حين يُصبح التقاعس خياراً: صرخة الملك أمام ضمير العالم العاجز
القلعة نيوز - بقلم : حاتم محمد المعايطة
في أروقة الأمم المتحدة، حيث تعتاد المنصات على عبارات الدبلوماسية الملتوية واللغة المنمقة التي تهرب من استحقاقات الواقع، جاءت كلمات جلالة الملك عبدالله الثاني لتضع النقطة الأخيرة في حبر المجاملات الدولية.
لم تكن الكلمات مجرد مقطع من خطاب، بل كانت "وصمة توثيق" لمرحلة حرجة من تاريخ العالم؛ مرحلة لم يعد فيها الفشل الإنساني والسياسي مجرد قدر محتوم، بل خياراً واعيين تتخذه القوى الكبرى.
المواجهة بالحقائق:
تسمية الأشياء بمسمياتها
حين يتساءل الملك: "هل سنتحرك؟"
، فهو لا يطرح سؤالاً للاستفهام الاستنكاري فحسب، بل يضع الجمعية العامة—ومن خلفها الشلل الإقليمي والدولي—أمام المرآة مباشرة.
لقد انقضت العهود التي كان يُبرر فيها العجز الدولي بنقص الآليات أو غياب الحلول.
فالأزمة العالمية اليوم، سواء في فلسطين أو في بؤر الصراع الأخرى، لا تعوزها المبادرات أو الخيارات القانونية والأخلاقية، بل يعوزها الضمير السياسي.
إن وصف التقاعس بأنه "خيار" هو تفكيك شجاع للرواية الدولية المزيفة. فالجلوس على مقاعد المتفرجين بينما تُنسخ دماء الأطفال وتُدمر البنى التحتية وتُستباح المواثيق الدولية ليس مجرد "ضعف دبلوماسي"، بل هو مشاركة غير مباشرة في الجريمة.
الأردن: الصوت الذي لا يداهن
تأتي هذه النبرة الملكية الصارمة لتؤكد الموقف الأردني الثابت تاريخياً؛ موقفٌ لا يخضع للمساومات ولا يمارس الترف اللفظي على حساب العدالة.
لقد أثبت الأردن، بقيادته، أنه ليس مجرد دولة تبحث عن شواطئ آمنة وسط محيط متلاطم، بل هو ناطق باسم الحق العربي والإنساني، ومحامي الدفاع الأول عن سيادة القانون الدولي في وجه ازدواجية المعايير التي أفرغت المنظومة الدولية من جوهرها.
لقد وضع جلالة الملك الجميع أمام المعادلة التالية:
• إما التحرّك الجاد: واستعادة الهيبة للمواثيق الإنسانية والقوانين الدولية.
• أو الاستمرار في التقاعس: وتحمّل التبعات التاريخية والأخلاقية لهذا الخيار كارثي النتائج.
سقوط الأقنعة ورهان المستقبل
إن أهمية الخطاب لا تقف عند حدود قرع ناقوس الخطر، بل تتجاوز ذلك لتشخيص الأزمة الهيكلية التي يعيشها المجتمع الدولي. فعندما يتحول القعود عن إحقاق الحق إلى قرار سياسي، تسقط الأقنعة عن المبادئ التي طالما تبجّحت بها القوى العظمى.
يبقى السؤال الذي طرحه الملك معلقاً في أروقة نيويورك وفي أروقة القرار العالمي: هل سنتحرك؟ إن الإجابة عن هذا السؤال لن تُكتب بالبيانات ولا بالصياغات المطاطية، بل بالأفعال والقرارات المفصلية.
وإلى أن يصحو هذا الضمير العالمي المفصَّل على مقاس المصالح، سيبقى الصوت الأردني هو البوصلة التي تذكر الجميع بأن التاريخ لا يرحم الصامتين، وأن السكوت عن الحق ليس إلا اختياراً صريحاً للباطل.




