأنمو؟
وكل إجابة عملية عن هذا السؤال ترفع قدرة الأردن على تحويل رأس المال من زائر متردد إلى شريك طويل الأمد في التنمية.
إن الأردن لا يحتاج فقط إلى مزيد من الاستثمارات، بل إلى استثمارات أكثر إنتاجية، وأكثر ارتباطا بالتنمية، وأكثر قدرة على خلق فرص العمل وتعزيز الصادرات ورفع تنافسية الاقتصاد.
وعندما تصبح تجربة المستثمر نفسها دليلا على الاستقرار والكفاءة والوضوح، عندها تتحول الجاذبية الاستثمارية من عنوان ترويجي إلى حقيقة اقتصادية.
فاستقطاب رأس المال يبدأ بالفرصة، لكنه لا يستمر إلا بالثقة.




