معتصم الجمل
في لحظات التحولات الكبرى، لا تكون الكلمات مجرد عبارات تُقال، بل تصبح مواقف تُسجّل، ورسائل تُوجّه، ورؤية تعبّر عن موقف دولة وشعب أمام العالم.
ومن هذا المنطلق، جاء خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الحادية والثمانين، أمس، حاملاً رسائل واضحة حول مستقبل المنطقة، والقضية الفلسطينية، والأمن والاستقرار، ومسؤولية المجتمع الدولي في هذه المرحلة الدقيقة.
الخطاب لم يتعامل مع ما يجري في المنطقة باعتباره أزمة عابرة، بل وضع الأحداث في سياق أوسع، يربط بين ما يحدث في فلسطين وبين مستقبل الأمن والاستقرار في المنطقة والعالم. وكان واضحاً أن الأردن يتحدث من موقع الدولة التي تدرك أن استمرار الأزمات دون حلول عادلة سيترك تداعيات تتجاوز حدود الجغرافيا.
وفي مقدمة القضايا التي حملها الخطاب، بقيت القضية الفلسطينية حاضرة بكل وضوح؛ من خلال التأكيد على حقوق الشعب الفلسطيني، ورفض التهجير والضم والاستيطان، والتمسك بحل الدولتين باعتباره الإطار الذي يحقق السلام والاستقرار على أساس قيام الدولة الفلسطينية المستقلة.
واللافت في الخطاب أيضاً أنه وضع المجتمع الدولي أمام مسؤولياته، ليس فقط تجاه ما يجري في غزة والضفة الغربية والقدس، وإنما تجاه منظومة القانون الدولي والقواعد التي يفترض أن تحكم العلاقات بين الدول وتحمي المدنيين في أوقات النزاعات.
وهنا تكمن أهمية الرسالة الأردنية: الأمن لا يمكن أن يُبنى على حساب العدالة، والسلام لا يمكن أن يستمر من دون معالجة جذور الصراع.
ومن زاوية اقتصادية وتنموية، فإن الاستقرار السياسي ليس قضية منفصلة عن حياة الشعوب واقتصادات الدول. فالمنطقة التي تعيش تحت ضغط الحروب والأزمات لا تستطيع أن تحقق كامل إمكاناتها في الاستثمار والتنمية وفرص العمل، بينما تحتاج المنطقة اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى بيئة مستقرة تسمح للشباب ببناء مستقبلهم، وللقطاع الخاص بأن يكون شريكاً حقيقياً في النمو.
وهذا ما يجعل خطاب الأردن في المحافل الدولية يتجاوز البعد السياسي المباشر؛ فهو دفاع عن حق المنطقة في أن تنتقل من منطق إدارة الأزمات إلى منطق بناء المستقبل.
كما أن إشارة جلالة الملك إلى قضايا الأمن المائي والحدود والتحديات التي تواجه الأردن تؤكد أن حماية مصالح الدولة ليست ملفاً مؤجلاً، بل مسؤولية مستمرة تتطلب وعياً استراتيجياً واستعداداً دائماً. وقد تناول الخطاب هذه الملفات ضمن قراءة أوسع للتحولات الجيوسياسية التي تشهدها المنطقة.
إن الأردن، بما يحمله من موقع جغرافي ودور إقليمي، يدرك أن الاستقرار ليس رفاهية، وأن الحفاظ على الدولة ومؤسساتها وأمنها ومصالحها الوطنية يحتاج إلى موقف واضح، وإلى دبلوماسية قادرة على إيصال الرسالة الأردنية إلى العالم.
ومن هنا، فإن خطاب الملك أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة يمكن قراءته بوصفه تعبيراً عن ثوابت أردنية واضحة: دعم الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني، حماية المقدسات في القدس، رفض التهجير والضم، دعم الحلول السياسية، والحفاظ على أمن الأردن واستقراره ومصالحه الوطنية.
وبالنسبة لنا في القطاع الاقتصادي والخاص، فإن الاستقرار الذي ينشده الأردن ليس مجرد شعار سياسي، بل هو الأساس الذي تُبنى عليه الثقة والاستثمار والنمو. وكلما اقتربت المنطقة من السلام العادل والاستقرار الحقيقي، اتسعت مساحة الفرص أمام أبنائها، وأصبح بالإمكان توجيه الموارد والطاقات من معالجة الأزمات إلى صناعة المستقبل.
لقد كان خطاب الملك رسالة أردنية إلى العالم، لكنها في الوقت ذاته رسالة إلى المنطقة بأكملها: لا يمكن أن يكون المستقبل نسخة من أزمات الماضي، ولا يمكن أن يتحقق الاستقرار الحقيقي بتجاهل الحقوق أو تأجيل الحلول.
وفي عالم تتسارع فيه الأحداث وتتغير فيه موازين كثيرة، تبقى قيمة المواقف الواضحة في أنها تمنح الشعوب والدول بوصلة للمستقبل.
وهذه هي الرسالة التي حملها الأردن إلى الأمم المتحدة: أن السلام العادل هو الطريق إلى الاستقرار، وأن حماية الإنسان وحقوقه وسيادة الدول ليست قضايا ثانوية، بل هي الأساس لأي مستقبل أكثر أمناً وازدهاراً.




