شريط الأخبار
قبيلة بني حميدة تصدر بيانا عاجلاً بمناسبة عيد ميلاد جلالة الملكة.. أبو رصاع وأعضاء "نشمية وطن" يستضيفون سهيلة الصباح الأردنيون من أكثر شعوب العالم التي تشعر بالسلبية روسيا تمنح الجنسية لمن يرغب ولكن بشرط واحد اجتماع عربي رباعي في عمّان الأحد يركز على تعزيز الأمن الغذائي في المنطقة الرحاحلة والسقاف.. السنوات الأربع الأكثر جدلية..! د. منذر الحوارات العبادي يكتب : تسريب مكالمات مدير الامن العام السابق .. اختراق امني الـريـاحي يكتب : معالي عـاطف الحجايـا .. ابن البادية السمراء تواصل عشائري قلّ نظيره الخرابشة : يعلن عن إشهار حزب العمل الأردني قريبا مدرب المنتخب الوطني يؤكد رضاه عن أداء اللاعبين أمام سوريا "كان عمرها 12 عاما وعمري 30".. ضجة بعد كشف بايدن أحد أسراره رئيسة وزراء فرنسا تزور الجزائر في 9 أكتوبر الحكومة الأردنية تحسم قرار حبس المدين الأسبوع الحالي قائمة المشاركين في سباق الحسين لتسلق مرتفع الرمان الدولي السياحة و التدريب المهني تبحثان تطوير التعاون بعد النجاح في البرنامج السياحي المغرب.. كشف تفاصيل العثور على طفلة بعمر الـ5 سنوات مختفية الحواتمة لـ القلعة نيوز : يتوعد بمقاضاة كل من أساء له ويتهم تجار المخدرات وأعوانهم الصين تحث الخطى نحو التنمية الخضراء المستدامة نقل مباراتي بطولة الأردن الدولية الرباعية إلى ملعب عمّان الدولي هجوم مدفعي إيراني على مسلحين في كردستان العراق

شاهد بالفيديو :"المكتب 39".. وثائقي يفك لغز الصندوق الأسود لكوريا الشمالية.. عجائب وغرائب في الحكم والسياسة

شاهد بالفيديو  المكتب 39 وثائقي يفك لغز الصندوق الأسود لكوريا الشمالية  عجائب وغرائب في الحكم والسياسة


 

القلعه نيوز -  كتب د. أحمد القاسمي*

ينظر المجتمع الدولي إلى جمهورية كوريا الديمقراطية الشعبية باعتبارها دولة مارقة، ولا تعود هذه الصورة إلى صواريخها التي تعبر سماء جارتها الجنوبية، أو سماء الأرخبيل الياباني فحسب، فجذور هذا الموقف تعود إلى عام 1950، حين تدخلت قواتها في الجنوب بدعم من الاتحاد السوفياتي، فقد أصدر مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة في 25 يونيو/حزيران من السنة نفسها قرارا يعتبر هذا التدخل غزوا، وصُنّفت في العالم الليبرالي باعتبارها رمزا للقوى الشيوعية العالمية.

لكن هذه الدولة ظلت تتمادى في تحديها، وكأنها قد أنست إلى عزلتها، وقد حصّنت نفسها بالحماية السوفياتية سابقا، وبالقنبلة النووية لاحقا حين انهار الاتحاد السوفياتي، فانقطع تواصلها مع العالم الخارجي تقريبا، وباتت أشبه بالغرفة السابعة في الخرافة التي يمنع فتحها.



وكثيرا ما سرت حكايات عجيبة عن طبيعة الحياة فيها وعن قسوة حكّامها وشدتهم على شعبهم، وتداخل الوهم بالحقيقة، وبات الخيالُ المفتاحَ الذي يلجأ إليه المتلهفون لمعرفة ما يدور في هذه الأرض المغلقة حينما تغيب الوثيقة المادية المثبتة.

ولم يكن الفيلم الوثائقي الألماني "المكتب 39.. الصندوق الأسود لكوريا الشمالية" (Büro 39 – Nordkoreas schwarze Kassen) الذي أخرجه "سيباستيان وايس" و"لوكاس أوغستين" و"كارل غيرستورفر" (2020) يختلف عن هذا الاتجاه، وهو يحاول فكّ ما تشكل من أسرار حول هذه الجمهورية، واختراق البناية السرية التي تُدار فيها سياسات الدولة المارقة.

كوريا الشمالية.. بلد جميل تخربه توجيهات الرقيب

لجمهورية كوريا الديمقراطية الشعبية صورة نمطية تتداولها الوثائقيات القليلة التي استطاعت التقاط مشاهد من هذا البلد المعزول، وتظهر في شكل لقطات عامة لشوارع عاصمتها بيونغ يانغ، فتكشف جمالا طبيعيا وحدائق غنّاء، وتبرز ساحات عامة فسيحة يعبرها مارّة يحثون الخطى فرادى صامتين، وتعرض نهضة عمرانية وبنايات شاهقة ومنسجمة.

وتكاد المشاهد تكون محايدة لولا صوت السارد الذي يتدخّل ليشرح ويعلق ويوجه الفرجة حيث يريد، فيشتكي من المراقبة الشديدة، ومن المرافق الذي يصاحبه ويعدّ عليه حركاته فيحدد له ما يُسمح وما لا يُسمح.

في كوريا الشمالية يتدخل الجيش في تأطير الجولات السياحية ليظهر مايريد

 

ولا تخلو المشاهد المتداولة من لقطات لساحة "كيم إيل سونغ" بصور زعمائها العملاقة والمهيبة، أو من لقطات استعراضات عسكرية ضخمة يتحرك فيها عدد كبير من الجنود آليا وبطريقة ميكانيكية متماثلة، فهل هي سيمفونية تعزف بالأجساد بحيث يكون الزعيم القائد هو المايسترو؟

لا يولّد الترتيب والتنظيم ما يُراد له من الانبهار بما يحكم هذه الجمهورية المجهولة من الانضباط والحزم، ولا يعبّر عن ما بين هذه الحشود الضحمة من التعاون أو التآزر والانسجام، ولا يتحوّل الكل المختلف إلى جسد واحد وكيان واحد، بقدر ما تجسد هذه العناصر الكائن الآلي المسلوب الإرادة، وتقتل الإنسانية من الإنسان، وتحوّل البشري إلى لا بشري.

حكم المافيا.. انتقال من عبودية الحزب إلى العائلة

يحاول الفيلم أن يتجاوز الصورة النمطية، ويعمل على تأسيس أطروحة بديلة تتبع الموارد المالية لكوريا الشمالية، لتأكيد الوجه المافيوزي (نسبة إلى المافيا) للدولة، فكل ما تقوم به يتعارض مع مفهوم الدولة التي عليها واجب احترام القوانين والتعهدات الدولية وحرمة تراب الدول الأخرى.

أما الزعيم الشاب "كيم جونغ أون" فليس دكتاتورا مجنونا كما يروّج إلى ذلك الإعلام الغربي، إنه رجل أعمال يدير شركته الخاصة التي هي كوريا الشمالية بأسرها، وكل ما يحكمه هو منطق الربح الأقصى.

وخلف الاقتصاد الاشتراكي الخادع يعوّل حكامها على اقتصاد رأسمالي متوحش لا أخلاقي في الظل، حوّل حياة الكوريين من العبودية للحزب إلى عبودية العائلة الحاكمة، ووظّف كل السبل لإنتاج القنبلة النووية، تأييدا لنفوذها وتأمينا لرفاهيتها.


 

تسريبات الغرفة السابعة.. حجر الرشيد الذي يفك ألغاز الدولة

يعمل الباحث الهولندي في التاريخ "رمكو بروكر" على فتح باب الغرفة السابعة التي تريدها الخرافة أن تظل مغلقة، ويحاول فك ألغاز الدولة المارقة، ومفتاحه كم كبير من المعلومات والبيانات السرية المسربة، ومنها السجل البلدي في بيونغ يانغ وخرائط المدينة وأنماط الشركات ومواقعها. ويُشبّه ما وقع بين يديه بحجر الرشيد الذي عُثر عليه بالقرب من مدينة رشيد في دلتا النيل عام 1799، وذلك أثناء حملة نابليون، واعتُمد في فك شفرة الهيروغليفية المصرية.

تصب البيانات المختلفة في حوض واحد هو المكتب 39، ولا يهتم الباحث كثيرا بما ينشأ من الروايات حول التسمية، كأن يوجد في المكتب التاسع من الطابق الثالث، أو أن تأسيسه وقع في 9 من الشهر الثالث (مارس)، بقدر ما يسعى إلى تحويل هذا الجهاز من أسطورة يأتي ذكرها على ألسنة المنشقين الكوريين الشماليين إلى حقيقة مادية ملموسة، إنه دائرة حكومية سرية بعثها "كيم سونغ" و"كيم جونغ" أواخر السبعينيات لتتحكم في مختلف مفاصل الدولة وتمسك بمختلف مواردها، وتوظفها لخدمة العائلة.


يقع المكتب 39 على مقربة من مقر السلطة ومقر حزب العمال، ويتشكل من ستة أقسام، ويقطن موظفوه المقدر عددهم ببعض الآلاف في مجمع خاص له أساطيل من السيارات ورياض الأطفال وملعب للغولف ومزعة لتربية النعام وبنك خاص.

تصدير العبيد وغسيل الأموال والاختراق.. جرائم تحت غطاء رسمي

تتعدّد موارد المكتب 39، وتتوزع بين ما هو معلن كالاستثمار في المنتجعات السياحية حول معابد الخمير الحمر في كمبوديا، أو تصدير اليد العاملة في قطاعي البناء والنسيج خاصة في ضرب من الاتجار بالبشر، فيشتغل العمّال تحت مراقبة جهاز أمن الدولة، وكل من يخرج عن خطّ الصرامة والخضوع يكون مآله الترحيل إلى بيونغ يونغ والسجن، إنهم يعيشون تحت ظروف العبودية دون أن يتجاوز نصيب الواحد منهم تسعين دولارا في الشهر، لتستأثر الدولة بباقي المكافآت.

ولا شكّ أنّ مثل هذه الفرصة لا تُمنح إلا بعد اختبارات قاسية لانتقاء من تجمعهم روابط قوية بعائلاتهم، أو لهم أحبة يتعلقون بهم ويقبلون التضحية بحريتهم الشخصية حتى يكفلوا سلامة أسرهم التي تُتخذ رهائن لضمان خضوعهم.

تستمد كوريا الشمالية قوتها من ترسانتها العسكرية النووية التي تهدد السلم العالمي

 

لكن الوجه الآخر لهذه الأنشطة يتجاوز الاتجار بالبشر إلى الإجرام الصريح، كالتحايل في مجال التأمين، أو توظيف أباطرة مخدرات ومنحهم جوازات سفر دبلوماسية، أو الاشتغال في تزييف العملة، وتتولى عندها الهيئات الدبلوماسية في الخارج تغيير الدولارات الأمريكية المزيفة بأخرى سليمة، وإرسالها إلى المكتب 39، أو إدارة السفن التجارية باعتماد أعلام مزيفة، وقد خولت لها هذه الحيلة نقل أربعين شحنة أسلحة إلى سوريا بين العامين 2012-2017 عبر قناة السويس، قبل أن تتدخل الأمم المتحدة وتعترض بعضها في 2018، وتضبط من بين حمولتها موادا تستخدم في صناعة الأسلحة الكيميائية.

ولم يسلم الذكاء الاصطناعي من سطوة المكتب 39، فقد كان مسؤولوه ينتقون أفضل عباقرة الإعلام لتوظيفهم في أعمال القرصنة الإلكترونية وصناعة الفيروسات، واعتماد شن الهجمات تمهيدا لبيع مضاداتها لاحقا، ويقدر خبراء الفيلم أن ما تجنيه الدولة من المخترقين يساوي ملياري دولار سنويا.

ملاذ الفاسدين.. كوريا وحلفاؤها يلتفّون على العقوبات الأممية

تفرض الأمم المتحدة عقوبات اقتصادية صارمة على كوريا الشمالية، لإرغامها على الامتثال للإرادة الدولية، لكن كيف لها أن تحاصر المكتب 39، فهذه المؤسسة تظل هلامية لا نتعرف عليها إلا من خلال حديث المنشقين عن النظام.

لكن عمليا لا نجد لها أثرا على الأرض، فهي توظّف شركات وهمية وتستغل حالة الفساد الإداري في بعض دول أفريقيا خاصة، وكثيرا ما تعوّل على دول متواطئة تتبادل معها المصالح، فتساعد النظام السوري على صناعة الأسلحة الكيميائية التي يستخدمها ضد شعبه، وتعقد صلات عميقة بالنظام الصيني الذي لا يقاوم الوضعيات الهشة لتحقيق الأرباح السهلة، شأن إفادته من الوضعية الشائكة للنظام الإيراني في مواجهة العقوبات الاقتصادية الأمريكية لشراء نفطه بأسعار بخسة.

الباحث الهولندي في التاريخ رمكو بروكر الذي ينبش في تاريخ المكتب 39

 

ويعرض الفيلم جسر الصداقة الكورية الصينية الذي يبنى على نهر يالو نموذجا لهذا التعاون، فنحو 90% من صادرات كوريا الممنوعة قانونا تصل إلى الصين عبره، ومنها تأخذ طريقها بلافتات جديدة وعناوين مختلفة.

وتتواطأ الشركات الأوروبية التي يحكمها هاجس الربح أنى كانت أساليبه في كسر الحصار، فهي تتعامل مع المصانع الصينية التي تستغل اليد العاملة الكورية البخسة وتوظفها في ظروف مهينة، أو التي تسخّر المصانع الكورية الشمالية لتعمل لصالحها وباسمها ضمن نظام المناولة، رغم أنّ التثبت من البيانات يكشف مثل هذه التجاوزات، فيفشل هذا التواطؤ سياسة المحاصرة وتجفيف الموارد التي تعتمدها الأمم المتحدة، ويشجع الجمهورية المارقة على المضي في غيّها، ويحثّها على التمادي في مروقها، ويفكّ من عزلتها.

مباحث البروفيسور.. حل اللغز الذي أعجز المخابرات العظمى

لا تخلو الحياة السياسية في كوريا الشمالية من القسوة، واحتكار الحكم في نطاق العائلة لثلاثة أجيال متلاحقة منذ عام 1948، ولا تخلو العلاقات داخل هذه العائلة نفسها من العنف، ولعل تصفية الأخ غير الشقيق لزعيم كوريا الشمالية "كيم جونغ أون" الفار من البلاد في هجوم في مطار العاصمة الماليزية كوالالمبور نموذج يختزل بجلاء هذا الانحراف.

لكن انكفاء الدولة على نفسها وانغلاقها مثّل مجالا خصبا لانتشار روايات كثيرة حول شراسة بعض ممارساتهم وفظاعة حكمهم، حتّى بات الحد الفاصل بين الحقيقة والخيال مائعا غير قابل للاختبار والتحقّق.

وضمن هذا الأفق بالتحديد يمكننا أن ننزل الفيلم، فهو يجمع بين النمط الكلاسيكي الذي يهدف إلى التوثيق أساسا، والعمل الاستقصائي الذي يحدد فرضيات، ثم يعمل على البرهنة على صحتها بالبحث الميداني، فيرمي إلى إقناع المتفرج بأن كوريا باتت معتقلا حقيقيا، وأن كل مواطنيها سجناء عبيد لعائلة فاسدة، وأن النظام الذي يحكمها ليس أكثر من وفاق إجرامي مهيكل بعناية. لكن البراهين والحجج الدقيقة التي يعتمدها لا ترقى إلى خطورة الهدف، وتظل مقاربته محض عمل مثير يغذّي الخيال ويعمّق الصورة الأسطورية لنظام متوحش معزول عن العالم يعيش وفق إيقاعه الخاص.

مصانع الحرير الناعم التي تخفي داخلها عوالم من عبودية المواطنين في كوريا الشمالية

 

ينطلق الفيلم من مباحث البروفسور "رمكو بروكر"، ومع إيماننا بقيمة البحث الأكاديمي، فإن قناعتنا بأن جهد الأفراد لا يمكن أن يقارن أبدا بمجهودات أجهزة المخابرات التي يتاح لها كثير من الوسائل، مثل استقطاب العملاء وتوظيفهم والتنصت على المشتبه بهم، واختراق معطياتهم الشخصية وتتبع حركاتهم، فكيف لباحث أن يصل من مكتبه وبوسائله المحدودة إلى ما عجزت عنه المخابرات الأمريكية والبريطانية والفرنسية مجتمعة، فيتمكن من فك شفرة المكتب 39 الذي أعيى هذه الأجهزة؟ ولماذا ظلت هذه الدّول غير مبالية وقد ناب عنها البروفيسور في فك الشفرات المعقدة لنظام ما فتئ يحرجها ويمرّغ وجهها في التراب؟

صراع بين عوالم الأخيار والأشرار.. رسالة الفيلم الموجهة

يعمل الفيلم بجلاء على تغيير عنوان الصراع بين كوريا الشمالية والعالم الغربي من الصراع الفكري بين الشيوعية والرأسمالية، إلى الصراع الأخلاقي بين الأشرار الفاسدين، والأخيار حماة قيم الصلاح ونظافة اليد.

ورغم أنّنا لا نقف موقف الدفاع عن النظام الكوري أو نعمل على تبرئته مما يوجه إليه من التهم، فإن دور الإعلام المضلل الذي كان يتلاعب بالعقول ويعمل على الإقناع بخطورة "قنبلة صدام" التي توشك على أن تصنع، تمهيدا لحرب الخليج الثالثة عام 2003؛ يحضر في أذهاننا بقوة، ويجعل ما يقدّم على أنه حقائق وسبْق مجردَ فرضيات غير مثبتة، ومفاتيح لا تقوى على فتح الصندوق الأسود.

* عن موقع الجزيرة الوثائقية